آفاق العلاقات السورية-الأمريكية
22/06/2026
سوريا بين الخارج والداخل، حدود الدبلوماسية في بناء الدولة
28/06/2026
آفاق العلاقات السورية-الأمريكية
22/06/2026
سوريا بين الخارج والداخل، حدود الدبلوماسية في بناء الدولة
28/06/2026
مشاهدة الكل

مجزرة تدمر 1980: قتلوا الأجساد وأيقظوا التاريخ

مجزرة تدمر 1980: قتلوا الأجساد وأيقظوا التاريخ

م. محمد صادق شيخ ديب

27.06.2026

مقدمة

في فجر 27 حزيران/يونيو 1980، اقتحمت وحدات من سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد السجن العسكري في تدمر، ونفّذت واحدة من أبشع المجازر الجماعية في التاريخ السوري الحديث. قُتل في تلك الساعات السوداء 1100 معتقل، في مشهدٍ لم يكن مجرد قتلٍ جماعي، بل إعلانًا صريحًا بأن الإنسان يمكن أن يُمحى داخل أسوار السجن بلا محاكمة، وبلا شاهد، وبلا قبر.

يروي خالد العقلة، أحد الناجين من سجن تدمر، أن صباح المجزرة بدأ بإطلاق نار كثيف واقتحام المهاجع، حيث قُتل عدد كبير من المعتقلين وهم عُزّل. ويصف المشاهد بأنها كانت مروّعة، إذ امتلأت الزنازين بالقتلى والجرحى، بينما عاش الناجون ساعاتٍ من الرعب والترقب، مؤكدًا أن آثار تلك اللحظة بقيت محفورة في ذاكرة من نجا منها طوال حياته.

جاءت الجريمة في اليوم التالي لمحاولة اغتيال حافظ الأسد، غير أن الردّ لم يتجه إلى الفاعلين، بل انصبّ على معتقلين عُزّل لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في قبضة نظامٍ قرّر أن يجعل من السجن أداةً للانتقام السياسي. وهكذا تحوّل تدمر إلى رمزٍ للبطش المنظّم، وإلى شاهدٍ مرعب على قدرة الاستبداد في تحويل مكانٍ أُعدّ للحبس إلى مقبرة جماعية.

سجنٌ بُني للرعب

لم تكن تدمر سجنًا عاديًا قبل المجزرة، بل كانت من أكثر مرافق الاحتجاز في سورية وحشيةً وسوءًا. ارتبط اسمها بالتعذيب والإذلال والتنكيل المنهجي بالمعتقلين، وقد أدانتها منظمات حقوقية كالعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش مرارًا، بسبب ظروفها القاسية وما اشتُهرت به من انتهاكات ممنهجة.

في هذا السياق، لم تكن المجزرة انحرافًا طارئًا عن وظيفة السجن، بل كانت ذروتها الأكثر فجاجة. فالسجن الذي صُمّم لإخضاع الأجساد والعقول انتهى إلى فضح الوجه الحقيقي للنظام الذي يديره: نظامٌ لا يرى في المواطن إلا جسدًا قابلاً للكسر، ولا في الخصم إلا هدفًا للإبادة.

الضحايا: أسماء لا أرقام

لم يكن الذين قُتلوا في تدمر مجرد أرقامٍ في تقرير، بل كانوا بشرًا من لحمٍ وذاكرةٍ وأحلام. ضمّت الزنازين معارضين سياسيين، ومثقفين، وطلابًا، وعمالًا، وأشخاصًا أُخذوا بالشبهة أو الوشاية أو القرابة، ما يجعل الجريمة اعتداءً على المجتمع السوري في مجمله لا على فئةٍ معزولة منه.

والأشد قسوةً من القتل نفسه كان محو أثره. تُركت العائلات سنواتٍ طويلة دون معرفة مصير أبنائها، ولم تُسلَّم الجثامين، ولم يُكشف مكان الدفن. فصار الألم مضاعفًا: ألم الفقد، وألم الإنكار، وألم العجز أمام سلطةٍ أرادت أن تقتل الإنسان ثم تُخفي قصته معه.

