
من هامش القمة إلى قلب المعادلة: أنقرة تعيد تموضع سوريا
09/07/2026
قراءة في الهندسة الجيوسياسية لانتخابات مجلس الشعب السوري
14/07/2026من يصنع التاريخ في سوريا؟
قراءة في خطاب ترامب والسردية السورية
محمد صادق شيخ ديب | 12.07.2026
أولاً: ماذا قال ترامب فعلاً؟
على هامش قمة الناتو في أنقرة (7-8 تموز 2026)، التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع للمرة الرابعة منذ سقوط نظام الأسد. وخلال مؤتمر صحفي مشترك، أثنى ترامب على الشرع بعبارات لافتة، واصفاً إياه بأنه أنجز “عملاً رائعاً حقاً كرئيس”، وأنه “وحّد البلاد في غضون عام ونصف”. كما أبلغ الشرع، عبر رسالة رسمية، بقراره رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو قرار يخضع الآن لمراجعة الكونغرس لمدة 45 يوماً قبل أن يصبح نافذاً نهائياً.
في المقابل، ردّ الشرع بأن الإنجاز يعود “لقوة وصمود الشعب السوري”، مع الإشادة بقرار ترامب رفع العقوبات كمحطة مهمة، إلى جانب دعم تركيا ودول الخليج.
خطاب ترامب، رغم نبرته الاستعراضية المعتادة، جاء إذن في سياق الثناء على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي، لا في سياق ادعاء مباشر بأنه “أوصل” الشرع إلى الحكم عسكرياً.
ثانياً: الحقيقة على الأرض
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 لحظة عابرة، بل محطة ختامية لمسار طويل من المواجهة مع الاستبداد، امتد من انتفاضة الثمانينات ضد الطاغية حافظ الأسد، وصولاً إلى ثلاثة عشر عاماً من ثورة شعبية اندلعت عام 2011؛ مسارٌ دفع فيه السوريون أثماناً باهظة على مدى أجيال متعاقبة: شهداء ومعتقلون ومهجّرون.
القوة العسكرية والتنظيمية التي قادت التقدم نحو دمشق كانت سورية القرار والمنشأ، واستفادت من انشغال الحاضنين الروسي والإيراني للنظام بجبهات أخرى، لا من “تعليمات” أمريكية مباشرة.
ثالثاً: تقاطع المصالح، لا التبعية
من المفيد التمييز هنا بين العمالة وتقاطع المصالح:
• الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون رأوا في سقوط الأسد فرصة لإنهاء النفوذ الإيراني وتفكيك “محور المقاومة” دون كلفة عسكرية مباشرة.
• الثورة السورية كانت تسعى لهدف مختلف تماماً: التحرر من حكم استمر أكثر من خمسة عقود.
حين تقاطعت المصلحتان، لم تتدخل القوى الدولية لإنقاذ الأسد. هذا “الضوء الأخضر الصامت” لا يعني أن الثوار كانوا أداة بيد أحد، بل أنهم فاعلون سياسيون استثمروا لحظة ضعف تاريخية لتحقيق هدفهم الخاص.
رابعاً: لماذا يكرر ترامب هذا الخطاب؟
تصريحات ترامب تخدم أهدافاً أمريكية داخلية وخارجية عدة:
• تسويق “نصر سياسي” أمام الرأي العام الأمريكي.
• تقديم واشنطن كطرف محوري في تحولات المنطقة أمام تركيا وأوروبا وإيران.
• تمهيد الطريق لدمج سوريا الجديدة في شبكة تحالفات إقليمية مناهضة لإيران وحزب الله، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأمريكية في إعادة الإعمار.
هذا خطاب سياسي محسوب يخدم أجندة واشنطن، وليس بالضرورة وصفاً دقيقاً وكاملاً لما جرى فعلياً على الأرض.
الخلاصة الاستراتيجية: الكفة السورية هي الأرجح دائماً
في المحصلة، لا يمكن قراءة ادعاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه “صانع التغيير” في سوريا إلا في سياقها الطبيعي: استثمار سياسي ذكي، واستعراض موجه للداخل الأمريكي، ومحاولة مبكرة لفرض شروط واشنطن على الخارطة الإقليمية الجديدة ومستقبل إعادة الإعمار. غير أن الشرع نفسه أقرّ علناً، أمام الكاميرات ذاتها التي حاولت تسويق سردية أخرى، بأن الفضل يعود “لقوة وصمود الشعب السوري” لا لأي قرار خارجي بمفرده، وهذا وحده كافٍ لدحض أي محاولة لاختزال عقودٍ من المواجهة مع الاستبداد، من انتفاضة الثمانينات ضد الطاغية حافظ الأسد، مروراً بثلاثة عشر عاماً من الثورة، وصولاً إلى مليون شهيد، وملايين المعتقلين والمهجّرين، في تصريح عابر أو صك ملكية أمريكي.
الحقيقة التي لا تُحجب بغربال الكاميرات تصدح بأن القوى الكبرى -أمريكية كانت أم إقليمية- لم تصنع واقعاً، بل انحنت لأمر واقع فرضه السوريون على الأرض؛ فحين وجد المجتمع الدولي أن نظام الأسد قد انتهت صلاحيته التاريخية وتهاوت بنيته تحت وطأة الإنهاك، تعاملت واشنطن براغماتياً مع البديل المنظم القادر على ضبط الاستقرار ومنع الفوضى. فالسيادة الوطنية لا تُمنح كمنحة من البيت الأبيض، ولا تُختزل في حسابات الصفقات العابرة، بل انتزعها شعبٌ قدم تضحيات جساماً امتدت لأجيال متعاقبة.
وما هذه التجاذبات السياسية الخارجية إلا زبد يذهب جفاءً مع تغير الإدارات والمصالح، بينما ما ينفع الناس ويمكث في الأرض السورية هو شرعية الإنجاز المحلّي. فالسيادة الحقيقية لا تُبنى في أنقرة ولا في واشنطن، بل على الأرض السورية، بقرار سوري مستقل، نحو دولة وطنية لا تابعية فيها لأي طرف خارجي.


