كيف تقرأ دمشق انفجاري “7 تموز” في ميزان الانتقال السياسي؟
08/07/2026
من يصنع التاريخ في سوريا؟
12/07/2026
كيف تقرأ دمشق انفجاري “7 تموز” في ميزان الانتقال السياسي؟
08/07/2026
من يصنع التاريخ في سوريا؟
12/07/2026
مشاهدة الكل

من هامش القمة إلى قلب المعادلة: أنقرة تعيد تموضع سوريا

من هامش القمة إلى قلب المعادلة: أنقرة تعيد تموضع سوريا

محمد صادق شيخ ديب | 09.07.2026

عندما التقى الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو في أنقرة، الأربعاء 8 يوليو 2026، لم تكن الصورة مجرد لقطة بروتوكولية. فهذا اللقاء الرابع خلال أقل من عام ونصف، لرئيس كان حتى وقت قريب خارج أي إطار للاعتراف الدولي، يستحق قراءة تتجاوز المظهر إلى الجوهر: لم تُغيّر قمة أنقرة موقع سوريا بقدر ما كشفت مساراً متواصلاً لإعادة تموضعها داخل حسابات الأمن الأطلسي، عبر البوابة التركية لا عبر عضوية رسمية في الحلف.

هذا المسار بدأ في الرياض مايو 2025، حين وصف ترامب الشرع بـ”الشاب الجذاب”، وتُوّج بزيارة تاريخية للبيت الأبيض في نوفمبر، أول زيارة لرئيس سوري لواشنطن منذ استقلال 1946. لكن محطة أنقرة تحمل وزناً إضافياً: تأتي وسط حرب أمريكية-إسرائيلية-إيرانية مشتعلة منذ فبراير الماضي، ما يجعل موقع سوريا سؤالاً استراتيجياً لا ملفاً ثنائياً.

الحلف لم يضع سوريا رسمياً على الأجندة، وانشغل بدلاً من ذلك بالإنفاق الدفاعي ومستقبل الالتزام الأمريكي تجاه أوكرانيا، ضمن ما يسميه الأمين العام مارك روته “الناتو 3.0”. لكن غياب سوريا عن البيان الختامي لا يعني غيابها عن الحسابات الفعلية: الجناح الجنوبي لتركيا بات نقطة تماس مباشرة بين أمن الحلف وملفي الإرهاب والهجرة القادمة من الشرق الأوسط.

تركيا هي من رتّبت هذا التقاطع

عبر دعوة من أردوغان شخصياً. ونيكولاس ويليامز، المسؤول السابق في الناتو ووزارة الدفاع البريطانية، وصف الزيارة بأنها تعكس “تحولاً تاريخياً” و”إعادة تموضع استراتيجي واندماجاً متزايداً في الهياكل الأمنية الغربية”. لكن مركزية أنقرة ليست مجردة؛ فهي تمنحها ورقة ضغط في ملفين:

  • في شرق الفرات: تريد تركيا ضمانات أوضح بشأن مستقبل التسليح الكردي قرب حدودها، وهي معادلة تضع دمشق بين استثمار التوجس التركي من “قسد” لتعزيز التقارب مع أنقرة، وبين الاصطدام بحقيقة أن واشنطن هي الداعم الأساسي لهذه القوات – ما يجعل الملف اختباراً حقيقياً لبراغماتية دمشق أكثر منه فرصة سهلة.
  • أما في شرق المتوسط: فاستقرار الساحل السوري ينعكس على خطوط الطاقة والملاحة في منطقة متشابكة المصالح بين تركيا واليونان وقبرص وإسرائيل، وإن كان من المبكر الحديث عن ترتيبات نهائية.

من الانطباعات الشخصية إلى الملفات الثقيلة

تصدّر الملف الإسرائيلي-السوري النقاش، بعد أن طرحت واشنطن سابقاً فكرة انضمام دمشق لمسار التطبيع، قبل أن يتراجع الزخم نحو “اتفاق أمني” تمهيدي نوقش في لقاءات باريس، ثم خفت الحديث عنه لاحقاً – تراجع مرتبط، بحسب متابعين للملف، بتعقيدات ميدانية لبنانية-سورية أكثر منه انسحاباً من المبدأ.

