
المنهجية الأسدية وصمت العالم: مقاربة استراتيجية بعد كشف المقابر الجماعية
15/10/2025
سوريا: أسبوع المفاصل الكبرى في المشهد الوطني
18/10/2025زيارة الشرع إلى روسيا: اختبار الشراكة واستقلال القرار السوري
م. محمد صادق 16.10.2025
الملخص التنفيذي
تشكّل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو ولقاؤه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقطة تحوّل محورية في مستقبل العلاقة بين دمشق وموسكو، بما يتجاوز رمزية الحدث إلى إعادة صياغة المعادلات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي حكمت المشهد السوري لسنوات.
تعكس هذه الزيارة سعي القيادة السورية الجديدة إلى نقل العلاقة مع روسيا من مرحلة التبعية إلى نموذج شراكة سيادية متوازنة، تأخذ في الاعتبار المصالح المتبادلة، وتعيد ضبط التموضع الروسي داخل سوريا ضمن رؤية وطنية واضحة.
تناول اللقاء قضايا مفصلية شملت مستقبل القواعد العسكرية، فرص الاستثمار وإعادة الإعمار، العلاقة مع دول الإقليم، ومسار الانفتاح السياسي والدبلوماسي لسوريا في النظام الدولي. كما وجّه رسائل ضمنية إلى قوى كبرى كتركيا وإيران وإسرائيل ودول الخليج، تؤكد على أن سوريا الجديدة ترفض أن تُختزل في محاور، وتصرّ على بناء علاقات متوازنة تحفظ استقلالها.
لكن، وعلى الرغم من الرمزية العالية التي تحملها الزيارة، فإن ترجمتها إلى نتائج عملية تبقى رهنًا بالإرادة السياسية والقدرة التنفيذية، سواء عبر مراجعة العقود السابقة، أو ضبط النفوذ الخارجي، أو إدارة ملفات الداخل السوري بمنطق الدولة لا الصراع
تمهيد: لحظة مفصلية بعد التغيير
مثّلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو ولقاؤه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لحظة تحوّل فارقة في المسار السياسي الإقليمي والدولي، ليس فقط بسبب السياق الذي جاءت فيه، بل لما تحمله من دلالات استراتيجية ترتبط بإعادة رسم التوازنات في سوريا ما بعد الأسد.
فبعد سنوات من علاقة غير متكافئة بين دمشق وموسكو، جاءت هذه الزيارة لتضع أسسًا جديدة لشراكةٍ نديّة، ولإعادة تعريف الدور الروسي في سوريا ضمن صيغة سياسية وأمنية واقتصادية تواكب التحوّل العميق الذي شهدته البلاد.
أولويات اللقاء: من الاستقبال الرمزي إلى الملفات الجوهرية
الاستقبال الرسمي الذي حظي به الرئيس السوري في الكرملين، ولقاؤه مع بوتين في قاعة مذهّبة، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل يحمل رمزية واضحة أرادت من خلالها موسكو إظهار الاحترام للقيادة الجديدة في دمشق، والاعتراف بها شريكًا سياسيًا فاعلًا، لا مجرد امتداد للنظام السابق.
على مستوى المباحثات، تطرقت الاجتماعات إلى ملفات إنسانية واقتصادية حيوية، أبرزها الطاقة، النقل، الصحة، والقمح، إلى جانب إعادة الإعمار وملف الحقول النفطية المتوقفة. وفي المقابل، أكّد الرئيس الشرع أن سوريا تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع روسيا على أسس السيادة والمصالح المتبادلة، ما يعبّر عن رغبة دمشق في إدارة المرحلة الجديدة بعقلية الدولة المستقلة لا التابعة.
البُعد العسكري والأمني: مراجعة الوجود الروسي لا نفيه
من بين أكثر الملفات حساسية، يبرز ملف القواعد العسكرية الروسية في سوريا، وتحديدًا قاعدتي حميميم وطرطوس. في عهد النظام السابق، ارتبط الوجود الروسي بعقود طويلة الأمد، دون رقابة أو مشاركة سورية حقيقية. أما اليوم، فثمة اتجاه لإعادة النظر في هذه العقود، سواء من حيث المدة، أو طبيعة السيطرة، أو شروط التشغيل.
