
عزمي بشارة والدور الناعم في إعادة تشكيل الربيع العربي: الحالة السورية نموذجًا
27/09/2025
النسيج السوري بعد الحرب: تحديات الدولة وتشظي السيطرة وصمود المجتمع
07/10/2025البرلمان السوري المقبل: بين استحقاق التمثيل واختبار الدولة
م. محمد صادق | 04.10.2025
تتجه أنظار السوريين في الداخل والشتات إلى انتخابات مجلس الشعب السوري المقرر إجراؤها خلال الساعات القادمة، وسط مشهد سياسي وأمني واقتصادي معقد، ومرحلة انتقالية دقيقة تقودها حكومة أحمد الشرع منذ مطلع عام 2025. هذه الانتخابات، التي تُعقد في ظل ظروف استثنائية، تطرح تساؤلات عميقة حول جدواها، وشرعيتها، والدور المنتظر من البرلمان الجديد، ومدى قدرته على تجسيد تطلعات السوريين بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام.
السياق السياسي العام: من “الشكلية” إلى “التجريب السياسي”؟
تُجرى الانتخابات المقبلة في ظل نظام سياسي مركزي لا يزال يحتفظ بدرجة كبيرة من السيطرة، رغم بروز بعض مؤشرات الانفتاح منذ تولي الشرع رئاسة الحكومة الانتقالية. وقد بدأت تظهر توجهات نحو تعزيز دولة المؤسسات، وإن كانت هذه الخطوات لا تزال في بداياتها وتحتاج إلى مزيد من الدعم لتترسخ بشكل فعلي.
وفي هذا السياق، يُلاحظ أن طريقة تشكيل البرلمان، التي تجمع بين ثلثي أعضاء منتخبين وثلث معيّن، تعكس محاولة لتحقيق توازن مؤسسي بين التمثيل الشعبي والحفاظ على قدر من الاستقرار الحكومي. غير أن هذا الترتيب يثير أيضاً تساؤلات حول مدى استقلالية المجلس وقدرته على أداء دوره التشريعي والرقابي بشكل كامل، خاصة في ظل استمرار النفوذ الواسع للأجهزة التنفيذية والأمنية
البنية القانونية والرقابية: غياب البيئة التعددية
لا تزال البيئة القانونية المحيطة بالانتخابات تواجه تحديات حقيقية في ما يتعلق بتوفير ضمانات كافية لتعزيز التعددية والمنافسة السياسية. فضعف الأحزاب السياسية، وغياب مؤسسات رقابية مستقلة بشكل كامل، إلى جانب القيود المفروضة على الحريات الإعلامية، كلها عوامل تطرح تساؤلات حول مدى اكتمال الشروط الديمقراطية للعملية الانتخابية.
في المقابل، يُنظر إلى مشاركة بعض القوى المستقلة وممثلي المجتمع المدني بوصفها مؤشراً على رغبة في الانفتاح السياسي التدريجي، حتى وإن كانت هذه الأطراف ما زالت تفتقر إلى أدوات التأثير والتمثيل الفعّال. وهذا ما يجعل الانتخابات المقبلة أقرب إلى مرحلة انتقالية، قد لا تغيّر المشهد بشكل جذري، لكنها تُمثّل خطوة أولى – وإن كانت محدودة – في مسار طويل لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر تعددية ومساءلة
الدور المنتظر من البرلمان: بين الواقع والطموح
في التجربة السورية السابقة، ظل مجلس الشعب عاجزاً عن ممارسة دور تشريعي مستقل، واقتصر غالباً على تمرير قوانين الحكومة دون تعديل أو نقاش فعلي. لكن المرحلة الحالية تحمل إمكانات مختلفة – وإن كانت محدودة – بفعل الضغوط الشعبية والرغبة الدولية في رؤية مؤسسات تمثيلية أكثر توازناً.
إذا استطاعت بعض الأصوات المستقلة أو القادمة من المجتمع المدني أن تجد مكاناً فعلياً داخل المجلس، فقد يصبح البرلمان منصة لمناقشة قضايا خدمية وتنموية واقتصادية ملحّة. لكن هذا يبقى رهناً بوجود آليات رقابة حقيقية، وانفتاح الحكومة على المساءلة والشفافية.
