
سوريا تنهض من تحت الرماد: بناء الدولة بين وحدة الداخل وتحديات الخارج
02/08/2025
بين الضرورة والتحول الاستراتيجي كيف تعيد دمشق وأنقرة رسم مشهد الأمن الإقليمي؟
05/08/2025زيارة الشيباني إلى موسكو: إعادة تموضع روسي أم بداية استقلال دمشق؟
م. محمد صادق
05 آب 2025
شكّلت زيارة وزير الخارجية السوري الجديد، أحمد الشيباني، إلى موسكو أواخر تموز/يوليو 2025، لحظة سياسية لافتة في مسار العلاقات بين دمشق وموسكو، بعد أكثر من عقد من التدخل الروسي المكثف في الشأن السوري منذ 2015. جاءت الزيارة في توقيت بالغ الرمزية والأهمية، في ظل التحولات الجذرية التي تعيشها سوريا منذ سقوط نظام الأسد أواخر 2024، وصعود حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع.
في خضم هذه المتغيرات، يبرز تساؤل محوري: هل تسعى دمشق الجديدة إلى ترسيخ تحالف استراتيجي متجدد مع موسكو؟ أم أنها بداية لانسحاب هادئ من وصاية الكرملين وبناء سياسة خارجية مستقلة؟
رمزية التوقيت وملامح مرحلة ما بعد الأسد
زيارة الشيباني إلى موسكو حملت طابعًا تأسيسيًا، بوصفها أول زيارة رسمية من دمشق إلى الحليف الروسي منذ تغيّر النظام.
عرفت سوريا تحت حكم بشار الأسد (2000–2024) مرحلة من التبعية السياسية والعسكرية المتزايدة لروسيا، لا سيما بعد اندلاع الثورة عام 2011، حيث لعب التدخل العسكري الروسي عام 2015 دورًا حاسمًا في بقاء النظام. لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد السخط الداخلي وتآكل الشرعية، ما أدى إلى انهيار النظام أواخر 2024، بفعل ضغوط دولية واقتصادية وانقسامات داخلية.
وقد ركّزت المحادثات، بحسب ما نقلته وسائل إعلام، على أربعة محاور استراتيجية:
- إعادة تعريف الوجود العسكري الروسي، خصوصًا في قاعدتي حميميم وطرطوس.
- تنسيق أمني ثلاثي (روسي – سوري – تركي) في مناطق الإدارة الذاتية الكردية.
- إطلاق لجان مشتركة لمراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية الموقعة خلال عهد الأسد.
- التحول من الوصاية إلى الشراكة، في خطاب رسمي اتّسم بلهجة براغماتية غير مسبوقة.
موسكو تغيّر تموضعها… بواقعية ما بعد أوكرانيا
يبدو أن الكرملين بدأ فعلاً بتطبيق سياسة “خفض الانخراط المباشر” في سوريا، انسجامًا مع تحولات أوسع في سياسته الخارجية بعد أزماته المتعددة، وعلى رأسها حرب أوكرانيا. وتركّز المقاربة الروسية الجديدة على المصالح الاستراتيجية الصافية، وأبرزها:
- حماية موطئ القدم في المتوسط (طرطوس – حميميم).
- تأمين مسار الغاز الروسي إلى الجنوب عبر الأراضي السورية.
- ضبط التوازن مع تركيا وإيران ضمن ترتيبات ما بعد الأسد.
وبحسب مراقبين روس، فإن موسكو باتت ترى في الحكومة السورية الجديدة شريكًا “أقل فوضوية” من النظام السابق، وأكثر قدرة على ضبط التكاليف السياسية والاقتصادية.
دمشق تنتقل من التبعية إلى البراغماتية
من الجانب السوري، حملت الزيارة رسائل دقيقة على المستويين الداخلي والخارجي:
داخليًا: الحكومة الانتقالية تمارس السيادة وتعيد رسم السياسة الخارجية.
خارجيًا: روسيا لم تعد وصيًا، بل شريكًا يمكن التفاوض معه على قاعدة المصالح لا الولاءات.
وفي هذا الإطار، شددت مصادر مختلفة على أن دمشق لم تعد تقبل باتفاقات تمنح امتيازات مفتوحة أو سيطرة مطلقة على موارد الدولة، بل تسعى لإعادة صياغتها بما ينسجم مع المتغيرات.
ملف “قسد”… ثلاثية هشّة أم تسوية ممكنة؟
يُعد ملف “قسد” من أكثر القضايا حساسية في الترتيبات الجديدة، وقد كان محورًا أساسيًا في المحادثات بين الطرفين.
تبدو ملامح تفاهم ثلاثي أولي بين موسكو ودمشق وأنقرة، يقوم على:
- انسحاب أمريكي تدريجي من شرق الفرات.
- إعادة انتشار الجيش السوري بدعم روسي في مناطق “قسد”.
- هيكلة أمنية جديدة تدمج عناصر “قسد” ضمن مؤسسة أمنية محلية تشرف عليها دمشق.
ذا السيناريو يمنح دمشق مكسبًا سياسيًا يعزز شرعيتها في الشرق السوري، ويرضي الأطراف الثلاثة – باستثناء واشنطن – التي تجد نفسها أمام واقع استراتيجي جديد. هل تستقل دمشق عن موسكو تدريجيًا؟
رغم الطابع الإيجابي للزيارة، فإن مؤشرات عديدة تدل على أن دمشق بدأت تفكك بهدوء تبعيتها السياسية والاقتصادية لموسكو، من أبرزها:
- الانفتاح المتسارع على دول عربية مؤثرة (السعودية، مصر، الإمارات).
- الحوار المتقدم مع الاتحاد الأوروبي بشأن ملف اللاجئين والإعمار.
- مراجعة شاملة للديون الروسية والاتفاقات الاقتصادية غير المتوازنة.
ولا يعني هذا التوجه قطيعة أو مواجهة، بل إعادة هيكلة للعلاقة بما يخدم سيادة القرار السوري، ويحقق توازنًا بين القوى الدولية المتداخلة في الملف السوري.
خاتمة
إن زيارة الشيباني إلى موسكو تعبّر عن تحول دبلوماسي نوعي في السياسة السورية الجديدة. لم تعد العلاقة مع روسيا قائمة على التبعية أو الخضوع العسكري، بل باتت تتجه نحو شراكة سياسية واقتصادية متوازنة، تُراعي مصالح الطرفين دون إملاءات.
ويرى كثير من المحللين أن الزيارة قد تمهّد لمرحلة ما بعد “الوصاية الروسية”، حيث تسعى سوريا إلى بناء شبكة علاقات خارجية متعددة، تُوازن بين الشراكة مع موسكو والانفتاح على الغرب والدول العربية.
وبينما لا تزال المصالح الروسية حاضرة بقوة، فإن دمشق الجديدة ترسم ملامح استقلالها… ليست هذه نهاية التحالف، لكنها بالتأكيد نهاية التبعية.


