احتمالات توسيع الصراع الإسرائيلي–الإيراني نحو الخليج:
13/03/2026
النفوذ التركي في سوريا وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط
06/04/2026
احتمالات توسيع الصراع الإسرائيلي–الإيراني نحو الخليج:
13/03/2026
النفوذ التركي في سوريا وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط
06/04/2026
مشاهدة الكل

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على سوريا

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على سوريا

من الاحتواء إلى الانهيار: قراءة في زلزال يعيد رسم الشرق الأوسط

م. محمد صادق الشيخ ديب 31.03.2026

مقدمة: لحظة لا تشبه ما سبقها

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل أولى ضرباتهما العسكرية المشتركة على الأراضي الإيرانية. لم تكن هذه مجرد جولة في سلسلة التوترات المتكررة؛ بل كانت لحظة فارقة أعادت تعريف قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط كله. في غضون ساعات، تصاعدت أعمدة الدخان فوق طهران، وسُمعت انفجارات ضخمة قرب القصر الرئاسي والمقار الأمنية، وأُعلن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.

منذ تلك اللحظة، والمنطقة تسير على صفيح ساخن. أطلق الحرس الثوري الإيراني موجات انتقامية متتالية طالت إسرائيل والخليج والعراق. وبعد ثلاثين يوماً من الحرب، لا يزال الصراع مفتوحاً على احتمالات متضاربة: هل ينتهي بتفاوض يُسقط النظام الإيراني سلمياً؟ أم يتحول إلى حرب استنزاف مديدة؟ وما موقع سوريا في كل هذا؟

 سوريا ليست طرفاً في هذه الحرب، لكنها ليست بمنأى عنها. إنها ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وتتشابك خيوط الصراع الإقليمي، وكل ما يجري في طهران ينعكس مباشرة على دمشق.

أولاً: التحول الاستراتيجي من الاحتواء إلى الإسقاط

  1. أربعة عقود من الاحتواء تنهار في يوم

طوال أربعة عقود، اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية على مبدأ الاحتواء: إضعاف النفوذ الإيراني عبر الوكلاء، وتقطيع أوصال شبكاته من حزب الله إلى الحوثيين، والضغط الاقتصادي عبر العقوبات. غير أن هذه الاستراتيجية بلغت سقفها وكشفت حدودها: إيران استمرت في تطوير برنامجها النووي، وحافظت على شبكة وكلائها رغم كل الخسائر.

في عام 2026، انتقل الحسابان الأمريكي والإسرائيلي إلى منطق مختلف جذرياً. أعلن الرئيس ترامب صراحةً أن الهدف لا يقتصر على تدمير القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، بل يمتد إلى تغيير النظام بالكامل. هذه القفزة من الاحتواء إلى الإسقاط تمثل تحولاً بنيوياً في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية منذ عهد ريغان.

  1. الشروط الموضوعية التي جعلت الحرب ممكنة

لم تنشأ هذه الحرب في فراغ. فقد سبقتها جملة من المتغيرات المتراكمة التي هيأت الأرضية لها:

أولاً، تراجع قدرة محور المقاومة الإيراني بشكل كبير بعد الضربات الموجعة التي تلقاها حزب الله، وتراجع دور الحوثيين، وسقوط نظام الأسد في سوريا.

ثانياً، الانهيار الاقتصادي الإيراني الحاد الذي أشعل موجات احتجاج داخلية متتالية منذ أواخر 2025.

ثالثاً، تنامي قناعة استراتيجية أمريكية–إسرائيلية مشتركة بأن نافذة الفرصة لم تكن لتبقى مفتوحة طويلاً.

ما جرى في 28 فبراير 2026 لم يكن قراراً مفاجئاً؛ بل كان نتيجة تراكم استراتيجي ممنهج استغرق سنوات من التحضير والتنسيق، وانتظر اللحظة المناسبة لإطلاق فتيله.

