تحالف مكة للدفاع المشترك: خارطة طريق لبناء ردع إقليمي مستدام
08/08/2026
تركيا… حين صار الوفاء وطنًا
12/08/2026
تحالف مكة للدفاع المشترك: خارطة طريق لبناء ردع إقليمي مستدام
08/08/2026
تركيا… حين صار الوفاء وطنًا
12/08/2026
مشاهدة الكل

سورية 2026: خطوات ثابتة على طريق طويل

سورية 2026: خطوات ثابتة على طريق طويل

محمد صادق شيخ ديب

12  أغسطس 2026

تفصل هذه القراءة بين ما تحقق فعليًا في مسار إعادة بناء الدولة السورية وما لا يزال في دائرة العمل المستمر، استنادًا إلى وقائع موثّقة بمصادرها، مع النظر إلى التحديات باعتبارها جزءًا من مرحلة انتقالية تسعى فيها الدولة إلى ترسيخ مؤسساتها وتوسيع قدرتها على إدارة شؤون البلاد.

أولاً: الملف الأمني، مسار الاندماج وتحديات التنفيذ

في مساء 18 يناير 2026، وبمشاركة المبعوث الأمريكي توم براك، أُعلن في دمشق اتفاق من 14 بندًا بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، نصّ على وقف إطلاق نار شامل وتسليم دير الزور والرقة، ودمج قسد في مؤسسات الدولة بصورة فردية، وفق نص الاتفاق المنشور رسميًا. وتلاه في أواخر يناير اتفاق منفصل وأشمل، تضمن 14 بندًا مع أربع مراحل تنفيذية ومرحلة خامسة بالتزامات دائمة، بحسب النص الذي نشرته مجلة المجلة.

أما ما يتصل باندماج بعض التشكيلات المحلية، ومنها تشكيلات مثل «قوات الحماية»، في مؤسسات الدولة الأمنية، فتتباين بشأنه المعلومات المتاحة، وبعضها يستند إلى مصادر محلية نقلتها وسائل إعلام، ولذلك يبقى من الأدق التعامل معه باعتباره مسارًا قيد الاستكمال لا واقعة مكتملة التوثيق. ويبقى التحدي الأهم هو الانتقال من الاتفاقات المعلنة إلى توحيد سلسلة القيادة ووضوح المسؤوليات داخل مؤسسات الدولة.

وفي ملف المقاتلين الأجانب، تشير المعطيات المتاحة إلى تفاهمات مرحلية خلال 2025 بشأن إعادة هيكلة وجود بعض المقاتلين ودمجهم ضمن المؤسسات العسكرية الرسمية، فيما تظل الأرقام المتداولة إعلاميًا في هذا الملف أقرب إلى التقديرات الصحفية منها إلى الإحصاءات الرسمية النهائية.

وتبقى معالجة أي توترات أمنية محلية جزءًا من اختبار قدرة المؤسسات الجديدة على فرض القانون وحماية الاستقرار. كما يتضمن قانون تفويض الدفاع الأمريكي، في القسم 8369، آلية لمتابعة تقدّم دمشق في إبعاد المقاتلين الأجانب عن مؤسسات الدولة، بما يجعل هذا الملف حاضرًا أيضًا في العلاقة مع واشنطن. وفي المقابل، تواصل المؤسسات السورية ترتيب ملفاتها الداخلية وفق أولوياتها الوطنية وبناء هياكل أمنية وعسكرية أكثر توحيدًا.

ثانياً: تركيا، الدور الأمني والاقتصادي المتنامي

لا يمكن فصل مسار إعادة تنظيم الملف الأمني عن الدور التركي المتنامي. فقد مارست أنقرة ضغوطًا دبلوماسية وسياسية لدفع قسد نحو تنفيذ الاتفاقات المبرمة مع دمشق، انطلاقًا من اعتبار أمن الحدود ومنع قيام كيان كردي مسلح قرب حدودها من أولوياتها الأمنية.

وفي الوقت نفسه، تجري مباحثات ومشاورات سورية-تركية بشأن تعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري، بما في ذلك ترتيبات تتصل بمناطق قرب تدمر، وفق تقارير متطابقة. ولا تزال بعض هذه الترتيبات في إطار الاتصالات والمباحثات، وليس الاتفاقات النهائية، وهو تمييز مهم عند تقييم حجم الدور التركي المستقبلي.

ومع إعادة فتح السفارة التركية في دمشق مطلع 2025، وتنامي الاتصالات الاقتصادية والأمنية، تبدو العلاقة السورية-التركية متجهة نحو تعاون أوسع يمكن أن يشكل أحد عناصر دعم الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، مع بقاء تفاصيل هذا التعاون مرتبطة بالتطورات الميدانية والسياسية.

