
أكبر انتصار حققه الاستبداد… أنه جعل السوري يشك في أخيه
24/07/2026
كيف تعيد الجغرافيا والاقتصاد والتكنولوجيا تشكيل القوة الإقليمية؟
28/07/2026من سرق ذاكرة السوريين… وكيف نستعيدها؟
محمد صادق شيخ ديب | 25 تموز 2026
لا تُسرق الأوطان حين تُحتل حدودها، بل حين تُحتل ذاكرتها. فالحدود تُستعاد، أما الذاكرة إذا شُوِّهت، فإن الأمة تصبح غريبة عن نفسها، ويغدو أبناؤها أسرى روايات متنازعة لا يجمعها سوى الألم.
لم تكن المأساة السورية حربًا على الأرض وحدها، بل حربًا على الوعي، تُخاض بأدوات المناهج والإعلام والخطاب الرسمي؛ فمن يكتب ذاكرة الشعب يملك مستقبله، وصار الماضي ميدانًا للصراع كما المدن.
احتكار الدولة للرواية الرسمية
بدأت المأساة مع نظام آل الأسد الوحشي، الذي لم يكتفِ بإحكام قبضته على مؤسسات الدولة، بل احتكر الذاكرة الوطنية عبر أذرع عملت بمنهجية عقودًا:
مناهج أُعيدت صياغتها لتقديم السلطة بوصفها الوطن ذاته، ونشرات ومناسبات تحوّلت إلى منابر لرواية واحدة لا تحتمل المراجعة. بهذا الخلط بين الوطن والسلطة، حلّت الرواية الرسمية محل الحقيقة، وصار الصمت لغة عامة يتقنها الناس خوفًا لا اقتناعًا.
التطرف الداعشي وتشويه الدين
ثم جاءت التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها داعش، فاختطفت الدين من مقاصده، وحوّلت رسالته الأخلاقية إلى خطاب عنف وسبي وتفجير، وقدّمت للعالم صورة مشوهة عن أمة كان أول ما نزل عليها من الوحي: اقرأ.
ولم يكن ضحايا هذا التشويه من غير المسلمين فحسب، بل كان السوريون أنفسهم، وعلى رأسهم من عاشوا تحت سلطتها، أول من دفع ثمنه.
المشروع الإقليمي والتقاطع مع النزعات المحلية والطائفية
لم تقتصر محاولات تمزيق النسيج السوري على طرف بعينه. فقد تورطت ميليشيات موالية لإيران، وفي مقدمتها فصائل ضمن ما يُعرف بـ “الحشد الشعبي”، في ربط مصير مناطق واسعة بمشروع نفوذ إقليمي طائفي عبر هندسة التوازن الديموغرافي.
وبموازاة ذلك، سعت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لسنوات إلى إدارة ذاتية منفصلة عن الدولة المركزية بأبعاد قومية، وإن فتحت مفاوضاتها الأخيرة مسارًا لدمج تدريجي.
وحمل مسار السويداء تعقيدًا مماثلًا في جوهره وإن اختلف شكله.
فبعد أحداث تموز 2025 التي خلّفت مئات الضحايا وتهجيرًا واسعًا من عشائر البدو، وما زالت ملفاتها بلا حلول كاملة، تمسّك حكمت الهجري بالاعتماد على إسرائيل، علنًا بمطلب “تقرير المصير” والانفصال، بخطاب يحمل جوهر التوجه الانفصالي ذاته لتجربة قسد، وإن اختلفت خلفيته الطائفية عن خلفيتها القومية.
استيراد الأيديولوجيات الجاهزة
وبين هذا وذاك، لم يكن الخراب عسكريًا فقط بل فكريًا أيضًا. فقد استوردت بعض التيارات الأيديولوجية، من خلفيات علمانية وقومية على حد سواء، مشاريع فكرية جاهزة لا تنطلق من واقع المجتمع السوري بقدر ما تنطلق من تصورات مغلقة تسعى لفرض نموذج واحد وإقصاء ما عداه. ولا يشمل هذا النقد بالطبع التيارات الوطنية والإسلامية، التي انخرطت في الشأن العام من موقع المشاركة لا الوصاية، بل يقتصر على تلك التي تبنّت مشاريع إقصائية جاهزة الصنع. وقد أسهم هذا الاستيراد الفكري، أيًا كان مصدره، في تراجع الهوية الجامعة أمام هويات ضيقة متصارعة.