ثانياً: ميدان المعركة من طهران إلى هرمز

  1. الضربات وردود الفعل: مشهد غير مسبوق

استهدفت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية الأولى منظومة صنع القرار الإيراني في عمقها: قادة الحرس الثوري والجيش، ومنظومات الدفاع الجوي. وقد حقق اغتيال خامنئي أثراً نفسياً ورمزياً لم تسبق له سابقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

في المقابل، جاء الرد الإيراني واسعاً لكن بحدود قدراته الفعلية المتآكلة. انطلقت صواريخ ومسيّرات نحو إسرائيل، ودول الخليج، والعراق. وأعلن الحرس الثوري حصار مضيق هرمز وتهديد كل سفينة تحاول العبور، وهو قرار ذو تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة. وبحلول الأسبوع الرابع من الحرب، كان الحرس الثوري قد أطلق ما يزيد على ثمانين موجة ضمن عملية “الوعد الصادق 4″، مما يدل على أن إيران لا تزال تمتلك قدرات الضرب وإن كانت تتراجع.

  1. البُعد الاقتصادي العالمي

تجاوز الأثر الاقتصادي لهذه الحرب حدود المنطقة. أزمة مضيق هرمز تعني تعطل نحو خمسة وعشرين بالمئة من صادرات النفط العالمية، وارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق مئة دولار للبرميل، مما يفرض ضغطاً تضخمياً عالمياً. وتتأثر دول مستوردة للطاقة كمصر والأردن والمغرب ودول جنوب شرق آسيا بصورة مزدوجة: ارتفاع فواتير الطاقة مع تراجع عائدات السياحة والاستثمار الأجنبي.

ثالثاً: القوى العظمى بين المطرقة والسندان: الموقف الروسي والصيني.

الموقف الروسي: “المقايضة الصعبة”

تجد موسكو نفسها في موقف حرج؛ فهي لا تستطيع التخلي عن إيران كحليف استراتيجي يربك الحسابات الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته لا تملك القدرة (أو الرغبة) في الدخول في مواجهة مباشرة لحماية طهران. في سوريا، ستلعب روسيا دور “الوسيط المرجح”؛ حيث ستحاول حماية قواعدها في طرطوس وحميميم عبر التفاهم مع “العهد السوري الجديد” وتركيا، مقابل غض الطرف عن تقليص النفوذ الإيراني، سعياً منها لضمان ألا يكون البديل عن إيران هو هيمنة أمريكية مطلقة.

الموقف الصيني: “دبلوماسية الطاقة والممرات”

بالنسبة لبكين، الحرب هي كابوس اقتصادي يهدد تدفقات النفط (اتفاق الـ 25 عاماً مع إيران). الصين لن تتدخل عسكرياً، لكنها ستستخدم ثقلها في مجلس الأمن لفرض “وقف إطلاق نار” يحمي استثماراتها. في سوريا، ستدفع الصين باتجاه مشروع “الحزام والطريق” كبديل لإعادة الإعمار، مستغلةً الفراغ الذي يتركه الممولون الغربيون المنشغلون بتكاليف الحرب، لتقدم نفسها كشريك “تنموي لا سياسي”.

 

رابعاً: سوريا في عين العاصفة

  1. موقع سوريا الجيوسياسي المزدوج

تقع سوريا في قلب هذه المعادلة بطريقة فريدة ومعقدة. فهي من جهة المستفيد التاريخي من انكسار النفوذ الإيراني الذي كان يستخدم أراضيها ممراً استراتيجياً نحو لبنان والمتوسط. ومن جهة أخرى، تجد الدولة السورية الفتية التي ترزح تحت وطأة إعادة البناء نفسها محاصرة بين نيران متقاطعة: حرب إسرائيل على حزب الله تعبر أجواءها غرباً، والمسيّرات والصواريخ الإيرانية تخترق مجالها الجوي وتُسقط حطامها على مدنها كما حدث في السويداء حيث راح ضحيتها أربعة مدنيين سوريين.

  1. الأثر المباشر: الخسائر السورية

على الصعيد المباشر، تتكبد سوريا جملة من الخسائر الملموسة:

أولاً: تعليق مشاريع إعادة الإعمار وتدفق الاستثمارات؛ الدول الشريكة في التعافي السوري باتت مشغولة بأولوياتها الأمنية والاقتصادية، والدول الأوروبية الشريك الضروري في مسار التعافي تتصارع مع ارتفاع فواتير الطاقة وتداعياتها الاجتماعية.

