
حين تتحول الحرب إلى مختبر استراتيجي
30/06/2026
تفجير حي الحجاز: قراءة في دلالات التوقيت وأهداف الاستهداف الأمني
04/07/2026اكتمال مجلس الشعب السوري
محطة تأسيسية تحت الاختبار
م. محمد صادق شيخ ديب | 02.07.2026
باكتمال قائمة “الثلث الرئاسي” المعيَّن (70 عضواً من 210)، التي أعلنتها اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في الأول من تموز 2026 بموجب المرسوم رقم 143، اكتمل تشكيل أول برلمان سوري بعد سقوط نظام الأسد. المحطة تستحق قراءة متأنية، توازن بين الإنجاز والإشكاليات الموثّقة.
الأساس القانوني وسؤال الولاء
يستند التشكيل إلى مسار متدرّج بدأ بالمرسوم 66 لعام 2025، مروراً بانتخابات غير مباشرة لـ 140 عضواً استُكملت على دفعات بين تشرين الأول 2025 وأيار 2026، وصولاً إلى التعيين الرئاسي الأخير. الثلث المعيَّن ضمّ 55 رجلاً و15 امرأة، من بينهم خمسة من ذوي الإعاقة نتيجة إصابات حرب و13 معتقلاً سابقاً في سجون النظام، وهو خيار رمزي واضح، لكن مصادر مطلعة في دمشق نقلت لصحيفة “الشرق الأوسط” توقعاً بأن تُظهر “قائمة الرئيس” مستوى عالياً من الولاء للسلطة التنفيذية قبل أن تخدم ترميم اختلالات التمثيل، وهو ما يجعل من التعيين الرئاسي أداة نفوذ تنفيذي مباشر على الهيئة التشريعية، لا تفصيلاً إجرائياً عابراً.
ملفّان معلّقان
الملف الكردي: تحفّظت أحزاب وقوى كردية على آلية اختيار ممثلي مناطق شرق الفرات، معتبرة أنها لا تعكس بالكامل الخصوصية السياسية للمنطقة بعد سنوات من الإدارة الذاتية. وقد استُكملت العملية الانتخابية في الحسكة والقامشلي والمالكية وعين العرب خلال أيار 2026 عقب اتفاق آذار مع قوات سوريا الديمقراطية، وهو ما يمثّل تقدماً ملموساً، لكن التحفظات القائمة تعني أن الاندماج المؤسسي لم يُحسم بعد، وأن استمراره مرهون بمفاوضات لاحقة لم تُستكمل تفاصيلها.
ملف السويداء: بقيت المقاعد الثلاثة المخصصة للمحافظة شاغرة بسبب الظروف الأمنية عقب أحداث تموز 2025، فيما تضمّن الثلث المعيَّن عضوين من أبناء المحافظة. هذا لا يسدّ الفجوة التمثيلية الفعلية كما يراه البعض، ولا يُعرف بعد جدول زمني واضح لاستئناف العملية الانتخابية فيها، ما يجعل الملف مفتوحاً على تفسيرات متعددة حول أسباب التأخير ومدى استعداد السلطة للإسراع فيه.
تركّز الصلاحيات ومدة الولاية
حُدِّدت ولاية المجلس بثلاثين شهراً “قابلة للتمديد” بموجب الإعلان الدستوري، دون أن تتضمن النصوص المعلنة تفصيلاً واضحاً للجهة التي تملك حصرياً قرار هذا التمديد أو سقفه الزمني الأقصى، وهو غموض يستحق متابعة، إذ يحدد إلى أي مدى يبقى الجدول الانتقالي مرهوناً بتقدير السلطة التنفيذية وحدها.
منظمات حقوقية: في ورقة موقف مشتركة صدرت بالتزامن مع اكتمال المجلس، دعت مجموعة من المنظمات الحقوقية السورية إلى توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز ضمانات استقلال القضاء والإشراف على الانتخابات، إلى جانب زيادة تمثيل النساء ومختلف مكوّنات المجتمع السوري. كما نددت منظمات مجتمع مدني بتركّز السلطتين التنفيذية والتشريعية عملياً بيد الشرع، في ظل غياب رئيس للوزراء يوازن سلطة الرئاسة.
البُعد الدولي
لا توجد مواقف رسمية معلنة تعلّق تحديداً على تعيين الثلث الرئاسي، لكن الحدث يتزامن مع انخراط دولي متسارع مع دمشق: إلغاء الكونغرس الأميركي لقانون قيصر، واستئناف الاتحاد الأوروبي اتفاقية التعاون وتعليق جزء من العقوبات. هذا المناخ يجعل اكتمال المجلس، المخوَّل دستورياً بالمصادقة على المعاهدات وإقرار الموازنة، عنصراً وظيفياً لأي اتفاقات اقتصادية أو أمنية مقبلة مع واشنطن وبروكسل والخليج، أكثر منه غاية بحد ذاتها.
في المقابل، يبقى الملفان الكردي (عقب اتفاق 10 آذار مع قسد) والدرزي عقدتين تراقبهما القوى الدولية عن كثب: استمرار إقصاء المكوّنين عن تمثيل برلماني كامل يقوّض رواية “الدولة الجامعة”، ويُبقي الباب مفتوحاً أمام ضغوط حقوقية وسياسية مشروطة، خصوصاً من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية.
خلاصة
المجلس يمثّل انتقالاً من “إدارة الأزمة” إلى “بناء المؤسسات” في سياق خرج قبل أقل من عامين من حرب أهلية طويلة. لكن قيمته الحقيقية ستُقاس بمعايير قابلة للتتبع: مدى استقلالية المجلس عملياً عن الولاءات التي رافقت تشكيله، سرعة استكمال تمثيل السويداء والمكوّنات الدينية والعرقية الغائبة، ووضوح آلية تمديد الولاية حين يحين موعدها.
بين “الإنجاز” و”الاختبار” الذي افتُتح به هذا المقال، ما زال الفارق الحقيقي هو ما سيفعله المجلس بصلاحياته، لا كيف تشكّل.


