
سوريا بين الحياد الحذر والتصعيد الأمريكي–الإيراني
19/07/2026
45 يوماً تفصل سوريا عن إنهاء عزلة نصف قرن
22/07/2026حين عاد الجسد، وبقي العمر في المنفى
محمد صادق شيخ ديب
21 تموز 2026
كنا نظن أن الغربة هي أن تُنتزع من أرضك، وأن تُحرم من شوارع طفولتك، ومن رائحة بيوت أهلك، ومن مسجدٍ كنت تعرف فيه كل وجه، بل وتعرف صوت المؤذن قبل أن يعلو بالأذان.
لكن بعد ستةٍ وأربعين عامًا من الانتظار، اكتشفنا أن للغربة وجهًا آخر، أكثر هدوءًا… وأكثر إيلامًا. أن تعود إلى وطنك، فلا تجد الوطن الذي حملته في ذاكرتك طوال عقود.
عدنا إلى الوطن… لكن الوطن الذي سكن ذاكرتنا كل تلك السنين، لم يكن هو الوطن الذي فتح لنا أبوابه يوم عدنا، وليس لأن الأرض تغيّرت؛ فالأرض وفيّة، وإنما لأن الزمن لا ينتظر أحدًا، ولا يستأذن أحدًا قبل أن يمضي.
بين لحظة خروجنا ولحظة عودتنا، لم تمر سنوات فحسب، بل تعاقبت أجيال، وتبدلت الأولويات، واختلفت طرائق التفكير، وتحولت العلاقات، حتى غدت الأحلام نفسها بملامح أخرى.
كنا نظن أننا سنعود إلى بيوتنا، فاكتشفنا أننا عدنا إلى زمنٍ ليس زمننا، ولعل الحقيقة الأكثر إيلامًا هي أننا اكتشفنا أن المنفى لم يسرق منا الوطن… بل سرق منا العمر الذي كان ينبغي أن نعيشه فيه.
نمشي في الشوارع وكأننا نقرأ كتابًا نعرف عنوانه، لكننا لا نفهم كثيرًا من صفحاته. نجلس في المساجد، وفي المجالس، وفي المناسبات، فنشعر أن بيننا وبين الناس صمتًا لا تصنعه المسافات، بل تصنعه السنوات التي لم نعشها معهم، ولم نشاركهم تفاصيلها الصغيرة التي تُبنى منها الألفة.
وليس لأن أبناء الوطن قصّروا في حقنا، وليس لأن الشباب سيئون؛ فهم أبناء مرحلة لم يختاروها، كما أننا نحن أبناء مرحلة لم نخترها. لكلٍّ منا حكايته، ولكلٍّ منا جراحه التي لا يراها الآخر.
لقد كنا نظن أننا نعرف بعضنا كما كنا يوم افترقنا، فإذا بنا نكتشف أن سنوات الغياب صنعت في كل فريق تجربةً لا يعرفها الآخر؛ فلا نحن نستطيع أن نرويها كلها، ولا هم يستطيعون أن يتخيلوها كلها.
ولكل جيل قاموسه، ولكل زمن أولوياته، حتى صار بين العيون ما هو أبعد من المسافات؛ لغةٌ جديدة، وعاداتٌ جديدة، وإيقاعٌ للحياة لم نتعلم السير عليه.
أما نحن، فقد خرجنا نحمل وطنًا في قلوبنا، وعدنا نحمل عمرًا كاملًا من الانتظار، وكأن لسان حالنا يقول:
ظننتُ بأنَّ دربي قد تدانى *** وأنَّ الشوقَ آخرُهُ إيابِي
فلمَّا عُدتُ أدركتُ الحقيقةَ *** بأنَّ العمرَ أسبقُ من حسابِي
وأنَّ البُعدَ ليسَ حدودَ أرضٍ *** ولكنَّ اغترابُكَ عن صِحابِ
ولعل أصعب أنواع الغربة أن تكون في وطنك، فلا يراك أحد غريبًا، بينما تشعر في داخلك أنك تبحث عن مكانك بين كل شيء، وتفتش عن ركنٍ صغير يشبه ذاكرتك.
ومهما تبدلت الأحوال، وانفتح للوطن بابٌ جديد من الأمل، فإن شفاء الأوطان لا يعني أن جراح الإنسان تلتئم في اللحظة نفسها.
فالبيوت يمكن أن تُرمم، والطرقات يمكن أن تُعبّد، والمؤسسات يمكن أن تُبنى من جديد… أما الإنسان، فإن الزمن الذي انكسر في داخله يحتاج إلى ما هو أكثر من الحجر والإسمنت.
يحتاج إلى احتواء… إلى من يسمع حكايته… إلى من يدرك أن المنفي لا يعود كما خرج، وأن الوطن أيضًا لا يبقى كما تركه أهله.
لسنا نطلب من أحد أن يحمل ذكرياتنا، ولا أن يعيش أعمارنا التي مضت، وإنما نرجو أن يجد لتلك الذكريات مكانًا في قلب الوطن؛ فكما يحتاج العائد إلى أن يتعرف إلى وطنه من جديد، يحتاج الوطن أيضًا أن يتعرف إلى أبنائه العائدين.
ولعل المرحلة القادمة لا تحتاج إلى إعادة إعمار المدن فحسب، بل إلى إعادة تعارف بين أبناء الوطن الواحد؛ فالحجر يُبنى بالإسمنت، أما القلوب فلا يُعيد بناءها إلا الإصغاء، والاعتراف المتبادل، وصبر الأيام.
لقد خرجنا مُكرهين، وعدنا مشتاقين، فاكتشفنا أن أصعب رحلة في العمر ليست من المنفى إلى الوطن… بل من الماضي إلى الحاضر.
اللهم لا تجعل بيننا غرباء ونحن في أوطاننا، وألّف بين القلوب كما ألّفت بين الأرض وأهلها، واجعل عودتنا عودة أرواح، لا عودة أجساد فقط.