الرسالة السياسية من الانتخابات: الداخل والخارج يترقب
تدرك حكومة الشرع أهمية الانتخابات ليس فقط على المستوى الداخلي، ولكن كرسالة إلى المجتمع الدولي بأنها قادرة على إدارة مرحلة انتقالية “منضبطة” تقود إلى مؤسسات شرعية. وفي ظل الانقسامات الإقليمية، تسعى الحكومة إلى تثبيت شرعية برلمانية تدعم موقفها في أي مفاوضات مقبلة.
تعيين ثلث أعضاء المجلس يمكن تفسيره، من وجهة نظر الحكومة، كوسيلة لاحتواء المخاطر والفوضى السياسية في مرحلة انتقالية، خاصة مع غياب بنية حزبية سليمة. لكن الخطر يكمن في تحوّل هذا “التعيين المرحلي” إلى عرف دائم، ما يُفرغ البرلمان من مضمونه.
الهواجس المجتمعية: تمثيل منقوص أم إقصاء ناعم؟
رغم الأهمية التي تحظى بها الانتخابات المقبلة كخطوة على طريق إعادة بناء المؤسسات، فإن بعض القطاعات في المجتمع السوري تبدي قلقها من أن التشكيلة البرلمانية قد لا تعبّر بشكل كافٍ عن التنوع الاجتماعي والثقافي والسياسي في البلاد.
فيما يخص تمثيل الأقليات، تبرز مخاوف من أن يؤدي غياب آليات تمثيلية واضحة إلى تهميش بعض المكوّنات أو التيارات، ما يُعيد إنتاج الإقصاء، وإنْ بصيغ غير مباشرة. كما أن مسألة تعيين الثلث في البرلمان تثير نقاشاً مشروعاً حول توازن الأدوار داخل المجلس، وضرورة الحفاظ على استقلاليته ليتمكّن من أداء دوره الرقابي والتشريعي بفعالية.
هذه المخاوف، وإن كانت نابعة من تجارب سابقة، يمكن أن تتحوّل إلى فرص لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، إذا ما قوبلت بسياسات تضمن الشفافية، وتوسّع من هامش المشاركة السياسية الحقيقية للجميع
فرص متاحة: كيف يمكن للحكومة تجاوز منطق الإقصاء؟
رغم كل التعقيدات، ما زالت أمام حكومة الشرع فرص جدّية لتوظيف البرلمان القادم كأداة إعادة بناء للثقة الوطنية، عبر خطوات ملموسة:
ربط البرلمان بخارطة طريق دستورية واضحة، تؤكد أن هذه المرحلة انتقالية، وأن انتخابات شاملة ومباشرة ستجري في موعد محدد ومعلن.
اختيار شخصيات ذات مصداقية ضمن الثلث المعين، تمثل المحافظات المهمشة، واللاجئين، والمجتمع المدني.
تفعيل الرقابة الداخلية داخل المجلس، من خلال بث الجلسات، وتمكين النواب من استجواب الوزراء ومناقشة الموازنة والسياسات العامة.
فتح قنوات تواصل مع المعارضة الوطنية، خصوصاً تلك الموجودة في الخارج، لبناء حوار سلمي يُفضي إلى توافق وطني حقيقي.
خاتمة: هل يمثل البرلمان المقبل بداية جديدة؟
الانتخابات البرلمانية السورية المقبلة، ورغم ما يكتنفها من جدل وتحديات، تمثل لحظة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة. فهي ليست اختباراً لحكومة أحمد الشرع فقط، بل للدولة السورية كلها: هل ستنجح في الانتقال من دولة فرد إلى دولة مؤسسات؟ من تمثيل شكلي إلى تمثيل شعبي حقيقي؟
إن قدرة هذا البرلمان على لعب دور حقيقي في التشريع والرقابة، وعلى أن يكون صوتاً للسوريين بمختلف أطيافهم، ستحدد ما إذا كانت البلاد تدخل فعلاً في عهد جديد، أم تعيد إنتاج نظام مركزي بصيغة محدثة.
ويبقى السؤال الأهم:
هل ستُعيد هذه الانتخابات الثقة بين الناس والدولة؟
أم أن الخيبة ستعود بثوب جديد، وتُبدّد فرصة نادرة كان يمكن البناء عليها؟


