
قمة الناتو في انقره تعيد ترسيم العالم
05/07/2026
الحضور الفرنسي في دمشق: بين إرث الانتداب وإعادة تفصيل النظام الإقليمي
07/07/2026إعادة صياغة العلاقات السورية-اللبنانية
اختبار السيادة في مواجهة الأوصياء الجدد
م. محمد صادق شيخ ديب | 06.07.2026
أولاً: التوقيت الاستراتيجي للزيارة
لا تُقرأ زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الثانية إلى بيروت كمحطة بروتوكولية، بل كتحرك محسوب في لحظة إقليمية شديدة الازدحام، تتقاطع فيها ثلاثة متغيرات: استعصاء داخلي لبناني حول “الاتفاق الإطاري” مع إسرائيل يخوضه الرئيس جوزيف عون؛ وتلويح أمريكي متصاعد بإسناد دور وظيفي لدمشق في ملف حزب الله، بعد إحباط معلن من محدودية الحسم العسكري الإسرائيلي؛ ودولة سورية جديدة تبحث عن شرعية دولية دون الانزلاق مجدداً إلى الداخل اللبناني. وقد حملت جولة الشيباني الموسعة، من الرؤساء الثلاثة وبكركي ودار الفتوى ونبيه بري رسالة مزدوجة: طي صفحة الهيمنة التقليدية، مع رفض تحويل الانفتاح السوري إلى غطاء لتدخل خارجي مفروض.
ثانياً: من “الوصاية” إلى “الندية السيادية“
تجاوز الحدث الخطاب إلى الإجراء بإقرار “اللجنة العليا السورية اللبنانية المشتركة” بديلاً عن “المجلس الأعلى” لعام 1991. هذا يؤسس لعقيدة “دولة إلى دولة”، ويجعل ضبط الحدود المشتركة، التي تمثل نحو ثلثي الحدود البرية اللبنانية ركيزة لأي تفاهم سيادي مقبل. وقد ربط الرئيس عون بذكاء بين هذا التعاون الحدودي وملف حصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن إحكام السيطرة على المعابر يقطع خطوط الإمداد العسكري غير الشرعي، والتهريب المسلح والبشري، وشبكات المخدرات.
غير أن مفاعيل هذه الندية لن تتوقف عند المقاربة الأمنية والحدودية، بل تمتد لتشكل اختباراً موازياً لمتانتها: هل تنتقل من نصوص الاتفاقيات إلى ملفات الطاقة والربط الكهربائي، والتكامل الاقتصادي، وإعادة الإعمار العابرة للحدود؟ فهذا البعد التنموي ليس ملحقاً ثانوياً بالتفاهم السياسي، بل ركيزة تمنحه عمقاً ملموساً يمس مصالح البلدين المباشرة، ويحوّله من التزام رمزي إلى مصلحة متبادلة يصعب التراجع عنها.
ومع ذلك، سيصطدم هذا العبور القانوني بحقول ألغام تاريخية: فأي تقارب بين دمشق وبيروت، ما لم يحظَ بغطاء إجماعي داخلي، قد يتحول إلى مادة استقطاب يستخدمها الخصوم المحليون المتحفظون أصلاً على “الاتفاق الإطاري” كأداة تعطيل، فتتحول اللجنة إلى حبر على ورق، لا بفعل تراجع دمشق، بل لعجز المنظومة اللبنانية عن تسييل التفاهمات الأمنية والاقتصادية معاً على أرض الواقع.
ثالثاً: معضلة حزب الله
في ملف حزب الله، اختارت دمشق موقفاً بدا أقرب إلى النفي الصريح منه إلى الغموض: لا لقاء مع أي مسؤول من الحزب مقابل انفتاح غير مسبوق على حليفه نبيه بري، مع تصريحات سورية علنية تستبعد أي دور عسكري. وهذه الحسابات الخارجية المعقدة تتقاطع أيضاً مع حذر الداخل السوري؛ حيث يواجه عهد الشرع الناشئ تحدي التوفيق بين تيارات تدفع نحو قطيعة راديكالية مع إرث المحاور لكسب الشرعية الدولية سريعاً، وأخرى تتوجس من التخلي عن حلفاء الأمس في إقليم لا يزال رمادياً.