دمشق الجديدة لا تهدف إلى طرد روسيا من سوريا، بل إلى تنظيم الوجود العسكري ضمن رؤية سيادية وطنية، تراعي المصالح المتبادلة وتحدّ من الانكشاف الاستراتيجي. السيناريو الأقرب هو تحويل الوجود الروسي من حالة “السيطرة الكاملة” إلى “الشراكة الأمنية” المنظمة، بحيث يبقى النفوذ الروسي تحت إشراف سوري مباشر، دون أن يكون مهيمنًا أو عابرًا للمؤسسات الوطنية.
البُعد الاقتصادي: بين الحاجة السورية والفرصة الروسية
تعاني سوريا من دمار اقتصادي هائل، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية، مما يجعل ملف إعادة الإعمار أولوية قصوى. هنا تبرز روسيا كطرف قادر على تقديم مساهمات تقنية واستثمارية، سواء في الطاقة أو البناء أو النقل.
في الوقت نفسه، تنظر موسكو إلى سوريا كفرصة اقتصادية وسط تراجع نفوذها في بعض الساحات الأخرى، ما يجعلها مهتمة بالحفاظ على دور فاعل في إعادة الإعمار، عبر عقود استراتيجية في النفط والغاز، وإدارة الموانئ، والمشاريع الكبرى.
التحدي يكمن في إيجاد معادلة تضمن تدفّق الاستثمارات دون تحوّلها إلى أدوات نفوذ أو احتكار. دمشق بحاجة إلى عقود شفافة ومجزية، وإلى تنويع الشركاء، من دون أن تقع في فخّ الارتهان مجددًا لأي طرف خارجي، مهما كانت نواياه.
البُعد السياسي والدبلوماسي: نحو شرعية دولية مدروسة
الزيارة تحمل في طياتها أيضًا رسالة سياسية إلى الإقليم والعالم: سوريا ما بعد الأسد ليست حليفة أحد بالوراثة، بل تبني تحالفاتها على أسس جديدة.
الشرع، عبر خطابه المتوازن، يُظهر رغبة في التحول من دولة محاور إلى دولة توازن، تتواصل مع روسيا كما مع الدول العربية والغربية، وتسعى لإعادة إدماج سوريا في النظام السياسي والاقتصادي الدولي.
أما من جهة موسكو، فإن احتضان القيادة الجديدة في دمشق يمنحها فرصة لإعادة تموضع استراتيجي في الشرق الأوسط، كشريك لا كوصي، وكقوة توازن لا كقوة فرض. وهذا التحول قد يتيح لها احتفاظًا بنفوذها دون كلفة سياسية أو أمنية مرتفعة، خاصة في ظل انشغالها بملفات دولية كبرى.
البُعد الإقليمي: رسائل إلى أنقرة وطهران وتل أبيب والعواصم الخليجية
لا يمكن فهم هذه الزيارة بعيدًا عن المراقبة الإقليمية الدقيقة التي خضعت لها. فـ:
- تركيا، تتابع كل تطوّر يخص العلاقات الروسية السورية لأنه يؤثر مباشرة في مناطق الشمال السوري، وملف الأكراد، وتوازنات إدلب.
- إيران، حليفة الأسد السابقة، قد ترى في التقارب الروسي السوري الجديد نوعًا من إعادة التموضع الذي قد يقلّص نفوذها الأمني والاقتصادي في سوريا.
- إسرائيل، من جانبها، تراقب الوجود الروسي كموازن محتمل في الجنوب السوري، وقد تطالب بتفاهمات غير مباشرة عبر موسكو بشأن نشاطات إيران أو حزب الله.
- الدول الخليجية، التي بدأت الانفتاح على دمشق، ستقرأ اللقاء كجزء من تحولٍ أوسع في موقع سوريا، وستدرس تأثير العلاقة الروسية السورية الجديدة على مصالحها في المنطقة.
