
بين الضرورة والتحول الاستراتيجي كيف تعيد دمشق وأنقرة رسم مشهد الأمن الإقليمي؟
05/08/2025
قسد: من تحالف محاربة الإرهاب إلى رافعة تفكيك سوريا
09/08/2025سوريا الجديدة: بين الحياد الإيجابي والدور الاستراتيجي
م. محمد صادق
06.08.2025
سوريا: وطن الحضارة ومركز القرار
ليست سوريا مجرّد دولة في قلب الشرق الأوسط، بل هي مهد حضارات كبرى تركت بصماتها على التاريخ الإنساني، من أوغاريت إلى دمشق، أول عاصمة إسلامية. عراقتها لا تقتصر على آثار الماضي، بل تنبع من قدرتها المستمرة على التأثير وصناعة التوازنات في محيطها. فكل تحول سياسي أو استراتيجي في سوريا لا يُفهم إلا في ضوء هذا الإرث الذي يجعل منها لاعبًا لا تابعًا، ومحورًا لا هامشًا.
حين يصبح التاريخ عبئًا لا بد من كسره
عقود من حكم آل الأسد، من الأب إلى الابن، لم تكن سوى سلسلة من الكوابيس التي سكنت الجغرافيا السورية وأثقلت كاهل الإنسان فيها. دولة أمنية مغلقة، لا تعرف من السياسة سوى القمع، ولا من الاقتصاد سوى التسلّط، ولا من المجتمع سوى التفتيت الطائفي والمناطقي. لقد نجح هذا النظام في تدمير ما لا تدمره الحروب عادة: روح الإنسان السوري، عبر إذلاله، تجويعه، تحويله إلى تابع ينتظر الخبز في طابور ويخشى الهمس في بيته.
سوريا، بلد الحضارات والمذاهب والثقافات، غدت تحت خط الفقر بكل معانيه: الفقر في المال، في الكرامة، في الأمل. كانت مؤسسات الدولة واجهات خاوية، ومقدّرات البلاد مستباحة لعائلة واحدة، وحفنة من أمراء الحرب والتشبيح.
حين تنفجر الكرامة تولد الثورة
ثم كانت الثورة السورية، لا مجرد غضب ولا فورة شباب، بل نهوض جيل كامل لاسترداد المعنى، لاستعادة الناس إلى المشهد بعد أن حُذفوا منه طويلًا.
لم تكن إسقاطًا لحاكم بقدر ما كانت استعادة لوطن. وحين انكسر جدار الخوف، تساقطت أقنعة الكذب، وتحرّرت الحريات من بين الأنقاض
في لحظة ما، وبعد سنوات العتمة، شعر السوري أن صوته له قيمة، وأن دولته يجب أن تكون في خدمته لا في قمعه، وأن النشيد الوطني ليس موسيقى إجبارية، بل انتماء طوعي لجمهورية لا تقدّس الفرد بل ترفع من شأن الشعب.
اللحظة الجيوسياسية: بين تجبر أمريكا وجنون إسرائيل وبوصلة تركيا
اليوم، تخرج سوريا الوليدة إلى عالم يزداد فوضى، لكنها ليست وحدها فيه.
إسرائيل، المستقوية بآلة غربية ثقيلة، تحلم بشرق أوسط جديد على مقاسها، شرق بلا مقاومة، بلا سيادة، بلا هوية.
أما الولايات المتحدة، وخاصة في عهد دونالد ترامب، فقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وبدأت تتعامل مع العالم كإقطاعية يديرها “رب العظمة” من البيت الأبيض. السياسة الأمريكية صارت مزيجًا من الابتزاز والتهديد، أما حقوق الإنسان فشعار يُستخدم عند الحاجة فقط.
في المقابل، هناك تركيا التي فهمت حجم التحول، وقررت أن تكون طرفًا فاعلًا في إعادة تشكيل الإقليم، لا مجرد متفرج. تركيا ترى في سوريا الحديثة حليفًا استراتيجيًا، وتعلم أن مصالحها لا تُبنى على الأطلال، بل على الشراكة والممرات المفتوحة.
