
سوريا بين مطرقة واشنطن وسندان طهران
20/06/2026
مجزرة تدمر 1980: قتلوا الأجساد وأيقظوا التاريخ
28/06/2026آفاق العلاقات السورية-الأمريكية
محددات واشنطن وهوامش المناورة لدمشق في العهد الجديد
م. محمد صادق شيخ ديب
22 يونيو 2026
لا تزال الملفات الكبرى في السياسة الأمريكية تجاه سوريا رهينة توازنات هشة، غير أن ثمة تحولاً براغماتياً يتشكّل في دهاليز واشنطن. تُشير تقارير صحيفة وول ستريت جورنال في يناير وفبراير 2026 إلى قنوات اتصال سرية بين الطرفين، تعكس انتقالاً من خطاب “تغيير النظام” الذي هيمن على عقدين نحو مقاربة جديدة يمكن تسميتها “الواقعية المشروطة بتبادل المصالح”. هذه الورقة تحاول قراءة هذا التحول، وفهم ما يعنيه فعلاً على أرض الواقع لدمشق.
أولاً: ما تريده واشنطن فعلاً
باتت الإدارة الأمريكية تتعامل مع الدولة السورية باعتبارها واقعاً جيوسياسياً لا يُلغى، لا مشروعاً قابلاً للإسقاط. هذا الاعتراف العملي مشروط بهدف استراتيجي واحد لا تحيد عنه واشنطن: قطع “الجسر البري” الذي يربط طهران ببيروت عبر الأراضي السورية، وتفكيك البنية اللوجستية التي يستند إليها هذا الممر.
في المقابل، تستخدم الإدارة الأمريكية ورقتين تفاوضيتين رئيسيتين: إعادة الشرعية الدبلوماسية عبر فتح قنوات تواصل مباشرة، واستثناءات من قانون قيصر في قطاعات الطاقة والتجارة الإقليمية. ليست هذه هدايا مجانية؛ إنها حوافز مُصمَّمة لدفع دمشق نحو “النأي بالنفس” عن محاورها الإقليمية التقليدية. السؤال الحقيقي الذي تطرحه واشنطن ليس “هل تقبلون؟” بل “كم ستدفعون ثمن القبول؟”
ثانياً: المعضلة السورية — أربعة قيود متشابكة
تجلس دمشق على تقاطع أربعة ضغوط لا يسهل التوفيق بينها في آنٍ واحد:
القيد الدولي: إعادة الإعمار تحتاج رفع العقوبات، ورفع العقوبات يحتاج ضمانات أمنية للغرب. هذا المسار المنطقي يستوجب التزامات علنية قابلة للقياس، وهو ما يعني تقليص هامش المناورة الدبلوماسية.
القيد الداخلي: الاستقرار الراهن في سوريا ليس بنية دولة مكتملة، بل شبكة توازنات هشة تشمل فصائل مسلحة وتفاهمات محلية ذات مرجعيات متضاربة. أي كسر مفاجئ لهذه التوازنات إرضاءً لمطالب خارجية قد يُفضي إلى جبهات داخلية جديدة قبل أن تنضج البدائل.
القيد البنيوي: يصعب في هذه المرحلة تجاهل الغياب الروسي كمتغير فاعل. أسهمت روسيا تاريخياً في صياغة التوازنات الميدانية، وأي تحرك دبلوماسي نحو واشنطن دون معادلة واضحة مع موسكو قد يُفرز فراغاً أو احتكاكاً غير محسوب.
ملف شرق الفرات: يُمثّل الوجود العسكري الأمريكي شرق الفرات ودعمه لـ “قسد” التحدي الأكثر حساسية في كواليس التفاوض؛ فبينما تتمسك دمشق ببسط سيادتها الكاملة على منابع النفط والقمح، تراوغ واشنطن بالورقة الكردية كأداة ضغط مستدامة. التنازل لدمشق هنا مشروط أمريكياً بضمانات أمنية لشركائها المحليين، وهو ما يتقاطع مع فيتو تركي موازٍ، ليتحول ملف “الإدارة الذاتية” من قضية محلية إلى “قفل ومفتاح” المقايضة الإقليمية الكبرى.
