
سوريا من جديد: خارطة طريق لبناء دولة قوية وعادلة
02/08/2025
زيارة الشيباني إلى موسكو: إعادة تموضع روسي أم بداية استقلال دمشق؟
05/08/2025سوريا تنهض من تحت الرماد: بناء الدولة بين وحدة الداخل وتحديات الخارج
م. محمد صادق
02.08.2025
تدخل سوريا عهدًا جديدًا ليس فقط برحيل النظام السابق، بل بانبثاق مشروع وطني يسعى لبناء دولة لجميع أبنائها، في الداخل والشتات. ومع تولي الرئيس أحمد الشرع مقاليد الحكم، بدأت البلاد بالتقاط أنفاسها الأولى، وسط تحديات جسيمة ومطالب شعبية عميقة، تطالب بإعادة الخدمات، تثبيت الاستقرار، واستعادة ثقة المواطن بمؤسسات بلده بعد سنوات طويلة من التشظي والخذلان.
الرأي العام السوري، المحايد والواعي، لا يطلب معجزات، لكنه يراقب بدقة: من يتحرك فعلاً نحو بناء سوريا؟ ومن لا يزال أسير الحسابات القديمة؟ وبين المسارين، تتقدم الدولة الجديدة بثبات، محاولةً تحقيق الممكن وسط المستحيل.
الدولة بين شرعية جديدة وتحديات قديمة
استطاعت الحكومة السورية الجديدة أن تؤسس لشرعية قائمة على الإرادة الشعبية لا القمع الأمني. وهذا بحد ذاته منعطف تاريخي لم تعرفه سوريا منذ عقود. إلا أن الطريق إلى الاستقرار ما يزال محفوفًا بالتحديات: بنية تحتية شبه مدمرة، مؤسسات منهكة، وخريطة اجتماعية متداخلة بين الولاءات والآلام.
تحاول الحكومة دفع عجلة الخدمات في المدن الكبرى والأرياف، لكن الأثر اليومي على المواطن لا يزال محدودًا. الكهرباء، المياه، والنقل العام هي ملفات مفتوحة تنتظر علاجًا عميقًا. ومع ذلك، فإن الرغبة في البناء حاضرة، والأداء الحكومي خاضع لتقييم فعلي وليس مجرد بروتوكول سياسي.
ملف اللاجئين: اختبار الثقة قبل العودة
رغم انتهاء مرحلة القمع والاحتقان السياسي، إلا أن عودة اللاجئين إلى سوريا لا تزال أبطأ من المتوقع. كثيرون لا يزالون مترددين، ليس بسبب موقف سياسي، بل بسبب غياب البنى الأساسية الكافية، أو انعدام الضمانات في مناطقهم الأصلية.
تركيا تقدم مثالًا واضحًا على هذه المفارقة. فبحسب بيانات وزارة الداخلية التركية، ما يزال أكثر من 3.2 مليون لاجئ سوري يعيشون على أراضيها، رغم كل دعوات العودة، ورغم بعض التسهيلات الميدانية. وهذا يشير إلى فجوة عميقة بين التغيير السياسي وبين حاجة الناس إلى بيئة اقتصادية وخدمية وأمنية مستقرة.
العمل على ردم هذه الفجوة لا يتم بالشعارات، بل عبر خطة وطنية لعودة اللاجئين، قائمة على تأهيل البنى التحتية، وتقديم حوافز حقيقية، ودعم دولي يضمن الحقوق.
المفاوضات مع إسرائيل: بين الضرورة والحذر
في خطوة مفاجئة، دخلت الحكومة السورية في مفاوضات مع إسرائيل، بهدف معالجة قضية الجولان المحتل وضبط التدخلات الإسرائيلية في الجنوب. هذه المفاوضات ليست تنازلًا، بل تعبير عن إدراك سياسي بأن استعادة الحقوق لا تكون فقط عبر القوة، بل أيضًا عبر قنوات السياسة والدبلوماسية.
وبينما يُنتظر أن تُعقد جولة جديدة في أذربيجان، يبقى الحذر سيد الموقف. فالمفاوض السوري يعلم أن التعامل مع إسرائيل يتطلب يقظة تامة، نظرًا لتجارب المنطقة مع انتهازيتها ومراوغتها. والحكومة تؤكد أن هذه المحادثات لا تعني تطبيعًا، بل تمسّكًا بالحقوق من دون ضجيج، وبسيادة القرار السوري دون ارتهان لمحاور لا تخدم القضية الوطنية.