لكنها أيضًا تدرك أن “النزعة الإسرائيلية العدوانية” و”السياسات الأمريكية المتغطرسة” لن تقبلا بسهولة بسوريا مستقلة القرار، متصالحة مع نفسها، منفتحة على الشرق والغرب دون تبعية لأي طرف.
الداخل السوري: بين الشعب النبيل وأعداء الدولة الوليدة
أما في الداخل، فالمعركة ما زالت معقدة، شعبٌ متعطش للحرية والبناء، تعب من الدماء ومن الشعارات، يفتش عن الكهرباء والماء أكثر مما يفتش عن التصريحات.
في مواجهته، هناك ثلاث قوى ظلامية:
فلول النظام #الأسدي في الساحل وبعض المدن، ممن ما زالوا يحلمون بإعادة الزمن إلى الوراء.
ميليشيات #الهجري التي ترفض الانخراط في الدولة وتعيش على الفوضى.
#قسد التي تمارس سلطة مثيرة للجدل تحت غطاء أجنبي، وتُتهم بتهميش مكونات عربية وكردية على السواء.
في هذا المشهد، لا بد من دولة قوية وعادلة، لا تسجن الناس لآرائهم، بل تعاقب فقط من يحمل السلاح ضد القانون، وتعيد توزيع الثروة، وتوفر الماء والكهرباء والغذاء والدواء. دولة لا ترفع راية طائفة، بل ترفع علم وطن.
حياد إيجابي أم دور قيادي؟
على المستوى الدولي، يبرز مفهوم “الحياد الإيجابي” كخيار واقعي وذكي.
سوريا ليست بحاجة إلى محاور جديدة تُقيدها، بل إلى أن تكون مساحة التقاء لا ساحة صراع، ومنصة حوار لا طرفٌ في نزاع.
ولتحقيق هذا التوازن، تحتاج سوريا إلى سياسة خارجية براغماتية تتجاوز الاصطفاف، وتبني شراكات مرنة قائمة على المصالح المتبادلة، تربطها بتركيا وروسيا والخليج من جهة، وبأوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى.
يتطلب ذلك الانخراط في أطر تعاون مؤسسية مع دول الجوار، وتوسيع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع الغرب بما يحفظ السيادة ويكرّس استقلال القرار.
فليست العبرة في الانتماء لمحور، بل في امتلاك رؤية مستقلة تحوّل موقع سوريا الجغرافي من ساحة تنافس إلى جسر توازن بين الشرق والغرب.
لا عيب في الحياد إذا كان من موقع قوة، ولا بأس بالانفتاح إذا كان بثقة لا بانبطاح.
المسؤولية المشتركة بين الدولة والمواطن
الدولة اليوم، بكل مؤسساتها، مطالبة بأن تعيد بناء الثقة أولًا، ثم البنية التحتية ثانيًا. الماء، الكهرباء، النقل، الرعاية الصحية، التعليم، كلها ليست وعودًا انتخابية بل حقوق إنسانية أساسية.
لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، فالمواطن الشريف هو العمود الفقري لهذه الجمهورية. عليه أن يحميها من الفساد، أن يشارك في صنع القرار، أن لا يصمت أمام الظلم، أن يكون عينًا على مؤسسات الدولة لا تابعًا لها.
لا نريد مواطنًا مشحونًا بالحقد أو الانتقام، بل مواطنًا فاعلًا، مثقفًا، ملتزمًا، مؤمنًا بأن سوريا اليوم لا تشبه الأمس، وأنها تستحق منه أكثر من مجرد انتظار الخبز.
فالحرية لا تُمنح من فوق، بل تُبنى من تحت، بمواطن يعي أن بناء سوريا الجديدة يبدأ منه هو.
خاتمة:
سوريا الجديدة ليست مشروعًا لحزب، ولا امتدادًا لثورة، بل عقد اجتماعي جديد، بين مواطن حر ودولة عادلة.
وفي عالم تتغير خرائطه، قد تكون دمشق هي المدينة التي تكتب لغة جديدة في السياسة الدولية، لغة لا تقوم على السلاح فقط، بل على التوازن، والانفتاح، والعدالة، والحياد النبيل، وعليها أن تبدأ من بناء عقد وطني شامل يُستفتى عليه، وتضع المواطن في صلب المعادلة.
هذا هو التحدي، وهذا هو الأمل.