وتبقى قراءة هذا الموقف كـ “فصل وظيفي” مقصود تفسيراً تحليلياً يحتاج حذراً، إذ تشير بعض بنود اللجنة العليا نفسها، وفق ما تناولته تقارير لبنانية متعددة عقب توقيع الاتفاقية، إلى طلب لبناني رسمي بدعم دولي وعربي، بقيادة أمريكية، لتحقيق نزع سلاح كامل للجماعات غير التابعة للدولة؛ وهو ما قد يجعل الفصل بين “الحدودي الرسمي” و”الداخلي الحصري” أقل حدة مما يبدو ظاهرياً.
رابعاً: الموقف الخليجي
ترحب الرياض بخروج دمشق من العباءة الإيرانية، لكنها – في قراءة تحليلية لا تستند إلى تصريح سعودي مباشر، قد تتوجس من وراثة دمشق دوراً وصائياً بديلاً. ولوحظ خلوّ الجولة من أي لقاء مع رموز آل الحريري، وإن كان هذا الغياب يحتمل تفسيرات أخرى لا تقل رجحاناً، أبرزها تراجع الثقل السياسي الفعلي لبيت الحريري داخلياً منذ اعتزال سعد الحريري النشاط السياسي، لا رسالة سعودية ضمنية بالضرورة.
خامساً: الموقف الأوروبي
تتعامل فرنسا مع الملف اللبناني بنمط تدخل رمزي وخطابي مستمر، دون أدوات ضغط اقتصادية أو أمنية فعلية توازيه؛ إذ لم تُترجم مبادراتها المتكررة لمؤتمرات الدعم إلى التزامات مالية تضاهي حجم خطابها السياسي، وفق ما تعكسه حصيلة هذه المؤتمرات المتكررة دون نتائج ملموسة – ما يجعل حضورها أقرب إلى النفوذ الشكلي في ظل تصاعد أدوار أمريكية وخليجية وسورية أكثر مباشرة.
سادساً: تركيا وإسرائيل، المتغيران الأكثر إلحاحاً
إلى جانب الخليج وفرنسا، يحضر لاعبان لا يقل ثقلهما في رسم حدود هذه العلاقة الناشئة. فتركيا، الحليف الأقرب لدمشق الجديدة والداعم الأبرز لعهد الشرع، تصعّد خطابها الأمني تجاه بيروت، وصولاً إلى ربط أردوغان أمن بلاده بأمن العاصمتين السورية واللبنانية معاً، وهو حضور جيوسياسي مباشر ونابع من جوار حدودي وتحالف عضوي، قد يجعله أكثر إلحاحاً من النفوذ الفرنسي الرمزي. وإسرائيل بدورها لا تحضر كملف تفاوضي مؤجل عبر “الاتفاق الإطاري” فحسب، بل كفاعل عسكري يفرض وقائعه بالنار؛ فالضربات الإسرائيلية المتواصلة على جنوب لبنان، المتزامنة مع الزيارة نفسها، تفرض سقفاً زمنياً وأمنياً فعلياً على أي تفاهم سوري-لبناني، بأدوات ميدانية لا دبلوماسية. وبهذا يشكّل الفاعلان معاً ضغطاً مزدوجاً، أحدهما بالجوار والتحالف، والآخر بالنار والردع، يفوق في إلحاحه ضغوط اللاعبين الأبعد جغرافياً.
سابعاً: الخلاصة
تبقى هذه العلاقة الناشئة تجربة مفتوحة على احتمالين متناقضين. فإما أن تتحول إلى نموذج إقليمي نادر لعلاقة ندية بين دولتين خرجتا لتوّهما من إرث الهيمنة والحرب، أو أن تُستدرج مجدداً إلى شبكة الوصايات والضغوط المتعددة، الخليجية الحذرة، والأوروبية الرمزية، والأمريكية الوظيفية، والتركية الصاعدة، والإسرائيلية القسرية، التي طالما حكمت مصير الفضاء السوري-اللبناني. والفيصل هنا لن يكون النوايا المعلنة، بل قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات الرمزية إلى وقائع ملموسة على الأرض، بمنأى عن حسابات الآخرين.