وحدة سوريا فوق الجميع: الدولة تتحرك لفك عقد الداخل
من الملفات الحساسة التي تضع الدولة نصب عينها: تفكيك بؤر الانفصال والارتباط الخارجي، وخاصة في الجنوب الشرقي والشمال الشرقي من البلاد.
في الجنوب، لا تزال بعض الجماعات المرتبطة بالقيادات التقليدية للطائفة الدرزية تمارس دورًا معرقلًا لمشروع وحدة الدولة، مستفيدة من دعم خفي وغير خفي من تل أبيب وعلاقات غير مقطوعة مع بقايا النظام المخلوع وتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد). ورغم حرص الحكومة على تجنّب الصدام، فإن هناك رسائل واضحة تُرسل إلى هذه المجموعات: سوريا واحدة، ولن تُدار بجزر مستقلة أو خطوط حمراء داخلية.
في الشمال الشرقي، لا تزال بعض القوى المتحالفة مع واشنطن، والمنضوية تحت مجلس سوريا الديمقراطية، مترددة في الانخراط بمشروع الدمج الوطني. ولذلك تتكثف الضغوط السياسية والدبلوماسية، مع مسارات تفاوضية تهدف إلى التوصّل لترتيبات تحفظ الحقوق المحلية من دون المساس بوحدة الدولة.
الحكومة تتبع نهج “الاحتواء ثم الدمج” عبر حوافز إدارية، وشراكات اقتصادية، وضمانات أمنية تُعيد الثقة لأهالي تلك المناطق بأن الدولة هي الضامن الوحيد لمستقبلهم، لا المشاريع المؤقتة المدعومة من الخارج.
السياسة الخارجية: الانفتاح المتوازن لا التبعية
زيارة وزير الخارجية السوري إلى موسكو مؤخرًا حملت رسائل واضحة: العلاقة مع روسيا مستمرة، لكنها لم تعد ارتباط أحادي أو تماهٍ غير متكافئ كما كانت في الماضي. سوريا اليوم تسعى لشراكات متوازنة مع أمريكا، روسيا، تركيا، دول الخليج، وحتى أوروبا، بما يعزز استقلال القرار الوطني ويحمي توازنات البلاد.
على الطرف الآخر، الاتفاقية الدفاعية التركية ـ السورية المنتظرة تعكس تغيرًا جوهريًا في التموضع الجيوسياسي لكلا البلدين. فهي ليست فقط آلية لضبط الحدود، بل إطار شامل لتعاون أمني استراتيجي، قد يعيد رسم الخريطة العسكرية والسياسية للشمال السوري، ويقوّض مشاريع التقسيم والفوضى.
ورغم الانفتاح، تبقى الحاجة ملحّة لترسيخ مبدأ استقلال القرار السوري، فالانفتاح لا يعفي من واجب استقلال القرار الوطني.
سوريا الجديدة: التحدي والفرصة في آن واحد
سوريا اليوم ليست دولة مدمّرة فقط، بل هي دولة قيد التكوين من جديد. وهذا التكوين لا يمكن أن ينجح إلا إذا التقت إرادة الدولة مع طموح المجتمع، بعيدًا عن عقلية الهيمنة والتخوين.
وفي هذا السياق، تبرز الانتخابات التشريعية المقبلة كمحطة مفصلية لاختبار مدى صدق الدولة في ترسيخ التعددية وبناء مؤسسات تعبّر فعلاً عن التحول السياسي. فبينما يرى البعض فيها خطوة ضرورية، يعتبرها آخرون سابقة لأوانها في ظل واقع سكاني مختل وغياب مشاركة فعلية لبعض المناطق أو اللاجئين. لكن ما يمنح هذه العملية معناها هو مدى قدرتها على تجسيد تمثيل حقيقي، لا أن تكون مجرد واجهة شكلية.
الفرصة قائمة، والدعم الشعبي متوفر، والرهان الحقيقي: دولة تحمي الجميع ولا تخاف من أحد.
فالقوة لا تُقاس بعدد الحلفاء، بل بعمق التماسك الوطني، واتساع القاعدة الاجتماعية التي تؤمن بأن المستقبل يُبنى بالشجاعة السياسية، لا بالإعانات أو البيانات


