
تفجير حي الحجاز: قراءة في دلالات التوقيت وأهداف الاستهداف الأمني
04/07/2026
إعادة صياغة العلاقات السورية-اللبنانية
06/07/2026قمة الناتو في انقره تعيد ترسيم العالم
نحو نظام إقليمي جديد من كييف إلى الخليج
م. محمد صادق شيخ ديب
05.07.2024
مدخل: لحظة إعادة تشكيل، لا مجرد قمة عابرة
حين يلتقي زعماء الحلف الأطلسي في المجمع الرئاسي بأنقرة يومي 7 و8 يوليو، فإنهم لن يكونوا مجرد ضيوف على بروتوكول دبلوماسي معتاد، بل شهوداً على لحظة تُعاد فيها صياغة موازين القوى من البحر الأسود إلى الخليج العربي. فالمكالمة الهاتفية التي جمعت ترامب وبوتين لمدة 85 دقيقة عشية القمة لم تكن حدثاً منعزلاً، بل الحلقة الأحدث في سلسلة تفاهمات متدرجة تتجه نحو صياغة “نظام إقليمي جديد” تتقاطع فيه ثلاث جبهات كبرى: الجبهة الأوكرانية، جبهة الشرق الأوسط الممتدة من دمشق إلى طهران، وجبهة الخليج التي باتت تدخل رسمياً في حسابات الأمن الأطلسي.
أولاً: أنقرة، لا بروكسل، هي عاصمة القرار المقبل
ثمة مفارقة تستحق التأمل: بينما ظلت بروكسل لعقود المقر الرمزي لصناعة القرار الأطلسي، يبدو أن مركز الثقل الفعلي ينتقل تدريجياً نحو أنقرة. تركيا التي نجحت في الحفاظ على قناتين مفتوحتين في آن واحد، دعم عسكري لكييف عبر المسيّرات، وامتناع عن العقوبات على موسكو، تحصد اليوم ثمار هذا التموضع البراغماتي الفريد.
المرجّح أن تستثمر أنقرة القمة لتثبيت نفسها كـ “الوسيط الذي لا غنى عنه” بين ثلاثة أقطاب متنافرة: واشنطن التي تريد تقليص التزاماتها الأوروبية المباشرة، وموسكو التي تبحث عن مخرج مشرّف من حرب استنزفتها لأكثر من أربع سنوات، وأوروبا التي تخشى أن يتحول “السلام” إلى تنازل عن أمنها الاستراتيجي. ومن المتوقع أن تدفع تركيا، عبر توسيع “مبادرة إسطنبول للتعاون” مع دول الخليج، نحو صياغة مظلة أمنية هجينة تربط الجناح الجنوبي للناتو بأمن الخليج العربي، وهو تحوّل من شأنه أن يمنح أنقرة نفوذاً يتجاوز حجمها التقليدي داخل الحلف، ويجعلها بوابة العبور الإلزامية لأي تفاهم أمني يشمل الشرق الأوسط.
ثانياً: أوكرانيا، من وقف إطلاق النار إلى التجميد الاستراتيجي
كل المؤشرات تصب في اتجاه واحد: لم تعد واشنطن وموسكو تبحثان عن نصر حاسم، بل عن صيغة “تجميد مُدار” للصراع تحفظ ماء الوجه للطرفين. مواصلة ويتكوف وكوشنر مهمتهما التفاوضية، إلى جانب حديث ترامب المتكرر عن “إنهاء سريع للأعمال العدائية”، يوحيان بأن واشنطن تتجه لصياغة تسوية تقوم على تثبيت خطوط التماس الحالية بدلاً من استعادة الأراضي.
الأفق الاستشرافي هنا واضح: قمة أنقرة قد لا تُنتج اتفاقاً نهائياً، لكنها ستمنح على الأرجح غطاءً سياسياً لمسار تفاوضي متسارع خلال الأشهر المقبلة، وهو مسار يتجاوز فكرة الهدنة المؤقتة، وتحليلياً يمكن مقاربته بما يشبه “النموذج الكوري”، وإن لم يُصرّح أي طرف رسمي بهذا الإطار حتى الآن، القائم على معادلة (الوضع الراهن المُحدّث)؛ حيث يُرجَّح أن يُدفع الحلفاء الأوروبيون للتركيز على تقديم ضمانات أمنية صارمة لما تبقى من الجغرافيا الأوكرانية، بدلاً من استنزاف الموارد في معارك استعادة القرم ودونيتسك، وهو الطرح الجيوسياسي الذي يتقاطع تماماً مع مقاربة ترامب الواقعية لإنهاء الصراع.
