
النسيج السوري بعد الحرب: تحديات الدولة وتشظي السيطرة وصمود المجتمع
07/10/2025
المنهجية الأسدية وصمت العالم: مقاربة استراتيجية بعد كشف المقابر الجماعية
15/10/2025سوريا 2025: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الأسد
م. محمد صادق 03.10.2025
مقدمة: التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط
يشهد الشرق الأوسط في عام 2025 تحوّلاً عميقاً في توازناته الاستراتيجية، وسط تقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية التي تعيد تشكيل الوضع السوري.
منذ بداية الحرب، كان للنزاع في سوريا دور محوري في تغيير موازين القوى في المنطقة. ومع بروز نظام دمشق الجديد وتبدل دور القوى الإقليمية، يتبلور واقع جديد يُجسد فيه تراجع النفوذ الإيراني، صعود الدور التركي، عودة واشنطن بحذر، وكذلك إستراتيجية التفكيك التي تعتمدها إسرائيل لضمان تفوقها الإقليمي.
وهنا يبرز السؤال: كيف سيتشكل مستقبل سوريا في ظل هذا التوازن المعقد؟
دمشق الجديدة وإعادة تعريف السيادة
بعد سقوط نظام الأسد وبروز الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، بدأت سوريا في تبني سياسة “السيادة التوافقية“، وهي سياسة قائمة على توازن العلاقات مع القوى الكبرى مثل تركيا، الولايات المتحدة، وأوروبا دون الانحياز إلى محور واحد.
أولويات النظام الجديد تتمثل في استعادة وحدة الأراضي السورية وضبط السلاح عبر دمج الفصائل المسلحة.
ومع ذلك، تواجه دمشق تحديات كبيرة في الطريق: من الجنوب المضطرب إلى الشمال الكردي شبه المنفصل، حيث يشكل الواقع الجغرافي والسياسي الألغام التي تعيق استعادة السيادة. نظام دمشق الجديد يدرك جيدًا أن بقاءه مرهونٌ ببناء مؤسسات قادرة على فرض السلطة، بعيدًا عن عسكرة الولاءات أو الارتهان لأي قوى خارجية.
تركيا: من الخصومة إلى الشراكة
في السنوات الأخيرة، أعادت تركيا تعريف دورها في سوريا من قوة مواجهة إلى شريك استراتيجي في إعادة الإعمار وضمان الاستقرار الحدودي.
تركيا التي كانت في صراع مع دمشق طوال الحرب، ترى الآن في سوريا الجديدة عمقًا استراتيجياً أمنيا واقتصاديًا.
ومع ذلك، فإن أنقرة ترفض أي وجود كردي مسلح شمال البلاد، حيث تدير سياسة “الاحتواء الناعم” عبر مشاريع طاقة وبنية تحتية في مناطق المعارضة، وضغط عسكري وأمني على قسد، ورغم هذه التوترات، تواصل تركيا التنسيق مع واشنطن لتفادي الصدامات العسكرية المباشرة، وفي الوقت ذاته تواصل تفاهماتها مع دمشق لضمان نفوذها طويل الأمد، دون العبء المتمثل في الاحتلال المباشر.
إسرائيل: استراتيجية التفكيك الذكي
تسعى إسرائيل بكل الوسائل للحفاظ على سوريا ضعيفة ومجزأة. هذا لمنع قيام جيش موحد قادر على تهديد حدودها الشمالية ويُبقي محور المقاومة في حالة تشرذم دائم.
في إطار هذا الهدف، تدير إسرائيل تدخلاتها الجوية والسياسية وفق معادلة دقيقة: ضرب النفوذ الإيراني في أي محاولة للتوسع في المنطقة، ومراقبة أي تقارب سوري تركي قد يعيد لسوريا تماسكها الاستراتيجي.
فإسرائيل تعتبر أن سوريا الفاعلة تشكل تهديدًا مباشرًا لمصالحها، بينما تضمن سوريا المنهكة بقاء الهيمنة الإسرائيلية على الحدود.
واشنطن: إدارة التوازن في سوريا
الولايات المتحدة لم تغادر سوريا تمامًا، لكنها أعادت تعريف وجودها العسكري والسياسي ليخدم هدفين رئيسيين: احتواء النفوذ التركي ومنع عودة إيران، مع إبقاء سوريا في حالة “إدارة أزمات” دون حلول نهائية. تدعم واشنطن قوات محلية في الشمال الشرقي تحت شعار مكافحة الإرهاب، كما تستخدم الملف الإنساني كأداة ضغط على دمشق وحلفائها.
في الوقت نفسه، تبدو انها مستعدة لدفع باتجاه صفقة “استقرار مشروط“، شريطة ضمان عدم تحول سوريا إلى ساحة نفوذ روسي أو صيني بديلة. هذه السياسة تُظهر أن واشنطن تسعى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية دون تورط عسكري طويل الأمد.
