سوريا 2025: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الأسد
13/10/2025
زيارة الشرع إلى روسيا: اختبار الشراكة واستقلال القرار السوري
16/10/2025
سوريا 2025: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الأسد
13/10/2025
زيارة الشرع إلى روسيا: اختبار الشراكة واستقلال القرار السوري
16/10/2025
مشاهدة الكل

المنهجية الأسدية وصمت العالم: مقاربة استراتيجية بعد كشف المقابر الجماعية

المنهجية الأسدية وصمت العالم: مقاربة استراتيجية بعد كشف المقابر الجماعية

م. صادق | 15.10.2025

 مقدمة

تُعد التجربة السورية الممتدة منذ عام 1970 حتى سقوط عائلة الاسد نموذجًا مركّبًا لفهم العلاقة بين السلطة المطلقة والدولة المنهارة، وبين منطق “الأمن أولًا” ومنطق “العدالة المؤجلة“. ومع انكشاف حقائق جديدة حول عمليات التغطية على المقابر الجماعية التي أشرفت عليها أجهزة النظام السابق، تتبدّى فرصة نادرة لإعادة قراءة منهجية الحكم الأسدي في سياقها التاريخي والاستراتيجي، وفهم كيف تسامح النظام الدولي مع هذا النمط السلطوي لعقود، ولماذا حان الوقت لتصحيح هذا المسار بما يخدم السوريين لا الأنظمة.

أولاً: المنهجية السلطوية – من “الأسد الأب” إلى “الأسد الابن”

  1. هندسة الخوف والسيطرة

منذ انقلاب حافظ الأسد عام 1970، تأسس النظام السوري على قاعدة “الأمن مقابل الطاعة”، حيث جرى تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات مراقبة وإخضاع، وتفكيك البنية الاجتماعية إلى وحدات معزولة تُدار عبر الولاءات الشخصية والطائفية.

كان جوهر المنهجية هو “تأميم السياسة“، أي جعلها ملكًا حصريًا للنظام، فتحوّلت الدولة من كيان سيادي مستقل إلى جهاز تنفيذي تابع للأمن، بينما جرى تفريغ المجتمع من أدوات الدفاع المدني والسياسي.

  1. إعادة إنتاج القمع كسياسة دولة

في عهد بشار الأسد، لم يتغير الجوهر، بل تطور الأسلوب. فقد تم توظيف التقنيات الحديثة والفضاء الرقمي لتوسيع دائرة المراقبة والسيطرة النفسية، واستُبدلت شعارات “الثورة التصحيحية” بخطاب “الإصلاح الموجه“، مع بقاء البنية الأمنية على حالها.

انتهت هذه المرحلة إلى إخضاع الاقتصاد والسياسة والدين معًا الى الأجهزة الأمنية، بحيث لم يعد هناك فصل بين أجهزة الأمن والدولة، بل أصبحت الدولة نفسها جهازًا أمنيًا كبيرًا.

ثانياً: تواطؤ النظام الدولي وصمت الجغرافيا السياسية

على مدار نصف قرن، تعامل النظام الدولي مع سوريا وفق معادلة براغماتية قاسية:

  • استقرار النظام أهم من حرية الشعب.
  1. الغرب ومفارقة “الاستقرار أولًا”

رغم إدراك العواصم الغربية لطبيعة النظام القمعية، فإنّ أولويتها كانت دائمًا منع الفوضى في الشرق الأوسط، والحفاظ على خطوط التوازن مع إسرائيل. لذلك جرى التسامح مع انتهاكات النظام ما دام يضبط الحدود، ويتعاون استخباراتيًا في ملف الإرهاب.

  1. روسيا وإعادة تدوير النظام

روسيا، منذ الحقبة السوفيتية، رأت في سوريا آخر موطئ قدم استراتيجي في البحر المتوسط. ومع اندلاع الثورة عام 2011، تبنّت موسكو سياسة “الحماية مقابل الشرعية”، فتحوّل بشار الأسد من حليف إلى ورقة ضغط، ومن رئيس دولة إلى رهينة في يد الكرملين.

