مجزرة تدمر 1980: قتلوا الأجساد وأيقظوا التاريخ
28/06/2026
حين تتحول الحرب إلى مختبر استراتيجي
30/06/2026
مجزرة تدمر 1980: قتلوا الأجساد وأيقظوا التاريخ
28/06/2026
حين تتحول الحرب إلى مختبر استراتيجي
30/06/2026
مشاهدة الكل

سوريا بين الخارج والداخل، حدود الدبلوماسية في بناء الدولة

سوريا بين الخارج والداخل

حدود الدبلوماسية في بناء الدولة

إعداد: محمد صادق | 28 يونيو 2026

أكثر من نصف قرن من الاستبداد. ثلاثة عشر عاماً من الحرب. تسعون بالمئة من الشعب تحت خط الفقر، ثم في يوم واحد من ديسمبر 2024، بدأت سوريا من جديد.

ليس لأن الجراح اندملت. بل لأن اليد التي كانت تُعمّقها كل يوم، رُفعت أخيراً.

أولاً: المشهد الأول – ماذا ورثت سوريا؟

في الثامن من ديسمبر 2024، لم تسقط مجرد حكومة، سقط نظام أمضى عقوداً في تحويل الدولة إلى أداة قمع وثروة خاصة.

الميراث كان مذهلاً في قسوته: نسبة فقر تجاوزت 90%، بنية تحتية شبه معدومة، ملايين المهجرين داخلياً وخارجياً، وآلاف المختفين في غياهب السجون. لكن الأخطر من كل ذلك كان الفراغ المؤسسي، دولة بلا مؤسسات حقيقية، وجيش بلا عقيدة وطنية، واقتصاد بلا نظام.

السؤال الاستراتيجي الحقيقي لم يكن: “هل ستنجح سوريا؟” السؤال كان: “من أين تبدأ وهي تحمل كل هذا الثقل؟”

ثانياً: الداخل – كيف تبني دولة من الصفر؟

المرحلة الأصعب: منع الفراغ

أول اختبار للقيادة الانتقالية لم يكن سياسياً، كان إدارياً بامتياز. كيف تمنع انهيار الخدمات وسط فوضى الانتقال؟

مرّت الإدارة السورية بثلاث مراحل متسارعة:

مرحلة الإسعاف (ديسمبر 2024 – يناير 2025): حماية المرافق العامة وضمان استمرار الخدمات الأساسية. لا خطط كبرى، فقط منع الانهيار الكامل.

مرحلة التأسيس (يناير – مارس 2025): حكومة محمد البشير الأولى، أرست الوجود التنظيمي وهيأت البيئة لانتقال منظم.

الحكومة الانتقالية الرسمية (29 مارس 2025): 23 حقيبة وزارية بيد تكنوقراط سوريين بخلفيات أكاديمية دولية، مع تمثيل للأقليات وحضور فاعل للمرأة، ومنهم الدكتورة هند قبوات. رسالة واضحة للعالم: النموذج السوري الجديد مختلف.

الإعلان الدستوري: قرار جريء في وقت صعب

في 13 مارس 2025، أصدر الرئيس أحمد الشرع إعلاناً دستورياً حدّد ملامح نظام رئاسي لمرحلة انتقالية تمتد خمس سنوات. القرار استقطب نقاشاً سياسياً واسعاً، وهذا صحي في دولة ديمقراطية ناشئة.

المنتقدون قالوا: تركيز السلطة خطر. المؤيدون ردّوا: الحسم ضرورة في مرحلة البناء الأولى. كلا الرأيين مشروع، والنقاش نفسه دليل عافية سياسية.

ما أزاح كثيراً من الجدل هو التحرك السريع نحو الشرعية الانتخابية: برلمان انتخابي في أكتوبر 2025 كحجر أساس للتعددية الديمقراطية.

الملف الأمني: المعركة الأصعب

لا دولة بلا احتكار للقوة. هذه حقيقة سياسية صارمة.

نجحت وزارة الدفاع في دمج فصائل الثورة، بما فيها الجيش الوطني ضمن هيكل الجيش السوري النظامي بنهاية 2024. وفي مارس 2025، توصلت الدولة مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إلى اتفاق لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية.

