ممر داوود: الطموحات الجيوسياسية والرد السيادي السوري
21/08/2025
سوريا 2025: الأمن، الدولة، والمصالحة الوطنية
25/08/2025
ممر داوود: الطموحات الجيوسياسية والرد السيادي السوري
21/08/2025
سوريا 2025: الأمن، الدولة، والمصالحة الوطنية
25/08/2025
مشاهدة الكل

الإخوان وسوريا الجديدة: جدل الحل والإبقاء

الإخوان وسوريا الجديدة: جدل الحل والإبقاء

م. محمد صادق | 23.08.2025

مدخل: في لحظة سياسية دقيقة تعيشها سوريا ما بعد الثورة، وسط مشهد إقليمي شديد التقلب، تثير دعوة الأستاذ أحمد موفق زيدان لحل جماعة الإخوان المسلمين إشكاليات استراتيجية تتجاوز مجرد توصية تنظيمية. فهل يمثل الحل مسايرة للظرف الراهن، أم تفكيكاً لتاريخ طويل من التراكم والشرعية؟ وهل يمكن حل مشكلة سوريا ببقاء الإخوان أو برحيلهم؟ أم أن الدعوة للحل تعكس قراءة ضيقة تخضع لرغبة اندماجية قسرية تمحو التنوع السني السياسي وتحصره في قوالب أحادية

الإخوان: تاريخ لا فصيل طارئ: خطأ مقالة زيدان هو تصوير الإخوان كجسم وُلد مع الثورة أو كفصيل عسكري عابر، بينما الحقيقة أنهم تأسسوا قبل أكثر من ثمانين عاماً، وشاركوا في البرلمان والحكومة، وقدموا فكراً وطنياً جمع بين الإسلام والديمقراطية ومواجهة الاستبداد. وكانوا في طليعة التصدي لحكم البعث الطائفي، حين اختار الآخرون الصمت أو الانخراط في النظام. لذا فالدعوة لحلّهم ليست إنهاء كيان طارئ، بل إعدام لذاكرة سياسية وجماعية عريقة

مشكلة التوقيت ومسألة الدولة الوليدة: يستدل زيدان بقرار حلّ الإخوان أيام الوحدة مع عبد الناصر، لكن ذلك لم يكن قاعدة بل استثناء تكتيكي قصير أثبتت الأيام خطأه، وقد رفضه المراقب العام عصام العطار الذي رأى أن الوحدة يجب أن تقوم على أسس ديمقراطية لا على إلغاء الأحزاب.

أما اليوم، فالدولة السورية الجديدة لم تكتمل بعد، وما زالت في طور تشكل مليء بالصراعات والمخاطر، ما يجعل حلّ الإخوان الآن تجريفًا للتعددية السنية قبل إرساء دستور يضمن التعدد الحزبي. خصوصًا وأن الإخوان أقرّوا بشرعية السلطة الجديدة، وباركوا مشروع الدولة دون طلب امتيازات. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل الهدف هو تأسيس دولة تعددية تستوعب الجميع، أم دفعها منذ البداية إلى مسار الإقصاء والاحتكار؟

بين الشيخوخة والتجديد: يصف زيدان الإخوان بأنهم تنظيم هرِم وأصغر أعضائه في الستين، لكن هذا توصيف مبالغ فيه لا يبرر الحلّ. فالفجوة الجيلية موجودة في معظم الحركات العربية، والإخوان بدورهم أطلقوا مبادرات شبابية وسمحوا بقيادات في الداخل والمهجر من أجيال أصغر، بما يؤكد استمرار التواصل الجيلي. ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة لمزيد من التجديد البنيوي ومأسسة دور الشباب والنساء، لكن معالجة هذه التحديات تكون بالتطوير لا بالإلغاء

قياس مضلل بين أردوغان وأربكان: يستند زيدان في جزء من منطقه إلى المقارنة بين خروج أردوغان على أربكان، وبين علاقة الإخوان السوريين بالتنظيم العالمي. لكن هذا القياس باطل من أساسه:

فأردوغان لم يطالب بحل حركة “مللي غوروش”، بل انشق وأسس حزباً جديداً ضمن بيئة تركية دستورية مفتوحة سمحت بالتعدد والتداول.

أما الإخوان السوريون، فهم تنظيم وطني أصيل، ليس فرعاً وظيفياً للتنظيم العالمي كما يتصور البعض، بل لهم استقلاليتهم التنظيمية وخصوصيتهم التاريخية التي تجذرت في البيئة السورية، فالتشبيه يفتقر إلى الموضوعية، ويخلط بين ظروف سياسية متباينة لا وجه للقياس بينها.

دعوى التحديث والاندماج القسري: يرى زيدان أن الإخوان عجزوا عن التأقلم، ويقارنهم بتجارب أخرى حلّت نفسها. لكنه يغفل أن أغلب تلك التحولات جاءت ضمن بيئات سياسية مفتوحة، تسمح بتعدد الأحزاب والعمل الجماهيري.

أما في سوريا، فلا تزال بنية الدولة المركزية في طور التشكل، ولا توجد بعد قوانين أحزاب عادلة، ولا ضمانات دستورية حقيقية، ولا مؤسسات قضائية مستقلة تحمي التعددية. وفي ظل هذا الفراغ، فإن دعوة الإخوان للحل ليست سوى وصفة لإخراجهم من المشهد طواعية، على أمل اندماجهم كأفراد في كيان لم تتضح هويته النهائية بعد.

الإخوان والدور الاجتماعي والتربوي: نقطة أساسية تغيب عن مقالة زيدان هي أن جماعة الإخوان لم تكن “تاريخياً” إطاراً سياسياً محضاً، بل جماعة تربوية واجتماعية وثقافية، تسعى إلى بناء الإنسان والمجتمع، قبل الوصول إلى السلطة أو التشريع.

فحل الجماعة لا يعني فقط انسحابها من السياسة، بل تجريفاً لامتداداتها المجتمعية التي لا تزال تلعب دوراً في التعليم والخدمة والدعوة والربط الاجتماعي.

خاتمة: بين الإلغاء والمشاركة: بعيداً عن جدل الحل أو الإبقاء، تبقى المسألة الجوهرية هي دور الإخوان في سوريا المستقبل.

فالتحدي الأكبر أمام البلاد ليس صراع الأحزاب، بل إعادة بناء النسيج الوطني بعد حرب مدمرة. يمكن للجماعة، بما تمتلكه من خبرة تنظيمية وشبكات اجتماعية، دعم التعليم الأهلي، ورعاية المبادرات الشبابية، والمساهمة في مصالحة وطنية تتجاوز الأحقاد الطائفية والسياسية.

سوريا الجديدة تحتاج إلى تعزيز التعددية وضمان مشاركة جميع المكونات التاريخية، فالتعدد يقوّي الدولة إذا أُقرّ بدستور وقوانين عادلة.

مطالبة جماعة عمرها ثمانون عامًا بحل نفسها بلا ضمانات ليس إصلاحًا بل انتحارًا سياسيًا، والقرار النهائي بيد مؤسسات الجماعة وقيادتها المنتخبة.

الرهان الأكبر لا يتعلق بمصير الإخوان وحدهم، بل بمصير الحياة السياسية السورية كله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443