
قراءة في أبعاد “حرب المضايق” وتحوّل قواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران
18/07/2026
حين عاد الجسد، وبقي العمر في المنفى
22/07/2026سوريا بين الحياد الحذر والتصعيد الأمريكي–الإيراني
محمد صادق شيخ ديب
19 يوليو 2026
تعيش سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد مرحلة إعادة تموضع جذرية، إذ خرجت من المحور الإيراني ودخلت في علاقة عدائية صريحة مع طهران، التي تحمّلها القيادة الجديدة برئاسة أحمد الشرع مسؤولية مباشرة عن سنوات الدمار والتدخل العسكري. لم تعد معضلة دمشق موازنة بين تحالف إيراني وانفتاح عربي، بل تجنّب الانجرار إلى حرب أطراف أخرى مع إيران، وتفادي تحوّل الأراضي السورية إلى ساحة تصفية حسابات بين طهران من جهة، وإسرائيل وواشنطن من جهة أخرى.
داخلياً، يبقى الملف الكردي شرقاً العقدة الأكثر حساسية، ليس فقط لاعتبارات أمنية بل لأن مناطق “الإدارة الذاتية” تضم الجزء الأكبر من الثروات النفطية والزراعية في البلاد؛ ما يجعل التفاهم حولها شرطاً أساسياً لأي استقرار اقتصادي حقيقي، لا مجرد ملف تفاوضي هامشي. إلى جانب ذلك، لا تزال توترات طائفية، كما ظهر في أحداث السويداء عام 2025، تهدد بإعادة إشعال بؤر التوتر عند أي تصعيد خارجي.
إقليمياً، تراجع النفوذ الروسي بعد سقوط الأسد، فيما تعزّز تركيا حضورها كشريك فعلي للسلطة الانتقالية، وتواصل إسرائيل ضرباتها ضد أي تموضع إيراني متبقٍّ. وتسعى دمشق لتسويق نفسها كممر تجاري ولوجستي بديل يقلّل الاعتماد على مضيق هرمز المهدَّد بالتصعيد الإيراني، وكقناة تهدئة إقليمية غير مباشرة بين الأطراف المتصارعة. وهنا يبرز دور الأردن ومصر كبوابتين عربيتين لا تقلّان أهمية عن الخليج، وإن اختلفت طبيعة الدور بينهما: فالأردن، بحكم حدوده البرية المباشرة مع سوريا، يتحمل العبء الأكبر في مواجهة شبكات التهريب من مصدرها، سواء عبر المعابر الرسمية أو باستخدام المسيّرات والمناطيد الحدودية؛ بينما تمثل مصر خط دفاع مكمّلًا على المنافذ البحرية والجوية، إذ تسجّل أجهزتها الأمنية والجمركية ضبطيات متكررة لشحنات كبتاغون عابرة، في إطار جهدها لمنع وصول ما تبقى من إرث الحقبة السابقة إلى أسواق استهلاك أو عبور جديدة.
اقتصادياً، لم يعد الاعتماد على الدعم الإيراني قائماً، وتتجه دمشق نحو استثمارات خليجية وتركية، مع رهان على تخفيف تدريجي لعقوبات “قانون قيصر”. غير أن هذا التخفيف ليس تلقائياً، بل مشروط أمريكياً بمعايير صارمة تتعلق بمكافحة الإرهاب، وإنجاز تغيير سياسي شامل، وتحسين ملف حقوق الإنسان؛ وهو ما يشكّل ضغطاً مزدوجاً على شرعية الحكومة الانتقالية داخلياً وخارجياً.
السيناريو الأرجح: استمرار سوريا في موقع “الحياد النشط”، بعيداً عن الانخراط المباشر في الحرب، مع سعي الفاعلين الإقليميين لإبقاء التصعيد ضمن سقف محسوب يتيح إعادة رسم موازين النفوذ دون انفجار شامل.