لكن الواقع أعقد من الاتفاقيات: ملف الشمال الشرقي (27.8% من الأراضي تحت إدارة قسد) لا يزال يسير ببطء تمليه توازنات إقليمية معقدة. هذا ليس فشلاً، هذا طبيعة الأزمات المركّبة. لكنه تحدٍّ حقيقي يستدعي صبراً استراتيجياً لا تسرعاً.

في الجنوب، جاء اتفاق السويداء (سبتمبر 2025) برعاية أردنية-تركية-أمريكية ليغلق باباً كان مفتوحاً للاستغلال الخارجي.

وعلى الجبهة الإسرائيلية، تواصل الدولة التصدي دبلوماسياً وميدانياً للخروقات المتكررة لاتفاق فض الاشتباك 1974، معتمدة على صلابة الموقف والدعم الإقليمي والدولي المتنامي.

العدالة الانتقالية: إنصاف المظلومين

بموجب مرسوم رئاسي في مايو 2025، تأسست هيئتا العدالة الانتقالية والمغيّبين والمفقودين قسراً. الهدف: كشف مصير المعتقلين، وإنصاف الضحايا، وبناء قضاء مستقل يحمي الكرامة ويردع الاستبداد.

هذه ليست رفاهية، هي شرط لوحدة وطنية حقيقية ومستدامة.

الاقتصاد: أرقام تستحق التأمل

التقديرات الرسمية تضع حجم الاحتياجات الإعمارية بين 250 و400 مليار دولار. الرقم هائل، لكن ما تحقق يدعو للتفاؤل الحذر:

  • ساعات الكهرباء ارتفعت من 4 إلى 10 ساعات يومياً
  • نشاط مرفأَي طرطوس واللاذقية عاد إلى العمل
  • تعهدات استثمارية بـ 28 مليار دولار في أول 7 أشهر، تحوّل منها 14 ملياراً إلى عقود ومشاريع فعلية قيد التنفيذ
  • مساعٍ جادة لإطلاق عملة وطنية جديدة لتثبيت القيمة الشرائية

ملاحظة تحليلية: الفجوة بين 28 و14 مليار طبيعية في أي مرحلة انتقالية — تعهدات الاستثمار تسبق التنفيذ دائماً. المهم أن التنفيذ بدأ فعلاً.

ثالثاً: الخارج – كيف كسرت سوريا الحصار في أسابيع؟

الانفراج الدبلوماسي: توقيت كاد يكون معجزة

في الثامن والعشرين من ديسمبر 2024، أي بعد أسبوعين من التغيير، كانت دمشق تستقبل أول دبلوماسيين أمريكيين منذ عقد. ليس استقبالاً رسمياً فحسب، بل إلغاء للمكافأة المالية المرصودة ضد الرئيس أحمد الشرع. رسالة سياسية واضحة: واشنطن تعترف بالشرعية الجديدة.

في يناير 2025: وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا في دمشق. أول زيارة أوروبية رفيعة منذ سنوات. في الشهر ذاته: نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف يُقرّ رسمياً باحترام السيادة السورية.

الرسالة الاستراتيجية: القيادة الجديدة لم تختر محوراً على حساب آخر — فتحت أبوابها للجميع في آنٍ واحد.

القمم الكبرى: عودة سوريا إلى طاولة القرار

باريس 7 مايو 2025: لقاء الشرع-ماكرون. ليس مجرد صورة دبلوماسية، هو إعلان رسمي بأن سوريا عادت إلى المعادلة الأورومتوسطية.

الرياض 14 مايو 2025: اللقاء الأهم. الشرع وترامب وجهاً لوجه، بحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، “والرئيس أردوغان افتراضيا”. القمة السورية-الأمريكية الأولى منذ عام 2000. والنتيجة: الرفع الشامل للعقوبات الاقتصادية.

هذه اللحظة تستحق توقفاً: عقوبات صُمِّمت لخنق اقتصاد بأكمله، رُفعت بقرار رئاسي أمريكي. هذا لم يحدث لأن أحداً أحسن نية فجأة، حدث لأن الدبلوماسية السورية قدّمت حجة لا تُرفض.