روسيا: إعادة تموضع للحفاظ على النفوذ
روسيا التي دخلت سوريا منذ 2015 لدعم نظام الأسد، أعادت تموضعها بشكل تدريجي بعد سقوط النظام. لم تعد موسكو تهيمن بشكل مباشر على كافة الشؤون السياسية، لكنها حافظت على وجود عسكري في مواقع استراتيجية مثل حميميم وطرطوس.
ومع انشغال موسكو بالحرب الأوكرانية وما ترتب عليها من استنزاف عسكري واقتصادي، اضطرت إلى إعادة توزيع مواردها اللوجستية وتقليص بعض التزاماتها الميدانية في الساحة السورية، معتمدة أكثر على الشراكات المحلية والمرتزقة لضمان استمرار نفوذها بتكلفة أقل، وتركّز على تنسيق ميداني مع واشنطن وتل أبيب لتجنب التصادمات غير المحسوبة. اقتصادياً، تسعى لتعزيز حضورها عبر مشاريع الطاقة والموانئ في عملية إعادة الإعمار، بالرغم من العقوبات المفروضة عليها.
وتبقى لاعبًا أساسيًا في المعادلة السورية، تسعى لحماية نفوذها الاستراتيجي دون الانخراط في مغامرات جديدة قد تؤدي إلى تعميق الصراع.
إيران: تراجع النفوذ وصراع البقاء الإقليمي
تواجه إيران في 2025 مرحلة انكفاء واضحة بعد سنوات من تمددها الإقليمي. الحرب الطويلة في سوريا استنزفت أدواتها، وسقوط النظام الحليف في دمشق كان ضربة استراتيجية لمشروع “محور المقاومة”.
داخليًا، تعاني طهران من ضغوط اقتصادية متزايدة وعقوبات خانقة رغم محاولاتها الالتفاف عليها بالتعاون مع روسيا والصين. إقليميًا، تراجع نفوذ إيران في سوريا والعراق، وهو ما يحد من قدرتها على التأثير الميداني لصالح تركيا وروسيا.
لكنها تسعى للبقاء كلاعب إقليمي عبر دعم فصائل محلية وشبكات نفوذ اقتصادية.
قسد وشمال شرق سوريا: بين واشنطن ودمشق
تمثل قوات سوريا الديمقراطية العقدة الأكثر تعقيدًا في المشهد السوري. نشأت قسد بدعم أميركي لمكافحة تنظيم داعش، لكنها تحولت إلى كيان شبه مستقل يدير منطقة غنية بالنفط والموارد. وهي تواجه اليوم ضغوطًا من جميع الأطراف: واشنطن تراها أداة نفوذ مهمة في منع النظام السوري من استعادة السيطرة على المنطقة، بينما تعتبر دمشق قسد تهديدًا لوحدة البلاد وتطالب بدمجها في الجيش الوطني الجديد. تركيا بدورها تواصل الضغط العسكري لمنع إقامة كيان كردي مستقل على حدودها الجنوبية. في ظل هذا التفاعل المعقد، تمثل مناطق قسد ساحة اختبار لتوازن القوى الجديد: لا هي مستقلة تمامًا، ولا هي خاضعة كليًا، بل قائمة على معادلة هشّة من التفاهمات المؤقتة.
الدروز في الجنوب السوري: توازن هش بين القوى الإقليمية
في الجنوب السوري، يشكل الدروز حالة تمايز استثنائية. فهم يسعون لتثبيت موقعهم كقوة محلية مستقلة عن المحاور الإقليمية والدولية، مستفيدين من موقعهم الجغرافي الحساس بين دمشق والجولان. الحكومة الانتقالية في دمشق تحاول استمالتهم سياسيًا، بينما تراقب إسرائيل الوضع عن كثب، معتقدة أن استقرار جبل العرب يجب ألا يتحول إلى قوة مركزية يمكن أن تقارب النفوذ الإيراني أو السوري الكامل. يصبح الجنوب نموذجًا دقيقًا لسياسة “الاستقرار المحكوم” التي تسعى إسرائيل لتحقيقها: التوازن الهش الذي يحافظ على استقرار المنطقة من دون السماح لأي طرف بالتمكن منها.
وهكذا يصبح الجنوب السوري مرآة مصغرة لمعادلة سوريا الجديدة: استقرار هش فوق أرض متحركة
خاتمة: معادلة التوازن في سوريا بعد الحرب
الشرق الأوسط في 2025 يقف عند مفترق طرق: تركيا تواصل صعودها بثقة، دمشق تحاول النهوض من تحت الركام، إيران تبتعد إلى الظل، بينما تمارس الولايات المتحدة وإسرائيل سياسة “إدارة التوازن” بدلاً من حسم الصراعات. بين الجنوب الدرزي والشمال الكردي، تختبر سوريا الجديدة معادلة صعبة: بناء دولة موحدة في بيئة لا تريد لها الوحدة. هذه هي الجغرافيا السياسية في لحظة إعادة التشكيل، حيث يسعى كل طرف لتثبيت نفوذه قبل أن تُكتب خرائط ما بعد الحرب النهائية
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تكتب خريطتها بيدها، أم ستظل ساحة تتقاطع فيها خرائط الآخرين؟