الانتهازية وتجارة الأزمات
وجد الانتهازيون وتجار الأزمات فرصتهم في خضم ذلك، فتسلقوا على معاناة الناس، وحوّلوا الثورة والسلطة والمساعدات إلى وسائل للنفوذ والثراء، يبدّلون مواقفهم كلما تبدّلت موازين القوى، فلا وطن عندهم إلا حيث المصلحة.
أثر متفاوت… ونتيجة واحدة
من العدل القول إن هذه الأطراف لم تتساوَ في حجم الأثر ولا في الأداة؛ فسلطة الدولة الأسدية امتلكت أذرعًا مؤسسية أعادت تشكيل الذاكرة الجماعية بمنهجية عقودًا، بينما اقتصر أثر أطراف أخرى على مراحل أو مناطق محدودة. غير أن اجتماع هذه المسارات هو ما أنتج المشهد الراهن:
كل طرف اقتطع جزءًا من الحقيقة لصالح روايته، حتى ضاعت الحقيقة الكاملة.
فرصة تاريخية بشروط لا بضمانات
لا تعيش الأمم الحية أسيرة جراحها إلى الأبد. واليوم تقف سوريا أمام فرصة تاريخية بعد انتقالها إلى مرحلة سياسية جديدة، تحمل مسؤولية استعادة الدولة وبناء مؤسساتها على أسس وطنية جامعة، لا بوصفها غلبة فريق على آخر، بل بداية مسؤولية كبرى لإعادة بناء الإنسان السوري قبل إعادة بناء الحجر. وهذا التفاؤل مشروط لا مطلق:
فالمرحلة لن تُقاس بشعاراتها، بل بعدالة انتقالية شفافة تُحاسب الجميع بمعيار واحد، وبإشراك كل مكونات المجتمع في كتابة السردية الوطنية، بعيدًا عن احتكار الذاكرة بيد جديدة تستبدل روايةً برواية دون أن تغيّر المنطق ذاته.
كيف تُستعاد الذاكرة؟
لا تُستعاد الذاكرة الوطنية بإقصاء أحد، ولا بكتابة تاريخ المنتصر، بل بالاعتراف بما أصاب الجميع، وإنصاف المظلوم أيًا كان انتماؤه، وترسيخ مبدأ المواطنة الذي يتساوى تحته كل سوري مخلص لوطنه. وهذه المهمة ليست حكرًا على الدولة؛ فالمجتمع المدني وشهادات الضحايا أنفسهم يملكون المادة الخام لسردية عادلة بعيدًا عن التوظيف السياسي.
ويمكن تلمّس هذا المسار في ثلاثة اتجاهات:
أرشيف وطني مستقل يحفظ الشهادات من الضياع والتزوير بمعايير مهنية تحت إشراف هيئة مستقلة؛
مناهج تعليمية محايدة لا تُقصي رواية لحساب أخرى، بل تعلّم الأجيال قراءة التاريخ بعقل ناقد؛
وفضاء حر للفنون والأدب يعيد سرد الألم بصدق بعيدًا عن الرقابة والتوظيف. وتبقى تحديات هذا المسار، من التمويل إلى حياد المراجعة، تُعالَج بالشفافية بوصفها جزءًا من المشروع، لا عائقًا يُؤجَّل.
سوريا التي نحلم بها
إن سوريا التي يحلم بها أبناؤها ليست سوريا الثأر، بل سوريا العدالة؛ ليست سوريا الغالب والمغلوب، بل سوريا الشريك والشريك؛ سوريا تستفيد من طاقات أبنائها كافة، وتفتح أبوابها لكل صاحب علم وخبرة وإخلاص، تجمع ولا تفرّق.
فالتحدي الأكبر اليوم ليس في تعداد من سرق الذاكرة، بل في امتلاك الشجاعة والأدوات العملية لاستعادتها. فالذاكرة ليست كتابًا نقرأه، بل وطنًا نسكنه.
فإذا كتبها الصادقون، نهضت سوريا. وإن تُركت مرة أخرى لمن سرقوها بالأمس، فلن تُسرق الذاكرة وحدها… بل سيُسرق المستقبل أيضًا.