ثانيا: خلف لغة الأرقام والخرائط، يعيش الشارع السوري حالة من الوجوم والقلق الوجودي؛ فالسوريون الذين لم يبرئوا بعد من جراح عقْد من الحرب، يجدون أنفسهم اليوم تحت رحمة سماءٍ لم تعد ملكهم. في مدن الجنوب والوسط، تسببت شظايا الصواريخ الاعتراضية وحطام المسيّرات في موجات نزوح صامتة من القرى الحدودية نحو العمق، هرباً من ‘نيران لا ناقة لهم فيها ولا جمل’. وبينما تنشغل مراكز الأبحاث بتقدير المكاسب الاستراتيجية، ينشغل الأب السوري بتأمين ملاذٍ آمن لعائلته من ‘صراع الكبار’، وسط خشية شعبية عارمة من أن تتحول البلاد مجدداً إلى صندوق بريد دامٍ، تتبادل فيه القوى الإقليمية رسائلها بالبارود على حساب دماء المدنيين واستقرارهم الهش.”

ثالثاً: تصاعد خطر عودة تنظيم داعش الذي ينتعش في بيئات الفوضى والأزمات الاقتصادية.

رابعاً: أن إيران لم تهضم بعد خسارة سوريا وتدهور نفوذها، وتحاول عبر الميليشيات والتسريبات توريط دمشق في الصراع.

المفارقة المؤلمة أن سوريا دفعت ثمن الوجود الإيراني طويلاً في ظل الأسد، وها هي اليوم تدفع ثمن خروج إيران من إقليمها بصواريخ تتساقط على مدنها.

  1. الأثر الاستراتيجي: إسرائيل والمسألة الجنوبية

يُشكّل الانتصار الإسرائيلي المحتمل في هذه الحرب ضغطاً استراتيجياً هائلاً على دمشق. فانتصار تل أبيب سيكرّسها قوة مهيمنة في المنطقة دون منازع، ويمنحها أوراق ضغط إضافية على الحكومة السورية الجديدة، ويُسقط عنها الضغط الدولي للانسحاب من المناطق السورية التي احتلتها في أعقاب سقوط نظام الأسد نهاية 2024. والأكثر خطورة أن الساحة السورية قد تتحول إلى ميدان للتنافس بين تل أبيب وأنقرة الحليفة للعهد الجديد في دمشق، وهو تنافس قد يُعيد توتير الجنوب السوري بصورة خطيرة.

  1. الفرص في خضم الأزمة

غير أن الأزمة لا تخلو من فرص ينبغي قراءتها بعين استراتيجية. فالحرب رسّخت مشروع ربط خطوط الاتصالات الرقمية بين السعودية وسوريا عبر الأردن، وهو بديل استراتيجي لخطوط البحر الأحمر المهددة. كما أن التموضع الجيوسياسي الجديد لسوريا بعيداً عن محور إيران ومنفتحاً على المحيط العربي والغربي يمنحها ورقة ثمينة في أي مشاورات إقليمية قادمة. والأهم أن انكسار القدرة الإيرانية يُزيل التهديد الأكثر استراتيجية للدولة السورية في مرحلة بنائها.

خامساً: استشراف المستقبل ثلاثة سيناريوهات

السيناريو الأول: التفاوض والانتقال الهادئ

يشير تفاؤل ترامب بالمسار التفاوضي إلى احتمال حقيقي: الوصول إلى صفقة تنتج نظاماً إيرانياً جديداً أكثر “عقلانية” وفق الوصف الأمريكي. في هذا السيناريو، تُرفع العقوبات تدريجياً، ويُعاد فتح هرمز، ويُوضع البرنامج النووي تحت رقابة دولية. لسوريا في هذا المشهد أفضل الأحوال: عودة زخم الاستثمار، واستقرار المشهد الأمني، وانفتاح على إعادة الإعمار. لكن هذا السيناريو يتطلب نضجاً سياسياً إيرانياً نادراً في لحظة الاحتقان الراهنة.