ثالثاً: الجنوب، السيادة والاستقرار المحلي وإعادة ترتيب العلاقة مع روسيا

في الجنوب السوري، تواصل دمشق تحركاتها السياسية والدبلوماسية الرافضة للوجود الإسرائيلي في مناطق من القنيطرة ودرعا، والمطالبة بالانسحاب إلى خطوط ما قبل ديسمبر 2024. وتبقى هذه المسألة أحد أبرز الملفات المرتبطة بالسيادة والأمن الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، لا يقاس الاستقرار في الجنوب بالعلاقات بين الدول فقط، بل بقدرة المؤسسات على معالجة احتياجات السكان. ففي السويداء، لا تزال بعض التحديات المعيشية ونقص الإمدادات من الملفات التي تتطلب معالجة مستمرة، وسط روايات متباينة بشأن أسبابها وحجمها. وتعمل الجهات الرسمية على معالجة هذه الملفات وتحسين الخدمات، فيما يبقى المعيار الأهم هو انعكاس هذه الجهود على حياة السكان بصورة ملموسة.

وبالتوازي، أعلنت دمشق وموسكو في 9 أغسطس 2026 مذكرة تفاهم لتنظيم وضع قاعدتي حميميم وطرطوس، مع انتقال المنشآت إلى إدارة مدنية سورية وترتيب الاستخدام العسكري في صورة مراكز تدريب مشتركة خلال ثلاثة أشهر. ويشير هذا التطور إلى إعادة تنظيم مهمة للعلاقة العسكرية بين البلدين، لكن الحكم على أثره الاستراتيجي النهائي يحتاج إلى انتظار كيفية تطبيقه على الأرض وطبيعة الترتيبات التي ستنشأ فعليًا.

رابعاً: الاقتصاد، تعافٍ يبدأ من قاعدة صعبة

بحسب صندوق النقد الدولي في 4 أغسطس 2026، يشهد الاقتصاد السوري نموًا يتجاوز 10%، مدفوعًا خصوصًا بالزراعة والطاقة وعودة نحو 1.5 مليون لاجئ. وتمثل هذه المؤشرات تطورًا مهمًا في مسار التعافي، خصوصًا بعد سنوات من الانكماش والدمار، مع استمرار التحذير من اتساع الفقر وعدم تكافؤ الاستفادة من النمو.

ولا يعني ارتفاع الناتج وحده تحسنًا فوريًا في مستوى معيشة المواطن؛ فالمعيار الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون قدرة النمو على الوصول إلى القطاعات المنتجة، وتحسين فرص العمل والدخل والخدمات، وتحويل التعافي الاقتصادي من مؤشرات كلية إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية.

ومع ذلك، فإن عودة أعداد كبيرة من السوريين، وتحسن النشاط في قطاعات الزراعة والطاقة، يمثلان قاعدة يمكن البناء عليها إذا ترافقت المؤشرات الاقتصادية مع إصلاح مؤسسي واستقرار أمني واستثمارات منتجة.

خاتمة: خطوات ثابتة واختبار مستمر

لا يمكن الحكم على مسار إعادة بناء الدولة بحجم الاتفاقات المعلنة وحده، بل بقدرتها على التحول إلى مؤسسات فعالة ونتائج ملموسة. وستبقى مؤشرات المرحلة المقبلة واضحة: استكمال توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، تثبيت سلسلة قيادة واحدة، تعزيز قدرة الدولة على إدارة جميع المناطق، معالجة الاحتياجات المعيشية، وتحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن محسوس في حياة المواطن.

المرحلة الراهنة هي مرحلة ترسيخ مؤسسي تدريجي؛ فيها تحديات حقيقية، لكنها تترافق أيضًا مع خطوات عملية في إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، واستعادة أدوارها، وتوسيع علاقاتها الإقليمية والدولية.

وتبقى سورية، رغم صعوبة الطريق، دولة قائمة وموحدة الاسم والمؤسسات، فيما يسجل اقتصادها مؤشرات نمو وتعافٍ يمكن البناء عليها. وهذه ليست نهاية الطريق، لكنها خطوات ثابتة على طريق طويل؛ وكلما تحولت الاتفاقات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى خدمات، والنمو إلى فرص وتحسن في حياة الناس، أصبح الانتقال من مرحلة الترتيبات إلى مرحلة الدولة أكثر رسوخًا واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443