
45 يوماً تفصل سوريا عن إنهاء عزلة نصف قرن
22/07/2026
من سرق ذاكرة السوريين… وكيف نستعيدها؟
25/07/2026أكبر انتصار حققه الاستبداد… أنه جعل السوري يشك في أخيه
محمد صادق شيخ ديب | 24 تموز 2026
الانتصار الأخطر
ليس أكبر انتصار يحققه الاستبداد أن يملأ السجون، ولا أن يصادر الحريات، ولا حتى أن يطيل عمره في الحكم. فكل ذلك، مهما طال، إلى زوال. أما الانتصار الأخطر، فهو أن ينجح في إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، حتى يصبح الخوف جزءًا من طبعه، والشك جزءًا من شخصيته.
لقد نجح استبداد آل الأسد، عبر عقود طويلة، في أن يجعل السوري يشك في أخيه قبل أن يشك في عدوه، وأن يخاف من الكلمة الصادقة أكثر مما يخاف من الظلم نفسه. فإذا اختلفا في الرأي، شك أحدهما في نية الآخر. وإذا التقيا، تساءل كل منهما: ماذا يخفي؟ ولمن يعمل؟ وهل يمكن الوثوق به؟
ولعل خير مثال على ذلك، مشهد تكرر في بيوت كثيرة خلال ذلك العهد: أب يجلس مع ابنه على مائدة العشاء، فيسمعه يتحدث بحماس عن رأي سياسي، فيربّت على كتفه بهدوء ويقول: “اخفض صوتك… الجدران لها آذان“. لم يكن يخشى على نفسه فقط، بل كان يزرع في ابنه، بحبٍّ لا بقسوة، أول درس في الصمت: أن الحذر من الكلمة أهم من صدقها.
وهكذا تحولت الثقة، التي هي أساس قيام المجتمعات، إلى عملة نادرة.
كيف تسللت الريبة إلى النفوس
لم يكن هذا التحول وليد الحرب وحدها، بل كان ثمرة سنوات طويلة من زرع الريبة بين الناس. فحين يعيش الإنسان في بيئة يخشى فيها الكلمة، ويتردد في إبداء رأيه، ويحسب حساب كل جملة ينطق بها، فإنه مع الزمن يفقد قدرته على الاطمئنان حتى إلى أقرب الناس إليه.
ثم جاءت سنوات الصراع، فوسعت هذا الشرخ. صار السوري يصنف السوري قبل أن يسمع منه، على أساس منطقته، أو طائفته، أو انتمائه السياسي، أو موقفه القديم. وأصبح السؤال عن الهوية يسبق السؤال عن الإنسان.
ضحايا لا صنّاع مأساة
لكن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها بشجاعة هي أن معظم السوريين كانوا ضحايا أكثر مما كانوا صناعًا لهذه المأساة. فمنهم من فقد ابنه، ومنهم من فقد بيته، ومنهم من فقد حريته، ومنهم من فقد وطنه، ومنهم من فقد مستقبله. اختلفت أشكال الألم، لكن الألم كان سوريًا بامتياز.
غير أن الاعتراف بكوننا ضحايا لا يعني الاستغراق في دور الضحية، بل يتطلب شجاعةً أخرى؛ شجاعة المراجعة الذاتية الصادقة، حيث يستحضر كل واحد منا مسؤوليته في التغيير، ويتأمل مقدار ما سمح للخوف والشك أن يتسللا إلى سلوكه ومواقفه.
العدالة أولاً… ثم المصالحة
وهنا لا بد من التمييز بين المجتمع الذي يستحق أن يتصالح مع نفسه، وبين من ارتكب الجرائم بحق هذا المجتمع. فالدعوة إلى استعادة الثقة بين السوريين لا تعني، بحال من الأحوال، أن تُطوى صفحات الدم دون حساب، أو أن يُساوى بين الضحية والجلاد.
فمن أمر بالقتل، أو مارس التعذيب، أو أراق دماء الأبرياء، أو أسهم عمدًا في تمزيق النسيج الوطني وإشعال الأحقاد بين أبناء الشعب الواحد. هذا لا بد أن يقف أمام عدالة نزيهة تنصف الضحايا، وتعيد للدولة هيبتها، وللقانون معناه.