ثالثاً: الشبكة الإقليمية — ميسّرون أم ضامنون؟
لم يعد الملف السوري-الأمريكي ثنائياً، بل أصبح ساحة تتشابك فيها أدوار إقليمية متعددة. الإمارات والسعودية تُقدّمان الدعم المالي والسياسي وتشجعان واشنطن على قبول التمدد الدبلوماسي العربي.
قطر تلعب دور القناة المرنة لتبادل الرسائل الحساسة.
تركيا توفر ضمانات ميدانية للحدود الشمالية ضمن تفاهمات تشمل الملف الكردي والمجموعات المسلحة العابرة للحدود.
أما المتغير الإسرائيلي فهو الأكثر تأثيراً على الموقف الأمريكي، وإن ظل غير معلَن. تربط واشنطن في نهاية المطاف أي تقدم دبلوماسي فعلي بمدى قدرة دمشق على ضبط نشاط الفصائل جنوباً وضمان أمن الحدود. هذا يجعل الملف الأمني الإسرائيلي بمثابة “الفيتو الصامت” في أي معادلة تطبيع.
رابعاً: سيناريوهات المسار — ليس كل شيء سيسير على ما يُرام
ثمة ثلاث مسارات محتملة، ولا ينبغي الرهان على واحد منها فحسب:
مسار التقدم التدريجي: تتحقق صفقات جزئية في الطاقة مقابل التزامات حدودية، تتراكم لتُنتج تطبيعاً تدريجياً. هذا الأكثر واقعيةً على المدى المتوسط.
مسار الانهيار التفاوضي: تصاعد المطالب الأمنية الأمريكية فوق ما يمكن لدمشق تقديمه داخلياً، مما يُعيد العلاقة إلى نقطة الصفر أو يُشعل توترات داخلية.
مسار التجميد المُدار: تحافظ الأطراف على قنوات الاتصال دون تقدم حقيقي، في انتظار متغيرات إقليمية أو أمريكية داخلية تُحرك الملف.
خلاصة: نافذة حقيقية لكنها ضيقة
التحول الأمريكي الراهن نافذة فرصة حقيقية، لا هدية مجانية. استثمارها يستوجب استراتيجية واضحة قائمة على مبدأ التزامن الصارم: لا تنازل أمني دون مكسب اقتصادي موثق. ويمكن تلخيص المعادلة التفاوضية على النحو التالي:
[ضبط حدودي + تعهدات أمنية] ⇔ [إعفاءات طاقة + استثمار عربي موثق]
غير أن ثمة ملفاً يبقى غائباً عن هذا الحساب البارد: المعتقلون والمهجّرون. أي تطبيع يتجاهل هذا الملف سيواجه جداراً من المقاومة في الكونغرس الأمريكي والرأي العام الغربي، وسيظل هشاً حتى لو أُنجز دبلوماسياً. المعادلة الاقتصادية-الأمنية ضرورية لكنها غير كافية وحدها لإنتاج استقرار مستدام.
الرهان الأذكى لدمشق هو تحويل هذه الفرصة من مجرد “تهدئة مشروطة” إلى شراكة تُعيد دمج سوريا في النظام الإقليمي بشروط تُصون السيادة وتُنهي العقوبات وتفتح باب الإعمار — قبل أن تنغلق النافذة بتحولات إدارية أو إقليمية قادمة.
في الختام: دمشق أمام خيار لا ثالث له — إما أن تُحوّل هذه اللحظة إلى عقد سياسي واقتصادي مُلزِم، وإما أن تجد نفسها بعد عامين أمام عقوبات أشد وعزلة أعمق وأوراق ضغط أقل.