كذلك كشف ترامب عن نقاشه مع الشرع “محاربة حزب الله”، معتبراً أنه يملك “قدرة كبيرة على التعامل مع الحزب”. لكن الشرع، الحذر منذ اندلاع الحرب الإيرانية، أكد مراراً رفضه الانجرار لأي مواجهة عسكرية مباشرة – وهذا التوازن بين الانفتاح ورفض حروب الآخرين هو ما يميز خطاب دمشق الجديد.

أوروبا.. لاعب أقل صخباً لكنه ثقيل

ملف اللجوء السوري ما زال عبئاً سياسياً في ألمانيا والسويد، وفرنسا برهنت على حرصها بزيارة ماكرون الرسمية لدمشق قبيل توجهه مباشرة لأنقرة – تسلسل رمزي يعكس سعي باريس لموقع في الملف لا مجرد مراقبته.

بالمقابل، ثمة من يقرأ هذا المسار بحذر أكبر؛ فالتموضع، على عكس ما يوحي الزخم الدبلوماسي، غير مؤسسي حتى الآن: لا معاهدة، ولا التزام مكتوب، بل شبكة علاقات شخصية قابلة للتقلب مع تبدّل الأولويات الأمريكية. أصوات سورية داخلية تحذر من الرهان الكامل على علاقة الشرع الشخصية بترامب، بينما تبقى العقوبات الأمريكية المتبقية – رغم تصريحات متكررة عن نيّة رفعها – عائقاً فعلياً أمام أي إعمار جاد، ما يجعل الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الاقتصادي واسعة.

من يتأثر بالمعادلة؟

كل تقارب سوري-غربي يُقرأ في طهران وموسكو كإشارة تستدعي الانتباه: النفوذ الإيراني الذي تراكم لعقد ونصف، وأوراق الضغط الروسية طويلة الأمد، يصعب أن يبقيا بمعزل عن انفتاح دمشق على واشنطن وأنقرة. لكن الحذر واجب منهجياً: لا يعني هذا انسحاباً حاسماً لأي منهما، فكلاهما منشغل بجبهات ساخنة موازية – إيران في مواجهتها المباشرة مع واشنطن وتل أبيب، وروسيا في حربها الأوكرانية.

والأهم أن هذا التموضع السوري المتزايد نحو الفلك الغربي يتقاطع زمنياً مع تنافس أوسع بين واشنطن وموسكو على إعادة رسم مناطق النفوذ في مرحلة ما بعد سنوات الحرب الأوكرانية الطويلة – وسوريا، التي كانت يوماً من أبرز رموز النفوذ الروسي بالمنطقة، يصعب فصل مسارها الحالي عن هذا السياق الأشمل، وإن كان من المبكر جزم أي استنتاج قاطع. في المقابل، تجد الدول العربية نفسها أمام فرصة لإعادة دمج سوريا في محيطها الطبيعي، ولو بحذر مدروس، خصوصاً مع تراجع بعض العقوبات الأمريكية التي كانت حجر عثرة أمام أي إعمار جاد.

الخلاصة

اللقاء الرابع ليس نهاية القصة، بل حلقة تؤكد فرضية أساسية: سوريا باتت جزءاً من حسابات الأمن الأطلسي من الباب التركي لا الرسمي. لكن التحدي الأكبر يبقى تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى استقرار فعلي – تفكيك العقوبات المتبقية، وإطلاق مشاريع تعافٍ ملموسة، وطمأنة رأس المال الدولي.

فالسؤال الحقيقي ليس “هل ابتسم الرئيسان أمام الكاميرات؟”،

بل هل تتحوّل هذه اللقاءات إلى خطوات تُعيد للدولة السورية مؤسساتها ووحدة أراضيها؟

الإجابة لن تُكتب في قاعات المؤتمرات بأنقرة، بل في قدرة دمشق على ترجمة هذه التفاهمات على الأرض خلال الأشهر المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443