واليوم، مع استمراره في الاحتماء بموسكو، تُطرح مسألة جديدة: هل ستستمر روسيا في حماية رمز متهالك فقد شرعيته الأخلاقية والسياسية؟ أم ستبحث عن صفقة تحفظ نفوذها دون أن تتحمل عبء الدفاع عن الجرائم المنكشفة؟

ثالثاً: الدلالات الاستراتيجية لكشف المقابر الجماعية

لا يُعد كشف المقابر الجماعية في سوريا حدثًا جنائيًا معزولًا، بل يعكس بوضوح بنية النظام، حيث ارتُكبت هذه الجرائم كجزء من سياسة دولة ممنهجة، لا مجرد تجاوزات فردية. ووفق تقارير منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، أُديرت عمليات الإخفاء والنقل بتنسيق بين أجهزة أمنية، لطمس الأدلة، وإخفاء هوية الضحايا، ومحو الذاكرة الجمعية للسوريين.

تُسقط هذه الحقائق رواية “الخطأ الفردي“، وتؤكد أن القتل كان أداة في إدارة الدولة، ما يعيد طرح أسئلة العدالة والمحاسبة كأولوية لا يمكن تجاوزها في أي انتقال سياسي.

وعليه، فإن انكشاف هذه الجرائم يضع المجتمع الدولي والمنظومة القضائية أمام اختبار حاسم: إمّا السير نحو محاسبة جادة، أو إعادة إنتاج النسيان على حساب حقوق الضحايا

رابعاً: المطلوب من الحكومة السورية الجديدة

  1. تبنّي نهج “لاعتراف قبل الإصلاح”: لا يمكن بناء شرعية جديدة دون مواجهة الإرث الدموي بشجاعة مؤسسية.
  2. إنشاء هيئة وطنية مستقلة للحقيقة والمصالحة تتكوّن من حقوقيين محليين ودوليين.
  3. ضمان الشفافية في إدارة ملفات المفقودين والمقابر، وفتحها أمام المنظمات الدولية.
  4. بناء شراكة استراتيجية مع القوى الإقليمية على أساس المصلحة لا الخضوع، لتثبيت السيادة السورية الحقيقية.
  5. وضع سياسة اتصالية جديدة تُعيد الثقة بين الدولة والمواطن، وتجعل من العدالة لا الانتقام حجر الزاوية في مرحلة ما بعد الاستبداد.

خامسًا: المطلوب من المجتمع الدولي

  1. رفع الحصانة السياسية عن رموز النظام السابق وعلى رأسهم بشار الأسد، عبر مسار قانوني دولي واضح.
  2. إطلاق صندوق دولي لإعادة بناء سوريا على أسس العدالة الانتقالية لا فقط البنية التحتية.
  3. وقف ازدواجية المعايير التي ترى في ضحايا سوريا أرقامًا لا أسماء، وتُطبّق العدالة الانتقائية وفق المصالح.
  4. دعم استقلال القرار السوري الجديد عبر المساعدة التقنية والمؤسسية، لا عبر الإملاءات الجيوسياسية.

خاتمة

لم تعد المسألة السورية شأنًا داخليًا ولا قضية لجوء فقط، بل امتحانًا عالميًا لمصداقية فكرة العدالة نفسها.

إن بقاء رأس النظام السابق في موسكو ليس تفصيلًا شخصيًا، بل رمز لانقسام العالم بين من يؤمن بالمساءلة ومن يهرب من مسؤولياته.

وفي هذه اللحظة التاريخية، تقف سوريا أمام خيارين: إما أن تُكتب فصولها القادمة بمداد الحقيقة والكرامة، أو تُعاد طباعتها بالحبر ذاته الذي كتب ماضيها بالدم.

والخيار الآن في يد السوريين والمجتمع الدولي معًا: أن يكتبوا صفحة جديدة، أو يتركوا الطغيان يكتبها عنهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443