
الاعتصامات في سورية قراءة أكاديمية تحليلية استراتيجية استشرافية
22/04/2026
سوريا على رقعة المصالح الكبرى
27/04/2026سوريا: نقطة الارتكاز الحاسمة في معادلات الشرق الأوسط والأمن الدولي
م. محمد صادق شيخ ديب | 23.4.2026
مقدمة: ما وراء الأزمة الداخلية
لم تعد سوريا مجرد دولة تعاني من نزاع داخلي مزمن، بل تحوّلت إلى مختبر حقيقي لاختبار توازنات القوى الإقليمية والدولية على حدٍّ سواء. ما يجري داخل حدودها لا يُقرأ بمعزل عن السياق الأوسع؛ فالتصريحات المتقاطعة لمندوبي الدول الكبرى في مجلس الأمن الدولي تكشف بجلاء أن ثمة إدراكًا متناميًا بأن استقرار سوريا أو انهيارها ليس شأنًا سوريًا خالصًا، بل هو قضية ذات أبعاد استراتيجية تمس النظام الإقليمي والدولي في جوهره.
سوريا من منظور دمشق، الدولة المركزية في مواجهة الهامشية المفروضة
يرتكز الموقف السوري الرسمي على مفهوم محوري واحد: استعادة السيادة الكاملة بوصفها شرطًا أوليًا لأي حلٍّ دائم. وفي هذا السياق، يُقرأ الرفض السوري القاطع للتدخلات الخارجية، ولا سيما العمليات العسكرية الإسرائيلية، باعتباره أكثر من مجرد موقف دفاعي؛ إنه إعلان سياسي بأن دمشق لن تقبل دور “الساحة” الذي فُرض عليها خلال سنوات الصراع.
غير أن الأهم في هذا الموقف هو الربط الاستراتيجي الذي تُقيمه دمشق بين استقرارها الداخلي وإطارها الإقليمي، وهو ربط يُعبّر عن رؤية سورية تسعى إلى أن تكون دولةً محوريةً تُعيد صياغة التفاعلات الإقليمية بدلًا من أن تكون انعكاسًا سلبيًا لها.
الرؤية الروسية، الاستقرار كامتداد استراتيجي
تنظر موسكو إلى سوريا من زاوية مختلفة جوهريًا؛ فاستقرارها في المعادلة الروسية هو امتداد طبيعي لاستقرار المنطقة بأسرها، لا غاية في حد ذاته. لذلك، لا تقتصر المخاوف الروسية على البُعد العسكري الذي بات في مرحلة متقدمة نسبيًا، بل تنصبّ على التحديات البنيوية طويلة الأمد: الضغوط الاقتصادية المتراكمة، وملف اللاجئين الذي يُشكّل في حال عودتهم غير المنظمة ضغطًا مضاعفًا على مؤسسات دولة هشة.
هذا التحذير الروسي يحمل دلالة استراتيجية عميقة: إن انتهى الصراع المسلح فإن التحدي الحقيقي ربما يكون قد بدأ للتو، وأن إعادة البناء ليست مرحلة تالية للأزمة بل هي الأزمة ذاتها في تجلٍّ جديد.
واشنطن ولندن، المقاربة الأمنية-السياسية
يتعامل كلٌّ من الموقف الأمريكي والبريطاني مع الملف السوري انطلاقًا من ثنائية الأمن والسياسة. فمكافحة الإرهاب، ولا سيما تهديد تنظيم داعش الذي لم يُشطب نهائيًا من خارطة المنطقة، تتصدر سلّم أولوياتهما، مقرونةً بالدفع باتجاه عملية سياسية شاملة وانخراط دولي فاعل.
هذه المقاربة تعكس قناعةً راسخة بأن التسوية العسكرية وحدها غير كافية، وأن أي فراغ سياسي، حتى في مرحلة ما بعد الصراع المكثف، هو بيئة خصبة لإعادة إنتاج التهديدات ذاتها. باريس بدورها تُدعّم هذا المنحى بتحذيرات صريحة من أن أي فراغ أمني لن يبقى محليًا، بل سيتسرب حتمًا عبر الحدود ويُعيد رسم خريطة التهديدات العابرة للقارات.