كسر الحصار المالي: التفاصيل التي تغيّر الحياة

الانفتاح الدبلوماسي ترجم إلى خطوات ملموسة تمسّ حياة المواطن السوري مباشرة:

يناير 2025 — الإعفاء الإنساني المؤقت: فتح الطريق أمام تدفق المساعدات والأدوية والمواد الغذائية الطارئة.

1 يوليو 2025 — إسقاط قانون قيصر: الدخول الأمريكي حيز التنفيذ، مع تخفيف بريطاني وأوروبي موازٍ. السوق السورية تُفتح قانونياً أمام العالم للمرة الأولى منذ سنوات.

إعادة الاندماج في SWIFT: سوريا تعود إلى نظام التحويلات المالية الدولية، وتستأنف علاقاتها مع صندوق النقد والبنك الدوليين. المال الأجنبي يستطيع أن يصل — وهذا يغيّر كل شيء.

رابعاً: القراءة الاستراتيجية – ما الذي يحدث فعلاً؟

ما تحقق ليس صدفة

الانجازات الدبلوماسية لم تأتِ لأن العالم قرر أن يكون لطيفاً مع سوريا. جاءت لأن القيادة الانتقالية أرسلت ثلاث رسائل متزامنة:

  • رسالة الانفتاح: لا محاور حصرية، والجميع مرحب به
  • رسالة النضج المؤسسي: حكومة تكنوقراط وتعددية وإعلان دستوري
  • رسالة الواقعية: لا أيديولوجيا صادرة، فقط مصالح مشتركة

التحديات الحقيقية لا تختفي بالتجاهل

ثمة تحديات لا تزال قائمة ويجب ذكرها بوضوح:

  • الشمال الشرقي لا يزال خارج السيطرة الكاملة، والحل مرتبط بتوازنات أمريكية-كردية-تركية شديدة التعقيد
  • الاستثمار الأجنبي يحتاج بيئة تشريعية وقضائية مستقرة — وهذا يأخذ وقتاً
  • ظاهرة فرط الامتثال لدى المصارف الدولية تعني أن رفع العقوبات وحده لا يفتح خطوط ائتمان في اليوم التالي
  • إعادة الإعمار الشاملة تحتاج موارد تتجاوز ما يمكن تأمينه من استثمارات خاصة وحدها

هذه ليست أسباباً للإحباط، هي خارطة العمل للمرحلة القادمة.

لماذا يستحق هذا التفاؤل الحذر؟

لأن الاتجاه العام إيجابي ومتصاعد. كل شهر يمر يُضيف شرعية، وكل استثمار يدخل يُقنّع العائد، وكل مؤسسة تتشكل تُصعّب التراجع.

سوريا لم تتحوّل من دولة منهكة إلى نموذج ناجح في 18 شهراً، لكنها أثبتت أنها تسير في الاتجاه الصحيح، بخطى قابلة للقياس والتحقق.

خلاصة: ما الذي يقوله التاريخ؟

دول خرجت من حروب أشد تدميراً، ألمانيا، كوريا الجنوبية، رواندا احتاجت عقوداً لتُعيد بناء نفسها. ما أنجزته سوريا في 18 شهراً من كسر العزلة وبناء المؤسسات واستقطاب الاستثمار هو، بمعايير علم السياسة المقارن، أداء لافت.

الشعب السوري دفع ثمناً لا يُحتمل على مدى سنوات. الحد الأدنى الذي يستحقه هو دولة تُحسن إدارة ما تبقى، وتفتح الأفق لمن يريد البقاء والبناء.

الأدلة حتى اليوم تقول: هذا ما يحدث بالفعل.

المصادر والمراجع

  • `org/en/country/syria`
  • `org/en/news/articles/2026/02/25/pr26062-syria`
  • `org/sites/g/files/zskgke326/files/2025-02/undp-sy-seia-final`
  • `gov/presidential-actions/2025/06/providing-for-the-revocation-of-syria-sanctions`
  • `gov/syria-sanctions`

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443