صمتٌ لا يُنهي الجريمة

لم يُحاسَب أحد على ما جرى في تدمر، ولم تتحوّل الجريمة إلى مساءلة حقيقية، بل أُحيطت بالصمت الرسمي سنواتٍ طويلة. وهذا الإفلات من العقاب لم يكن مجرد نقصٍ في المنظومة القانونية، بل كان رسالةً سياسية فاضحة: أن القتل ممكن، وأن الجلاد محمي، وأن الدم السوري يمكن أن يُهرق ثم يُدفن معه الخبر.

بيد أن الصمت لا يمحو الجرائم الكبرى، بل يختزنها في أعماق الوعي الجمعي حتى تتحول إلى ذاكرةٍ ثقيلة لا تنطفئ. وهكذا بقيت تدمر جرحًا مفتوحًا في الوعي السوري، وصار اسمها اختصارًا لعقودٍ من الخوف والقهر والمهانة المتراكمة.

جمرٌ تحت الرماد

لم تنتهِ تدمر عند لحظة القتل، بل بدأت بعدها حياةً موازية في وجدان السوريين، بوصفها شاهدًا راسخًا أن الاستبداد حين يحاول سحق الكرامة يُذكي في الخفاء نار الرفض. وعندما اندلعت الثورة السورية، لم تكن منفصلةً عن هذا التاريخ الثقيل؛ كانت في عمقها احتجاجًا على تراكمٍ طويل من الدم والمهانة والصمت، وامتدادًا لذاكرةٍ لم تنكسر رغم كل ما بذله النظام لطمسها.

كان كل صوتٍ يطالب بالحرية صدىً متأخرًا لأرواحٍ سُحقت في تدمر، وكل هتافٍ للكرامة إقرارًا بأن تلك الدماء لم تُنسَ ولم تُغفر.

في الختام

تبقى مجزرة تدمر واحدةً من أكثر الصفحات وحشيةً في تاريخ سورية، لأن النظام لم يكتفِ بالقتل، بل أراد أن يمحو الإنسان من الوجود كليًا: جسدًا وذاكرةً وقصة. غير أن المحو لم يتم؛ فقد تحوّل ما أُريد له أن يكون قبرًا إلى ذاكرة حيّة تطارد الجلادين.

واليوم، حين يُطرح سؤال المحاسبة على الجرائم السورية، تقف تدمر في مقدمة الملفات المطالِبة بالعدالة، لا لأن أصحابها ينتظرون الانتقام، بل لأن العدالة شرطٌ لا غنى عنه لأي مستقبلٍ لا يُعيد إنتاج الماضي.

وتُصنَّف مجزرة تدمر، وفق القانون الدولي، ضمن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ويرى كثير من الحقوقيين أنها قد تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أنها كانت جزءًا من سياسة واسعة أو منهجية ضد المدنيين أو المعتقلين، وإن ظلّ التوصيف النهائي رهينًا بالجهات القضائية المختصة. ومن هنا لا بدّ من:

بقاء المطالبة بالحقيقة والعدالة جزءًا من أي مشروع للمصالحة الوطنية.

التأكيد أن العدالة لا تعني الانتقام، وإنما منع تكرار مثل هذه الجرائم.

دماء مجزرة تدمر كانت وقودا للثورة على الطاغية، لقد قتلوا الأجساد، لكنهم أيقظوا تاريخًا لن ينام.

المراجع

  1. Amnesty International, “Syria: Torture, Despair and Dehumanization in Tadmur Military Prison”, 1996.
  2. Human Rights Watch, “Syria Unmasked: The Suppression of Human Rights by the Asad Regime”, 1991.
  3. منظمة القسط — شهادات ناجين من سجن تدمر، أرشيف موثّق.
  4. مصطفى خليفة، “القوقعة: يوميات متلصص”، دار الآداب، بيروت، 2008.
  5. Patrick Seale, “Asad of Syria: The Struggle for the Middle East”, University of California Press, 1988.
  6. المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان — تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية، 2011 وما بعدها.
  7. مركز توثيق الانتهاكات في سورية (VDC) — أرشيف شهادات المعتقلين والناجين.
  8. العقلة، خالد. مقابلة مع ناجٍ من سجن تدمر، تلفزيون سوريا (Syria TV)،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443