
الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكيل الكبرى
11/01/2026
سوريا 2026: من زلزال التغيير إلى ملاحم البناء وبسط السيادة
18/01/2026الأحزاب الكردية التركية بين السياسة الداخلية وتشابكات الإقليم
العلاقة مع قسد وPKK وأثرها على الصراع مع القوميين الأتراك
م. محمد صادق شيخ ديب
16.01.2025
مقدمة
لم تعد المسألة الكردية في تركيا إطارًا داخليًا صرفًا يُدار عبر أدوات السياسة الوطنية فقط، بل تحوّلت خلال العقد الأخير إلى ملف عابر للحدود، تتقاطع فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية الإقليمية والدولية. وقد أعادت الاشتباكات التي شهدها حيا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب إبراز هذا التداخل، حين تحوّل تطور ميداني خارج الأراضي التركية إلى عامل استقطاب حاد في الداخل، ولا سيما بين حزب الحركة القومية (MHP) وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM).
تعكس هذه التطورات إشكالية أعمق تتعلق بموقع الأحزاب الكردية التركية داخل النظام السياسي، وحدود الفصل الممكن بين نشاطها المدني الداخلي، وبين التنظيمات الكردية المسلحة في سوريا، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وامتداداتها الأيديولوجية والتنظيمية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK). وتطرح هذه الإشكالية سؤالًا مركزيًا: إلى أي مدى باتت التشابكات الإقليمية عاملًا محدِّدًا لإعادة تعريف الصراع السياسي الداخلي في تركيا؟
أولًا: الإطار التحليلي – مقاربات مراكز الدراسات
تعتمد مراكز الأبحاث الاستراتيجية في تحليل هذه المسألة على ثلاث مقاربات رئيسية:
- مقاربة الأمن القومي (المنظور التركي): تنطلق من افتراض مفاده أن أي بنية سياسية أو عسكرية كردية مسلحة خارج سيطرة الدولة المركزية، ومرتبطة تنظيميًا أو أيديولوجيًا بـ PKK، تشكّل تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولة. ووفق هذه المقاربة، لا يُنظر إلى قسد كفاعل سوري مستقل، بل كامتداد إقليمي لصراع داخلي لم يُحسم.
- مقاربة إدارة النزاعات (المنظور الأميركي): تميّز بين الأحزاب الكردية التركية فاعلين سياسيين محليين، وبين القوى المسلحة في سوريا، مع الإقرار بوجود تقاطعات، لكنها ترى أن دمج الفاعلين السياسيين في العملية الديمقراطية أقل كلفة على الاستقرار من الإقصاء، خاصة في بيئات تعددية.
- مقاربة التفاعل العابر للحدود: تفترض أن الحركات الكردية باتت تعمل ضمن فضاء إقليمي واحد، حيث تؤثر التحولات في سوريا والعراق مباشرة في الحسابات السياسية والأمنية داخل تركيا، ما يجعل الفصل الصارم بين الداخل والخارج خيارًا نظريًا أكثر منه عمليًا.
تشير بيانات صادرة عن مراكز أبحاث تركية إلى أن أنقرة نفذت منذ عام 2015 أكثر من 150 عملية أمنية وعسكرية داخل تركيا وشمال العراق وسوريا، في إطار استراتيجية تقوم على منع تشكّل فضاء كردي مسلح متصل جغرافيًا. في المقابل، تُظهر تقارير أميركية أن اعتماد التحالف الدولي على قسد في محاربة تنظيم الدولة منذ 2014 أسهم في ترسيخ واقع أمني جديد يصعب تفكيكه دون كلفة إقليمية عالية.
ثانيًا: حزب DEM بين الخطاب الحقوقي وحدود المناورة السياسية
يواجه حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) معضلة بنيوية تتعلق بتحديد موقعه بين متطلبات العمل السياسي المدني، وحسابات قاعدته الاجتماعية الكردية، والضغوط الأمنية للدولة. فمن جهة، يقدّم الحزب نفسه كفاعل ديمقراطي يدافع عن الحقوق السياسية والثقافية ضمن الإطار الدستوري التركي، ومن جهة أخرى يتجنّب اتخاذ موقف قاطع من قسد وPKK، خشية فقدان شرائح من قاعدته التي ترى في التجربة الكردية السورية نموذجًا للحكم الذاتي.