فالعدالة ليست انتقامًا، لكنها أيضًا ليست نسيانًا. إنها الجسر الوحيد الذي يعبر عليه المجتمع من زمن الثأر إلى زمن السلم. أما العفو الذي يسبق المحاسبة، فإنه لا يصنع مصالحة، بل يزرع في قلوب المظلومين شعورًا بأن دماء أحبائهم قد أُهدرت مرتين؛ مرة حين سُفكت، ومرة حين أُعفي من سفكها من المسؤولية.
ولذلك، فإن تحقيق العدالة ليس غاية في ذاته فحسب، بل هو أيضًا السبيل إلى إغلاق جراح الماضي دون أن تتحول إلى ميراث تتناقله الأجيال. فحين يشعر المظلوم أن حقه قد أُنصف، تتراجع دوافع الثأر، ويصبح المستقبل أوسع من الماضي. أما إذا غابت العدالة، فإن أخطر ما يمكن أن نستمر في فعله هو أن نورث أبناءنا هذا الشك، وأن نجعلهم يحملون أحقادًا لم يصنعوها، ويواصلون معارك لم يختاروها، فيبقى الاستبداد حاضرًا في النفوس، حتى وإن غاب عن السلطة.
ذاكرة تنضج… لا ذاكرة تُمحى
إن الأمم لا تنهض عندما يتفق أبناؤها على رواية واحدة، فهذا مستحيل، وإنما تنهض عندما يتفقون على حق كل إنسان في أن يروي روايته دون خوف، وأن يسمع رواية غيره دون كراهية.
نحن لا نحتاج إلى ذاكرة تُمحى، بل إلى ذاكرة تنضج. ولا نحتاج إلى نسيان الماضي، بل إلى أن نتعلم منه دون أن نبقى أسرى له. فالعدالة لا تعني الانتقام، والمصالحة لا تعني إنكار الألم، والاختلاف لا يعني الخيانة.
من “مع من كنت؟” إلى “كيف نمضي معًا؟”
لقد دفع السوريون جميعًا ثمنًا باهظًا، وإذا كانت إعادة إعمار المدن تتحقق في سنوات، فإن إعادة إعمار الثقة بين البشر قد تحتاج إلى جيل كامل؛ فالوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل يُبنى عندما يطمئن الجار إلى جاره، ويثق المواطن بالمواطن.
ولعل أول خطوة في هذا الطريق أن نتوقف عن سؤال بعضنا “مع من كنت؟“، وأن نبدأ بسؤال أكثر إنسانية: “كيف يمكن أن نمضي معًا؟“ – سؤال لن تصنعه النوايا الطيبة وحدها، بل حوار صادق، ومدرسة تربي على احترام الاختلاف، وقانون يحمي الجميع بلا تمييز.
وربما يأتي يوم يجلس فيه ذلك الأب نفسه، وقد شاخ، مع ابنه الذي صار رجلاً، على المائدة نفسها، فيسمعه يتحدث بصوت مرتفع عن رأيه، دون أن يُخفض صوته هذه المرة، ودون أن تمتد يد الأب لتربّت على كتفه محذّرة. عندها فقط يعرف الأب أن الدرس الذي ورّثه لابنه رغمًا عنه قد بدأ ينكسر، وأن الجدران، أخيرًا، عادت جدرانًا لا أكثر.
فإذا نجحنا في استعادة هذه الثقة، نكون قد انتزعنا من الاستبداد أعظم انتصار حققه علينا؛ وإن بقينا أسرى الشك والكراهية، ظل حاضرًا بيننا حتى وإن غاب عن قصور الحكم.
فالاستبداد لا يموت يوم يسقط الحاكم، بل يوم يعود السوري قادرًا على أن يمد يده إلى أخيه… دون خوف، ودون شك، ودون كراهية. وعندها فقط، لن نستعيد وطنًا فحسب، بل سنستعيد أنفسنا أيضًا.