باريس، الشريك البنّاء أم الموقف التصريحي؟
يحتل الموقف الفرنسي مكانةً خاصة في هذه المعادلة، إذ لا يُشكّل صدىً للموقف الأمريكي البريطاني ولا معسكرًا مقابلًا، بل يسعى إلى دور وسيط نشط يجمع بين الإطار الأمني الغربي المشترك وخطاب أكثر انفتاحًا على الواقع السوري الجديد. فقد دعا المندوب الفرنسي إلى الاستجابة لتطلعات “سوريا وشعبها” مُتعاملًا مع الشعب كطرف مستقل، ووصف سوريا الجديدة بأنها تسعى لأن تكون “فاعلًا إيجابيًا في تعزيز الأمن الإقليمي”، وهو توصيف تفاؤلي يفتقر إليه الخطاب الأمريكي والبريطاني الأكثر تحفظًا.
وتستمد هذه الخصوصية الفرنسية جذورها من إرثها التاريخي كدولة انتداب على سوريا، ومن تقليدها في انتهاج سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن. غير أنها تتقاطع مع شركائها الغربيين في التحذير من أن الفراغ الأمني الإقليمي قد يُتيح لداعش العودة والنشاط. والسؤال المعلّق يبقى: هل ستُترجم باريس خطابها المنفتح إلى مبادرات ملموسة، أم يبقى في حدود الموقف التصريحي الذي يُحسّن الصورة دون أن يُغيّر المعادلة؟
الاقتصاد.. المحرك الصامت والرهان القادم
تبرز في الأفق “الواقعية الاقتصادية” كعنصر حاسم لتفكيك العقدة. لم تعد إعادة الإعمار مجرد ملف إنساني، بل تحولت إلى أداة جيوسياسية؛ فالتنافس على ممرات الطاقة والربط الخطوط الحديدية العابر للحدود يضع سوريا كعقدة وصل لا يمكن تجاوزها. إن دخول الاستثمارات الإقليمية والدولية (خاصة الآسيوية منها) قد يكون هو “الممر الإجباري” الذي سيفرض على السياسيين تقديم تنازلات متبادلة، محولاً سوريا من “ميدان استنزاف” إلى “منصة مصالح مشتركة”.
تقاطع المصالح وتباين الأدوات، المفارقة الدولية
ثمة خيط جامع بين هذه المواقف المتباينة: لا تريد أي من القوى الكبرى انهيار الدولة السورية. لكن ما يُفرّق هذه المواقف ليس الغاية بل الأداة:
- دمشق تُريد السيادة مدخلًا أساسيًا لأي حل.
- موسكو تُريد احتواء التداعيات البنيوية وضمان الاستمرارية.
- واشنطن ولندن تُريدان انخراطًا سياسيًا منضبطًا يُحصّن المكاسب الأمنية.
- باريس تُريد ضمانات من انتشار الفوضى إقليميًا.
هذا التباين في الأدوات مع التقاطع في الغاية يُشكّل في حد ذاته معادلة دبلوماسية بالغة التعقيد، إذ يجعل الحل شبه مستحيل ما لم تُترجَم هذه الإرادة المشتركة ولو جزئيًا، إلى آليات تنسيق فعلية.
الخاتمة: سوريا وعقدة النظام الدولي
في ثنايا المشهد، يتضح أن سوريا باتت تمثّل عقدة استراتيجية في النسيج الدولي لا يمكن حلّها بمعزل عن محيطها. استقرارها ليس مجرد رغبة إنسانية أو واجب أخلاقي، بل هو ضرورة وظيفية لمنع ارتدادات تطال أمن الجوار المباشر وتمتد إلى استقرار النظام الدولي ككل.
والسؤال الذي يبقى معلقًا هو: هل تستطيع القوى الدولية أن تتجاوز تبايناتها في الأدوات لتُنتج صيغةً توافقية تجعل سوريا دولةً مركزية فاعلة، كما تطمح دمشق، لا ساحةً للتجاذب كما كانت لعقد مضى؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح الشرق الأوسط للعقود القادمة.
#سوريا #الشرق_الأوسط #الأمن_الدولي #جيوسياسة #إعادة_الإعمار #السيادة_الوطنية #توازنات_القوى