السيناريو الثاني: الاستنزاف المفتوح

الأرجح على المدى المنظور هو استمرار حالة بين الحرب والسلم: ضربات متبادلة متقطعة، تفاوض متذبذب، وهرمز يُفتح ويُغلق وفق أوراق الضغط المتبادل. في هذا السيناريو تظل سوريا في حالة ترقب مُكلف: اقتصاد منهك، ومشاريع معلقة، وتدفق متقطع للاستثمارات. الخطر الحقيقي هنا هو أن الفراغ الاقتصادي الطويل يُبقي بيئة خصبة للتطرف وعودة الفصائل المسلحة.

السيناريو الثالث: الانهيار والفوضى

الأقل احتمالاً لكن الأكثر خطورة هو انهيار الدولة الإيرانية بالكامل دون مسار انتقالي واضح. الفوضى الإيرانية تعني فراغاً استراتيجياً ضخماً تتنافس على ملئه قوى متعددة: تركيا، وروسيا، ودول الخليج، وإسرائيل. وفي هذا المشهد الكابوسي، تصبح سوريا مجدداً ساحة تقاطع للتنافسات الكبرى، قبل أن تُستكمل بناء مؤسساتها ومركزة قرارها.

إن سوريا في كل السيناريوهات لا تملك ترف الانتظار. مهمتها الأولى والأكثر إلحاحاً هي تحصين داخلها وتسريع بناء مؤسساتها، لتتحول من ساحة تجاذب إلى فاعل يمتلك أوراقه الخاصة.

 

سادساً: ما الذي يجب على دمشق فعله؟

أمام المشهد السابق، تبرز جملة من الأولويات الاستراتيجية التي تفرضها اللحظة على دمشق:

أولاً حياد استراتيجي فاعل: عدم الانجرار إلى أي محور، وتقديم سوريا نفسها كدولة تسعى إلى الاستقرار الإقليمي لا إلى المحاور. هذه الورقة تُعزز الموقف التفاوضي مع الجميع، مما يجعل دمشق نقطة توازن مقبولة لروسيا التي تخشى فقدان نفوذها، وللغرب الذي يريد إنهاء (الملف الإيراني)

ثانياً تسريع مسار الاستقرار الداخلي: إعادة الأمن وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي يمنح الدولة السورية شرعية تفاوضية ويُقلص هامش التدخل الخارجي.

ثالثاً إدارة الملف الجنوبي بذكاء: استغلال الانشغال الإسرائيلي في الحرب للتفاوض على وضع المناطق المحتلة جنوباً، عبر قنوات دولية ووساطات عربية.

رابعاً تنويع الشراكات الاقتصادية: تحريك ملف إعادة الإعمار عبر بوابات خليجية وعربية لا تنتظر الحلول الأمريكية–الأوروبية التي تبقى رهينة الشروط السياسية، والاستفادة من الرغبة الصينية في إيجاد بدائل استراتيجية لممرات الطاقة المهددة

خاتمة: لحظة التأسيس أو الانهيار

يعيش الشرق الأوسط اليوم لحظة إعادة تأسيس نادرة، بكل ما تحمله هذه اللحظات من خطر وفرصة في الوقت ذاته. الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تُسقط نظاماً إقليمياً عمر أربعة عقود، وترسم بدمائه وانفجاراته ملامح نظام جديد لم تتضح معالمه بعد.

سوريا في قلب هذا التحول. وهشاشتها الراهنة جزء من المشكلة، لكنها في الوقت ذاته جزء من الحل: فدولة سورية مستقرة ومركزية القرار، غير منحازة لمحور بعينه، هي مصلحة لمعظم الأطراف الإقليمية والدولية. السؤال هو: هل تُدرك القيادة السورية الجديدة هذه اللحظة في ثقلها الحقيقي وتتحرك بالسرعة والوضوح الكافيين؟

 في عالم السياسة الكبرى، الفرص لا تُدق أبوابها مرتين. سوريا اليوم أمام باب مفتوح مهمتها الأولى ألا تتركه يُغلق قبل أن تعبره.

 

لقراءة كامل المقالة حمل المستند بصيغة PDF

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على سورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443