
سورية 2026: خطوات ثابتة على طريق طويل
12/08/2026
سوريا التي تخشاها إسرائيل لم تولد بعد… وأنقرة تبنيها بهدوء
17/08/2026تركيا… حين صار الوفاء وطنًا
محمد صادق شيخ ديب | 11 آب 2026
ليست كل الأوطان تُقاس بحدودها، ولا كل الديار تُعرف بترابها؛ فثمّة أوطانٌ تسكنها بأجسادك، وثمّة أوطانٌ تسكنك بأرواحك… وثمّة وطنٌ يأتيك في أشدّ لحظات انكسارك، فيمسح عن وجهك غبار الطريق، ويفتح لك بابه دون أن يسأل عن هويتك، بل عن جرحك ووجعك.
تلك هي تركيا… ملاذُ الروح حين تضيق الأرض.
نكتب عنها اليوم لا بمداد الحبر، وإنما بمداد الذاكرة والدمع. نحن قومٌ ساقتنا المحنة إلى أبوابها حين جار علينا حكامنا من آل الأسد، فاقتُلعنا من أرضنا، وأُجبرنا على الصمت والكتمان تحت أنظار نظامٍ دمّر الدار، وحرمنا حتى الوثيقة التي تثبت وجودنا. أُغلقت في وجوهنا الأبواب؛ وحين أدار العالم ظهره لآلامنا، أدارت لنا تركيا وجهها وقلبها.
خرجنا لا نعلم أين تنتهي بنا الغربة، فكانت تركيا هناك…
كانت كنافذةٍ مواربةٍ في ليلٍ أُغلقت فيه الأبواب كلها؛
وكأمٍّ فتحت ذراعيها لأبناءٍ قادمين من ليل الخوف فاحتضنتهم.
وكدارٍ رأت غرباء يطرقون بابها فقالت: ادخلوا، فالدار داركم.
دخلناها مهاجرين، فكان أهلها لنا أنصارًا يوم قلّ الناصر.
ودخلناها غرباء، فكانوا أهلًا يوم جفّت عروق القرابة.
حتى إذا فقدنا الوطن، فوجدنا عندها وطنًا، وفقدنا الدار، ففتحت لنا دارها،
وضاقت بنا الدنيا، فوسّعت لنا من رحابها مكانًا للأمان والحياة.
مرت أعوامٌ طويلة، حتى تجاوزت الحكاية أربعة عقود، وما زالت تركيا في وجداننا أمًّا ودارًا وأهلًا وسندًا.
كم من طفلٍ كبر في مدارسها، وكم من أمٍّ أودعت أبناءها طمأنينةً لم تجدها في ديارها، وكم من جريحٍ وجد في مستشفياتها يدًا تمتد إليه.
من يعيد ترتيب ركام الروح لا يُنسى،
ومن أشعل لنا شمعةً في عتمة النزوح، لن تُطفئه سنوات الغياب.
يا أهل تركيا… ويا من حملوا مسؤولية هذه الأرض، وحراسة أمنها، وصون كرامة ضيوفها،
إن كان للوفاء ذاكرة، فذاكرتنا لا تنسى. وإن كان للجميل عمر، فجميلكم عندنا أطول من أعمارنا.
سنعلّم أبناءنا أن في التاريخ شعبًا فتح أبوابه للمكلومين، وأن في الأرض بلدًا لم يكتفِ بأن يرى دموعنا، بل مدّ يده ليمسحها.
وإذا سألوهم يومًا: أين وطنكم؟
سيقولون: لنا وطنٌ وُلدنا فيه، ووطنٌ لم نُولد فيه، لكنه وُلد فينا يوم احتوانا حين ضاقت بنا الدنيا.
سلامٌ على أرضٍ احتضنتنا، وتحيةٌ لشعبٍ آوانا، وانحناءةُ وفاءٍ لكل يدٍ امتدت إلينا.
سلامٌ على من جعلوا من النصرة خُلُقًا، ومن الضيافة كرامةً، ومن الإيواء رسالةً.
أما الوفاء… فلا نعدكم به؛ فأنتم لم تمنحونا معروفًا عابرًا لنشكره، بل تركتم في أعمارنا أثرًا لن يمحوه الزمن.
من فتح لنا بابه حين أُغلقت الأبواب، لن يُغلق له بابٌ في قلوبنا.


