
البرلمان السوري المقبل: بين استحقاق التمثيل واختبار الدولة
04/10/2025
سوريا 2025: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الأسد
13/10/2025النسيج السوري بعد الحرب: تحديات الدولة وتشظي السيطرة وصمود المجتمع
م. محمد صادق | 07.10.2025
مقدمة: بعد أكثر من عقد على اندلاع النزاع السوري، يقف المشهد عند مفترق حاسم، حيث لا يزال ميزان القوى مضطرباً، والدولة المركزية تسعى لاستعادة سلطتها وسط واقع جيوسياسي متداخل ومفكك. تظهر مكونات محلية ودولية فاعلة، تتقاطع مصالحها وتتنازع في بنية الدولة وأمنها الإقليمي.
صمود المجتمع السوري – أساس مغفل في المعادلات الدولية
رغم الظروف الكارثية، شكّل المجتمع السوري، بكل تبايناته، عامل استقرار نسبي في وجه الانهيار التام. أثبتت شرائح واسعة حضرية، ريفية، قبلية، قدرة لافتة على التكيّف، ليس فقط عبر النجاة، بل بإعادة تنظيم الحياة في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة أو تحت سيطرة فواعل محلية. هذا الصمود لا يُغني عن الأزمات العميقة، لكنه يفرض إدماج الحاجات اليومية للمدنيين ضمن أي تسوية: الأمان المحلي، الخدمات الأساسية، والعدالة الانتقالية.
أي مقاربة تركز فقط على اللاعبين السياسيين والعسكريين، دون استيعاب البنية الاجتماعية، ستُنتج حلولًا سطحية غير قابلة للاستدامة.
الدولة السورية – إعادة بناء السلطة في ظل الجغرافيا المتعددة
تُواصل السلطة المركزية في دمشق المطالبة بوحدة الأراضي السورية، مستندة إلى مفاهيم السيادة التقليدية. لكن الواقع تغير جذريًا منذ 2011:
نشوء إدارات محلية، تحالفات مسلحة ذات استقلال نسبي، واقتصادات شبكية مرتبطة بقوى خارجية.
أبرز التحديات أمام إعادة بناء الدولة المركزية:
- سياسيًا: ضعف الثقة بين النظام وقطاعات معارضة، خصوصًا في الشمال الشرقي والجنوب.
- جيوسياسيًا: استمرار النفوذ الخارجي الذي يعيق استعادة كاملة للسيادة.
مع بقاء هذه المعضلات دون معالجة بنيوية، تبقى الدولة أمام خيارين: إما مركزية قسرية تفتقر للشرعية المجتمعية، أو تسوية مرنة تتيح شكلاً من الحكم اللامركزي بضمانات دستورية.
مفاوضات متعثرة وشبح التصعيد: قسد والدولة المركزية على حافة المواجهة
رغم محاولات الحوار بين قوات سوريا الديمقراطية والدولة المركزية السورية، إلا أن الفجوة السياسية والأمنية ما تزال واسعة، وتُهدّد بالتحول إلى صدام مفتوح في حال استمر التصعيد المتبادل. جولات التفاوض التي جرت خلال السنوات الأخيرة تمحورت حول مطالب الإدارة الذاتية، والاعتراف ببعض الهياكل المحلية، مقابل عودة رمزية للدولة ومؤسساتها. لكن دمشق ترى أن هذا الطرح يُقوّض وحدة القرار السيادي، بينما تعتبر قسد أن أي عودة من دون ضمانات دستورية وتمثيل فعلي ستكون مجرد إعادة إنتاج للمركزية القمعية.
المشهد الحالي يشهد مؤشرات خطيرة: حشود عسكرية متبادلة في ريف حلب الشرقي، واشتباكات متقطعة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ذات الأغلبية الكردية في حلب، وسط خطاب متوتر من الطرفين. هذه التطورات تنذر بإمكانية تحول التوتر السياسي إلى حرب محدودة النطاق، خاصة إذا رأت دمشق أن الظروف الدولية والإقليمية تسمح بعمل عسكري يعيد بعض المناطق للسلطة المركزية، أو إذا خشيت قسد من تراجع أمريكي وقررت فرض أمر واقع بالقوة.
الفاعلون الدوليون والإقليميون – مصالح تتقاطع وتُعيق الاستقرار
أمريكا: رغم تأكيدها على وحدة سوريا، دعمت واشنطن قسد سياسيًا وعسكريًا ضمن تحالف مكافحة داعش، مما أضعف قدرة الدولة المركزية على بسط نفوذها.
لكن التردد الأمريكي في تقديم ضمانات بعيدة المدى ترك قسد في موقع تفاوضي هش، وزاد من قابلية الانكشاف في حال حدوث انسحاب مفاجئ.
