
إعادة صياغة العلاقات السورية-اللبنانية
06/07/2026
قانون العار: 49… حين تحوّل الفكرُ إلى حبل مشنقة
07/07/2026الحضور الفرنسي في دمشق: بين إرث الانتداب وإعادة تفصيل النظام الإقليمي
محمد صادق شيخ ديب | 07.07.2026
لم تكن سوريا يومًا محطة عابرة في الذاكرة الاستراتيجية الفرنسية. فباريس التي فرضت انتدابها بعد سقوط الدولة العثمانية اعتمدت سياسة تقسيم طائفي ومناطقي، عبر إنشاء #الفرق_الخاصة التي جندت أبناء الأقليات، وفي مقدمتهم العلويون، ضمن بنية عسكرية أنتجت لاحقًا نخبة أثّرت في موازين القوى بعد الاستقلال. هذا الإرث يجعل عودة رئيس فرنسي إلى دمشق اليوم محمّلة بدلالات تتجاوز البروتوكول، لتعكس استعادة فرنسا لدور تاريخي طالما اعتبرته حقًا مكتسبًا في الشرق الأوسط.
البعد الكردي
لا يمكن فهم عودة باريس بمعزل عن علاقتها الممتدة مع #قسد والإدارة الذاتية، التي شكّلت طوال الحرب على داعش زريعة أساسية للحضور الفرنسي الميداني، عبر دعم تجاوز أحيانًا التنسيق الأمني ليصبح غطاءً سياسيًا لمطالب الإدارة الذاتية. هذا ما يفسر القلق التركي والحساسية السورية من أي دور فرنسي يُراد له أن يبدو محايدًا بينما تحتفظ باريس بعلاقة تفضيلية مع طرف بعينه.
والمعضلة البنيوية هنا: كيف توازن فرنسا بين التقارب مع دمشق الجديدة، وخطب ود أنقرة قبيل #قمة_الناتو، والتمسك بورقة الإدارة الذاتية؟ الإصرار على الجمع بين هذه الأضداد قد يفقدها صفة الوسيط النزيه بدل تكريس حضورها كلاعب مرجعي.
البعد السياسي
رسالة ماكرون الداعية إلى “سوريا حرة وتعددية تحترم مكوناتها” تحمل قراءتين:
تطمين ظاهري للسلطة الجديدة، وتذكير ضمني بأن باريس ما تزال ترى نفسها راعية لتوازن المكونات، بما فيها الملف الكردي.
توقيت الزيارة، السابق مباشرة لقمة الناتو في أنقرة، يحوّلها من حدث ثنائي إلى ورقة تفاوضية ضمن معادلة أوسع تشمل تركيا وواشنطن، خاصة مع تراجع فعالية سياسة العزل ورغبة فرنسية في تثبيت موقع مبكر ضمن مسار إعادة الإعمار وإعادة تشكيل التوازنات بعد الحرب. هذا التوقيت يعيد أيضًا فتح النقاش حول جدوى أدوات الضغط كقانون قيصر، في ظل تقسيم أدوار غير معلن: فرنسا تتقدم اقتصاديًا وسياسيًا، وواشنطن تحتفظ بالورقة الأمنية شرق الفرات، بينما تقرأ موسكو تفكك جبهة العزل كنجاح لمقاربتها الواقعية.
ومما يعزز فرضية #الاحتواء_المشروط أن دمشق أعلنت عشية وصول ماكرون تأجيل الجلسة الافتتاحية لبرلمانها الجديد دون تبرير رسمي، ما يوحي بأن السلطة السورية تدير إيقاع خطواتها التأسيسية بما يتناسب مع الزيارات الدولية، بدل المضي في مسارها الداخلي بمعزل عن الضغط الخارجي.
مواقف إقليمية ودولية متمايزة
واشنطن تراهن على قيادة الشرع وتقبل ضمنيًا التقدم الفرنسي طالما احتفظت بالملف الأمني.
روسيا تدرك أنها لم تعد اللاعب الوحيد، والأدوات الاقتصادية باتت الحاكمة.
تركيا تجد في توقيت الزيارة فرصة لطرح تحفظاتها على العلاقة الفرنسية-الكردية.