تُقرأ تصريحات قيادات DEM عقب أحداث حلب، والتي ركّزت على الدعوة إلى التهدئة ومنع التصعيد، في الأوساط القومية التركية بوصفها محاولة لإعادة تأطير قسد كفاعل سياسي مشروع، لا كتنظيم مسلح. في المقابل، ترى بعض مراكز الأبحاث الغربية أن هذا الخطاب يعكس سلوكًا براغماتيًا شبيهًا بتجارب أحزاب قومية أخرى واجهت أجنحة مسلحة، كما في حالة حزب شين فين الإيرلندي خلال التسعينيات، حين تجنّب القطيعة الفورية مع الجيش الجمهوري الإيرلندي قبل نضوج مسار سياسي واضح.
ثالثًا: القوميون الأتراك – أولوية الأمن ووحدة الدولة
يمثل حزب الحركة القومية (MHP) المقاربة الأكثر تشددًا، حيث يرفض أي فصل سياسي أو أخلاقي بين PKK داخل تركيا، وYPG/قسد في سوريا. ووفق هذا المنظور، فإن أي خطاب سياسي لا يتضمن إدانة صريحة وواضحة لهذه التنظيمات يُعد تطبيعًا غير مباشر مع الإرهاب.
يعكس خطاب دولت بهتشلي هذا التصور، إذ يسعى إلى نزع الشرعية السياسية عن DEM باعتباره – من وجهة نظره – غير قادر على تمثيل الأكراد دون الارتباط بتنظيمات مسلحة. تاريخيًا، يستند هذا الموقف إلى تجربة انهيار مسار التسوية بين 2015 و2020، حين تزامن التصعيد الداخلي مع صعود الدور العسكري لقسد في سوريا، ما دفع الدولة إلى إعادة تعريف الأمن باعتباره أولوية تتقدم على أي مسار تفاوضي.
رابعًا: قسد كنقطة تقاطع بين الداخل والخارج
تشير الدراسات الاستراتيجية إلى أن قسد تمثل العقدة المركزية في العلاقة بين أنقرة والأحزاب الكردية التركية. فالحكومة التركية ترى أن أي مسار جدي لـ «تركيا بلا إرهاب» لا يمكن أن ينجح دون تفكيك البنية العسكرية لـ PKK ونزع سلاح أذرعه الإقليمية ومنها #قسد، بينما يرفض DEM هذا الربط، مستندًا إلى قراءة قانونية لاتفاق 10 آذار/مارس، الذي لا ينص صراحة على نزع سلاح قسد.
هذا التباين في القراءة يحوّل الاتفاق من وثيقة تفاهم إلى ساحة اشتباك قانوني–سياسي. ووفق تقديرات بحثية، فإن 70–75% من صانعي القرار الأمني في تركيا ينظرون إلى قسد كتهديد طويل الأمد، مقابل 40–45% فقط من النخب السياسية التي ترى إمكانية إدارة الملف سياسيًا دون مواجهة شاملة، ما يعكس انقسامًا حقيقيًا داخل بنية الدولة نفسها.
خامسًا: المسارات المستقبلية – سيناريوهات محتملة
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- سيناريو الاحتواء المشروط (احتمال تقريبي: 40%): يتجه DEM نحو خطاب أكثر وضوحًا، دون قطيعة كاملة، مقابل تخفيف الضغوط السياسية والقانونية عليه.
- سيناريو الجمود والتصعيد المحدود (35%): استمرار المنطقة الرمادية، مع تصعيد خطابي متبادل وعمليات أمنية متقطعة، دون انفجار شامل.
- سيناريو القطيعة والتصعيد الواسع (25%): أي تطور ميداني كبير في سوريا أو هجوم داخلي قد يدفع الدولة إلى تشديد شامل، يعيد إنتاج نموذج ما بعد 2015.
خاتمة
تكشف الأزمة الأخيرة أن الخلاف بين الأحزاب الكردية التركية والقوميين الأتراك ليس خلافًا ظرفيًا، بل صراع بنيوي حول تعريف الأمن وحدود السياسة، ودور الامتدادات الإقليمية في تشكيل الداخل. وبين سعي الدولة إلى إغلاق ملف الإرهاب نهائيًا، وإصرار الأحزاب الكردية على دمج البعد الحقوقي في أي حل، تبقى قسد وPKK العامل الأكثر حساسية في معادلة لم تُحسم بعد، وتظل احتمالاتها مفتوحة على تسويات حذرة أو تصعيد مكلف.