إسرائيل: تدخلها العسكري مبرَّر رسميًا بـ”ردع إيران”، لكنه يتجاوز ذلك إلى استراتيجية أوسع تهدف لمنع إعادة بناء دولة سورية مستقرة. عبر ضربات جوية، تنسيق استخباراتي، ودعم غير مباشر لبعض الفواعل المحلية، ساهمت إسرائيل في إدامة الفوضى، خاصة في الجنوب السوري.
روسيا: أعادت موسكو التوازن العسكري للنظام، لكنها ركّزت على مصالحها الاستراتيجية (قواعد بحرية وجوية، عقود اقتصادية)، دون ضغط فعلي نحو تسوية سياسية شاملة.
تركيا: بعد سقوط نظام الأسد، أعادت تركيا تموضعها في سوريا بصفتها فاعلًا داعمًا للنظام الجديد، شريطة أن تتقاطع ترتيبات المرحلة الانتقالية مع أولوياتها الأمنية وعلى رأسها الملف الكردي. ورغم تحوّل أنقرة إلى شريك سياسي وأمني في إعادة بناء الدولة، إلا أن موقفها من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لم يتغير، إذ لا تزال تعتبرها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المصنّف كمنظمة إرهابية من قبلها.
تموضعت تركيا بعد سقوط الأسد في موقع مزدوج: شريك لبناء الدولة الجديدة، وخصم صلب لأي صيغة سياسية أو عسكرية تشمل قسد بهيئتها الحالية. هذا الموقف يضمن لأنقرة استمرار نفوذها، ويمنحها موقعًا تفاوضيًا متقدمًا في كل ما يتعلق بإعادة رسم توازنات الشمال الشرقي السوري.
الأمم المتحدة – الوسيط الحاضر الغائب
رغم حضورها الدائم في الخطاب السياسي المتعلق بالأزمة السورية، ظل تأثير الأمم المتحدة على الأرض محدودًا. فقد رعت جولات تفاوض متعددة (جنيف، أستانا، سوتشي)، لكنها عجزت عن فرض إطار زمني ملزم أو ضمانات تنفيذ لأي من مخرجات تلك اللقاءات.
غياب أدوات التنفيذ، وانقسام مجلس الأمن، جعلا دور المبعوثين الأمميين المتعاقبين أقرب إلى “إدارة الأزمة” بدلًا من قيادتها نحو حل حقيقي.
لكن تبقى الأمم المتحدة الطرف الأكثر قدرة على توفير مظلة تفاوض شرعية، لا سيما إذا ما طُعّمت برعاية مشتركة من الفاعلين الدوليين والإقليميين.
سيناريوهات محتملة للمستقبل السوري
- تسوية لامركزية مشروطة
- حكم محلي موسّع بضمانات دستورية.
- اندماج تدريجي لقوات قسد في الجيش السوري.
يحتاج لدعم روسي-أمريكي وضمانات إقليمية.
- تصعيد عسكري محدود، قد ينشأ من محاولة الدولة استرجاع مناطق بالقوة أو تراجع الدعم الأمريكي. يهدد بتفجير جبهات خامدة وزيادة النزوح.
- وضع مجمّد طويل الأمد، تقاسم غير رسمي للنفوذ بين القوى الفاعلة.
استمرار الأزمة الإنسانية دون أفق لحل شامل.
توصيات عملية لصياغة حل مستدام
- إنشاء منصة تفاوضية متعددة الأطراف تشمل: دمشق، روسيا، الولايات المتحدة، تركيا، وميسر أممي محايد.
- تأمين متطلبات إنسانية عاجلة: وقف إطلاق نار مستقر، قنوات توزيع موارد شفافة، دمج عناصر الشرطة المحلية ضمن هياكل رسمية تدريجيًا.
- مراجعة السياسات الدولية: الدعم العسكري التكتيكي للفواعل المحلية قد يحقق أهدافًا آنية، لكنه يكرّس تفكك الدولة على المدى المتوسط.
خاتمة: لم تعد سوريا ما بعد الحرب ساحةً لصراع البنادق فحسب، بل ميدان اختبارٍ حقيقي لقدرة الدول والمجتمعات على إنتاج نظام سياسي جديد من بين الركام. إن العودة إلى منطق السلطة المركزية القسرية أو الرهان على الغلبة العسكرية لم يعدا ممكنين ولا مقبولين. ما لم يتم الاعتراف بالبنية الجديدة للواقع السوري بكل ما تحمله من تعددية محلية، وتعقيد إقليمي، وإرادة مجتمعية للبقاء، فإن أي تسوية ستكون مجرد تأجيل لانفجار آخر.
إن مفتاح الحل ليس في العواصم الكبرى وحدها، بل في تلبية تطلعات السوريين لحياة آمنة وكريمة، بعد سنوات من الجوع، والنزوح، والانقسام.



1 Comment
هل الوضع المجمّد سيساعد في بناء سوريا في مرحلة إعادة الإعمار لما بعد الحرب؟