إسرائيل تنظر لأي تعزيز أوروبي كعامل معقّد لحسابات النفوذ جنوب سوريا.
إيران ترى في التقارب استمرارًا لإبعاد دمشق عن مربع نفوذها.
الاتحاد الأوروبي يتجسد موقفه بكون ماكرون أول رئيس أوروبي يزور دمشق، ما يفتح الباب أمام برلين وروما.
دول الخليج تتجه نحو الطاقة والبنية التحتية والموانئ. الصين تتعامل بمنطق اقتصادي صرف، مفضّلة الانتظار ضمن رؤية “الحزام والطريق“.
البعد الاقتصادي
الوفد الاقتصادي المرافق يكشف تنافسًا على إعمار قدّر البنك الدولي كلفته بأكثر من 216 مليار دولار، لكن الإعمار الفعلي لم يبدأ، ما يظهر فجوة بين الزخم السياسي والحذر الاستثماري بانتظار ضمانات الاستقرار. باريس لا تخوض السباق وحيدة: الخليج يندفع مبكرًا نحو قطاعات محددة، وبكين تراقب بصبر استراتيجي، ما يضع دمشق أمام معادلة توزيع فرص الإعمار دون منح أي طرف وصاية اقتصادية حصرية.
البعد الأمني
عشرة قتلى. هذا ما خلّفه تفجير استهدف مقهى في دمشق قبل أيام من وصول الرئيس الفرنسي، تذكير قاسٍ بأن أي تطبيع يظل مرهونًا بقدرة السلطة الجديدة على ضبط الأمن ومنع تمدد بقايا التطرف.
لكن قلق باريس الأمني يمتد غربًا أيضًا، نحو #لبنان. فتحذير فرنسا من ضرورة ضبط الحدود #السورية_اللبنانية يعكس حسابين متلازمين: حماية نفوذها التاريخي في بيروت، ومنع توظيف الانفتاح على دمشق ذريعةً للتمدد شرق الحدود اللبنانية، قلق يزداد حدة مع تسريبات أمريكية عن دور سوري محتمل تجاه حزب الله، رفضته باريس بوضوح.
النتيجة: “الاحتواء المشروط” الفرنسي ليس معادلة أحادية البعد كما يوحي التركيز على الملف الكردي وحده، بل معادلة ثنائية الجغرافيا: خط أحمر شمالي شرقي يحمي ورقة قسد، وخط أحمر مواز في الغرب يحمي لبنان من “تصدير” النفوذ السوري الجديد.
الخلاصة
هذه ليست عودة لملف ثنائي بسيط. فرنسا تعود بصفتها لاعبًا يحمل إرثًا كاملًا في هندسة موازين القوى الداخلية السورية، من زمن الانتداب إلى علاقتها الراسخة اليوم بالإدارة الذاتية الكردية.
ثلاث رسائل تختصر المشهد.
سياسيًا: الغرب انتقل من العزل إلى احتواء مشروط، لا إلى اعتراف مطلق. والدليل الأوضح على ذلك؟ تأجيل دمشق لجلسة برلمانها الافتتاحية عشية الزيارة. وكأن إيقاع التحول الداخلي بات مرهونًا بحسابات الانفتاح الخارجي، لا بجدول سوري خالص.
اقتصاديًا: سباق الإعمار بدأ على الطاولة السياسية، قبل أن يبدأ فعليًا على الأرض.
أمنيًا: أي انفتاح يبقى معلّقًا فوق استقرار لم يتحقق بعد. في الشمال الشرقي، تتمسك باريس بورقة قسد. وفي الغرب، ترسم خطًا أحمر يمنع تسرب النفوذ السوري إلى لبنان.
يبقى السؤال معلقًا أمام دمشق وأنقرة معًا: هل تُستثمر عودة باريس بذكاء؟ أم يعيد التاريخ نفسه، فتتحول هذه العودة إلى قناة موازية تعيد إنتاج انقسامات الداخل السوري بأدوات جديدة؟
وربما السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تنجح باريس في تسويق “واقعيتها المشروطة”؟ أم أن حقول الألغام الأمنية، وتشابك المصالح التركية-الأمريكية، كفيلان بتحويل الزيارة إلى مغامرة معزولة؟


