سوريا: نقطة الارتكاز الحاسمة في معادلات الشرق الأوسط والأمن الدولي
23/04/2026
الشرق الأوسط على حافة الانفجار المعادلة الثلاثية بين التصعيد والحشد والاحتواء
29/04/2026
سوريا: نقطة الارتكاز الحاسمة في معادلات الشرق الأوسط والأمن الدولي
23/04/2026
الشرق الأوسط على حافة الانفجار المعادلة الثلاثية بين التصعيد والحشد والاحتواء
29/04/2026

سوريا على رقعة المصالح الكبرى

التحول في العلاقات الأوروبية الروسية ودور دمشق الجديد

م. محمد صادق شيخ ديب

27.04.2026

أولاً: أوروبا وروسيا، الطلاق الاستراتيجي وأثره على الشرق الأوسط

منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، دخلت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وموسكو مرحلة قطيعة استراتيجية شبه كاملة؛ انهار معها نموذج الاعتماد المتبادل على الطاقة الذي أمّن لروسيا نفوذاً واسعاً في القارة العجوز لعقود. وقد كشف هذا الطلاق الاستراتيجي عن هشاشة بنيوية في أمن الطاقة الأوروبي، ودفع بروكسل للبحث المحموم عن بدائل موثوقة تمتد من النرويج وصولاً إلى حوض المتوسط والخليج العربي.

في هذا السياق، لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة أزمات تستنزف الدبلوماسية الأوروبية، بل تحوّل إلى ساحة فرص جيوسياسية لا تُعوَّض. فالممرات التجارية والبنية التحتية للطاقة التي تمر عبر بلاد الشام باتت جزءاً لا يتجزأ من الحسابات الأمنية الأوروبية الكبرى.

ثانياً: الاتحاد الأوروبي ومسار سوريا، من العقوبات إلى الشراكة

الموقف من نظام الأسد

ظل الاتحاد الأوروبي على مدار أكثر من عقد في طليعة المعارضين لنظام بشار الأسد؛ فرض حزماً متتالية من العقوبات، ودعم المعارضة سياسياً، واستضاف ملايين اللاجئين السوريين على أراضيه. غير أن هذا الموقف انطوى دائماً على تناقض صارخ: فأوروبا التي دانت النظام لم تمتلك أدوات حقيقية لإسقاطه، فيما أسهمت التدخلات الروسية والإيرانية في رسم ميزان قوى عسكري ميّال لصالحه.

الموقف من حكومة أحمد الشرع

أفرز سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 فرصة تاريخية لإعادة ضبط البوصلة الأوروبية تجاه دمشق. وقد تعاملت أوروبا مع المرحلة الانتقالية الجديدة بحذر مدروس: رفعت بعض العقوبات الاقتصادية تدريجياً، وانخرطت في حوار دبلوماسي حذر مع قيادة الشرع، مع الإبقاء على ربط المسار بشروط الحوكمة وصون حقوق الأقليات والمسار السياسي الشامل. ويُعدّ قرار انعقاد الحوار السياسي السوري-الأوروبي رفيع المستوى في بروكسل في مايو 2026 مؤشراً دالاً على تحوّل نوعي في هذه العلاقة.

ثالثاً: سوريا في قلب معادلة الطاقة والممرات الاستراتيجية

تقع سوريا في تقاطع نادر بين ثلاث دوائر جيوسياسية متشابكة: الشرق الأوسط وحوضه النفطي، ومنطقة البحر المتوسط بوصفها بحيرة أوروبية-عربية مشتركة، وآسيا الوسطى التي تبحث عن منافذ غربية. ومبادرة “البحار الأربعة وممراتها التسعة” التي أعلنها الشرع ليست مجرد مشروع بنية تحتية؛ إنها رسالة جيوسياسية مفادها أن سوريا الجديدة تريد أن تكون شريكاً، لا ساحة حرب.

يُضاف إلى ذلك أن التحذير من إغلاق مضيق هرمز يستدعي وجود بديل موثوق لإمدادات الطاقة عبر الممر السوري-المتوسطي، مما يجعل استقرار سوريا شرطاً وظيفياً لأمن الطاقة الأوروبي، لا مجرد استحقاق إنساني أو قيمي.

رابعاً: روسيا وسوريا الجديدة، حسابات موسكو بعد الأسد

فقدان روسيا لنظام الأسد لا يعني بالضرورة انسحابها الكامل من المسرح السوري. فموسكو تمتلك أوراقاً بنيوية: قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس البحري الوحيد لها في المتوسط. وتسعى لإعادة تموضع دبلوماسي يحفظ لها موطئ قدم في سوريا الجديدة وإن بشروط مختلفة. غير أن الشرع، بخطابه الأوروبي المتوسطي المنفتح، يُقلّص الهامش الروسي باتجاه الحصار الاستراتيجي لا الشراكة.

وتجد أوروبا في هذا التحول فرصة ذهبية: دعم سوريا مستقرة وإدماجها في منظومة الشراكة المتوسطية يوازن النفوذ الروسي المتراجع، ويقطع الطريق على أي مسعى إيراني لملء الفراغ.

خامساً: المشهد المتوقع، سيناريوهات المستقبل

السيناريو الأمثل

تنجح سوريا في استكمال المسار السياسي الشامل وتوطيد المؤسسات، فتنتقل الشراكة الأوروبية من الدعم الإنساني إلى الاستثمار الاستراتيجي. تُطلق مبادرة الممرات مشاريع بنية تحتية ضخمة تعيد تأهيل سوريا كمركز عالمي للعبور والطاقة، وتتراجع قيمة الورقة الروسية في سوريا لصالح الانخراط الأوروبي الخليجي.

سيناريو التعقيد المديد

تتواصل الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية وتُلقي بظلالها على استقرار المرحلة الانتقالية، فيما تتعثر عملية المصالحة الداخلية. تتباطأ أوروبا في رفع العقوبات وتربط الشراكة بمعايير مفتوحة الأجل. في هذه الحالة، قد تبقى سوريا رهينة التجاذب بين مراكز نفوذ متعددة دون بلوغ نقطة الاستقرار التحويلي.

خلاصة استراتيجية

تقف سوريا اليوم على مفترق طريق حاسم في تاريخها المعاصر. وللمرة الأولى منذ عقود، يتقاطع فيها الطموح الوطني مع الحاجة الدولية: أوروبا تحتاج إلى ممرات آمنة وشرق أوسط مستقر، والخليج يبحث عن منافذ غربية، وآسيا الوسطى تريد الانخراط في الاقتصاد العالمي. وسوريا الجغرافيا تقع في قلب هذه الحاجات كلها.

المعادلة واضحة: سوريا الضعيفة المنهكة تُكلّف أوروبا مليارات في دعم اللاجئين وإدارة الأزمات. أما سوريا المستقرة الشريكة، فهي استثمار جيوسياسي يُعيد رسم خرائط التجارة والطاقة وأمن المتوسط لجيل كامل. وهذا بالضبط ما يفهمه الشرع، ويتعيّن على الأوروبيين أن يفهموه.

الجغرافيا قدر — والشراكة قرار

 

لتحميل كامل المقالة بصيغة PDF
سوريا على رقعة المصالح الكبرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443