- التنافس الأوروبي والعربي: دمشق قد تسعى لاستغلال هذه العلاقة لكي تحصل على مزيد من الشرعيات، ثم تنفتح على دول الخليج أو أوروبا بشرط أن لا تُستخدم كأداة لتصفية النفوذ الروسي.
موقف القوى الدولية ومراكز الأبحاث الغربية والروسية
في الغرب، هناك تحليل يرى أن روسيا تحاول تأمين موطئ قدم مقابل استنزافها في أوكرانيا، ولذلك فإن استمرارها في سوريا يُعد استراتيجية “قصيرة الأجل” أكثر منه استثمارًا بعيد المدى.
بعض مراكز الأبحاث الأمريكية قد تُفسّر اللقاء بأنه محاولة من موسكو للحفاظ على نفوذ رمزي في الشرق الأوسط حتى لو بَدّلَت بعض شروطه.
في الأوساط الروسية، قد يُنظر إلى هذا اللقاء كفرصة لإعادة صياغة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط في ظل الانكفاء النسبي في ملفات أخرى.
إنما هناك تحذيرات من أن روسيا قد تُقاسَم النفوذ مع قوى صاعدة أو منافسة داخل سوريا إن لم تحسن التوازن، وقد تخسر مواقع إذا ما دعوت دمشق إلى إعادة التفاوض.
بالتالي، فإن دمشق تسعى لبعث رسالة مفادها: سوريا الجديدة تقيم علاقاتها مع الجميع، ولا تسمح لأي طرف أن يستفرد بها.
البُعد الداخلي: من المعارضة إلى الحكم الرشيد
سياسيًا، تُعد زيارة الشرع إلى موسكو رسالة موجهة للداخل السوري قبل الخارج: القيادة الجديدة لا تتصرف كحركة معارضة مسلحة، بل كدولة ذات سيادة، تُجري زيارات دولية، وتُوقّع اتفاقيات، وتعيد رسم العلاقات الخارجية على أسس مدروسة.
غير أن هذه الحركة محفوفة بالتحديات، أهمها ألا يُفهم التقارب مع موسكو على أنه إعادة إنتاج للنظام السابق. على الشرع أن يحافظ على دعم الشارع الذي أوصله إلى الحكم، وفي الوقت نفسه أن يدير العلاقات الخارجية بما يضمن الاستقرار وفتح أبواب إعادة الإعمار.
هل نحن أمام نقطة تحوّل فعلية؟
كل المؤشرات تُظهر أن زيارة الشرع إلى موسكو تمثل لحظة تأسيس لتحالف استراتيجي جديد، يتجاوز الماضي، ويبني المستقبل على منطق الشراكة لا التبعية. ومع ذلك، يبقى التنفيذ هو الحكم الحقيقي:
- هل ستُعاد صياغة الاتفاقيات العسكرية؟
- هل ستُفتح عقود اقتصادية بشفافية ووفق مصلحة الدولة؟
- هل سيتم إشراك شركاء دوليين وعرب آخرين لضمان توازن النفوذ؟
- وهل ستُترجم هذه التحركات إلى تحسن فعلي في الداخل السوري سياسيًا واقتصاديًا؟
كل هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، وإجاباتها تتوقف على ما ستفعله دمشق وموسكو معًا خلال الأشهر القادمة.
خاتمة: تحالف الفرصة لا المصير
من الكرملين، أرادت دمشق أن تقول إنها ليست وريثة لنظامٍ بل صانعة لمستقبل. ومن موسكو، ردّت روسيا بأنها مستعدة لتكون شريكًا في هذا المستقبل، إن توفرت شروط جديدة.
إنها لحظة بناء لا إعادة تدوير. وتحالفٌ قائم على المصالح لا الذكريات. وإذا ما أُحسن استثمارها، فقد تكون هذه الزيارة الشرارة الأولى لعهد سوري جديد، أكثر استقلالية، وأشد توازنًا، وأقرب إلى ملامح الدولة السيّدة الحديثة.
تحميل المقالة بصيغى بي دي اف PDF
زيارة الشرع إلى روسيا، اختبار الشراكة واستقلال القرار السوري