هذا التحوّل من شأنه أن يحول أوروبا من “طرف في القرار” إلى “طرف يُبلَّغ بالنتائج”، وهو ما قد يعيد فتح جروح الثقة الأطلسية-الأوروبية بقدر ما يُغلق جراح الميدان الأوكراني
ثالثاً: سوريا، من ساحة تنافس إلى مختبر تفاهم القوى الكبرى
سوريا اليوم ليست ساحة صراع بالوكالة كما كانت، بل تتحول إلى نموذج مصغّر لكيفية إدارة القوى الكبرى نفوذها دون تصادم مباشر. اندماج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية برعاية دمشق يمنح الرئيس أحمد الشرع فرصة تاريخية لإعادة توحيد البلاد، لكنه يمنح في الوقت ذاته تركيا وروسيا وواشنطن مساحة لإعادة توزيع مناطق النفوذ دون أن تصطدم مصالحها علناً.
المتوقع أن يشهد الشرق السوري والشمال الشرقي، خلال الأشهر التالية للقمة، تثبيتاً تدريجياً لخطوط اشتباك غير معلنة بين القوات التركية والوجود الروسي المتبقي في قواعده الساحلية، بينما تنكفئ واشنطن أكثر نحو دور “الضامن عن بُعد” لا “اللاعب الميداني المباشر” وهو مسار يمنح دمشق هامش مناورة أوسع لإعادة بناء سيادتها، شريطة ألا تتجاوز خطوطاً حمراء غير مكتوبة يرسمها الفاعلون الخارجيون.
رابعاً: إيران بعد خامنئي، لحظة إعادة تموضع لا تحتمل التأجيل
رحيل المرشد الإيراني يتزامن مع لحظة إقليمية بالغة الحساسية، إذ تجد طهران نفسها لأول مرة منذ عقود في موقع “المتلقي” لا “الفاعل” في صياغة قواعد اللعبة الإقليمية. إشارة الكرملين إلى مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية القائمة، ورغبة موسكو المعلنة في المساهمة بحلول طويلة الأمد، تشيان بأن واشنطن وموسكو تتجهان لصياغة تفاهم يحيّد إيران عن ملفات الاشتعال الإقليمية (لبنان، العراق، البحر الأحمر) دون الدخول في مواجهة مباشرة معها.
يُرجَّح أن تشهد الأشهر المقبلة إعادة تعريف لدور المحور الإيراني في المنطقة: من قوة ردع إقليمية فاعلة إلى طرف قد يجد نفسه أقرب إلى موقع “المُدار خارجياً” ضمن هندسة أمنية جديدة تشرف عليها واشنطن وموسكو معاً، وهو مسار مرهون بمآلات الصراع الداخلي على خلافة القيادة أكثر منه قدراً محتوماً، بينما تحاول طهران الداخلية، المنشغلة بترتيب خلافتها القيادية، كسب الوقت أكثر من كسب النفوذ.
خامساً: الخليج يدخل معادلة الأمن الأطلسي رسمياً
ربما يكون هذا هو التحول الأكثر أهمية على المدى البعيد: تحوّل الخليج العربي من “منطقة نفوذ تقليدية لواشنطن” إلى “شريك أمني شبه أطلسي” عبر توسيع مبادرة إسطنبول للتعاون.
هذا المسار، إن تعمّق فعلياً بعد قمة أنقرة، سيمنح دول الخليج غطاءً أمنياً هجيناً يقلل اعتمادها الحصري على الضمانة الأمريكية التقليدية، وهو غطاء لا يعني ذوباناً في الهيكل الأطلسي أو بحثاً عن بديل كامل للتحالفات التقليدية، بل يمثل وفق قراءتنا التحليلية لمنطق الحسابات الخليجية أكثر من كونه موقفاً معلناً، أداة لـ “التنويع الأمني البراغماتي” لـ الرياض وأبوظبي؛ تهدف للاستفادة من التكنولوجيا الدفاعية التركية والأطلسية المتقدمة، مع الحفاظ الدقيق على توازناتها الكبرى مع بكين، الشريك الاقتصادي الأضخم وموسكو، مما يمنحها في المقابل هامش مناورة أكبر تجاه ملفات إيران والملاحة في مضيق هرمز، ضمن شبكة تحالفات أوسع تشمل تركيا والناتو مجتمعين.
خلاصة استشرافية: عالم ما بعد قمة انقره
إذا صحّت هذه المسارات، فإن العالم الذي سيخرج من قمة أنقرة لن يكون عالماً “ثنائي القطبية” التقليدي بين واشنطن وموسكو، بل نظاماً إقليمياً متعدد المستويات: قوى كبرى تدير خلافاتها عبر تفاهمات هادئة بدل المواجهة المباشرة، وقوى إقليمية صاعدة، تركيا في المقدمة، تحوّل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي يفوق حجمها الفعلي، ودول إقليمية أخرى (سوريا، إيران، دول الخليج) تعيد تعريف أدوارها بين الانكفاء الحذر والانخراط المشروط.
قمة أنقرة، إذن، ليست سوى الواجهة المرئية لمخاض أعمق: تشكّل نظام إقليمي جديد، تُكتب تفاصيله فعلياً في الغرف المغلقة، بينما تبقى القاعات الرسمية مساحة للإعلان لا للقرار.


