
داعش في سوريا.. من الهزيمة العسكرية إلى “إدارة التهديد”
23/12/2025
الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكيل الكبرى
11/01/2026من شرق الفرات إلى قلب الدولة: دمشق وقسد بين لحظة نهاية الدور وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية
من شرق الفرات إلى قلب الدولة: دمشق وقسد بين لحظة نهاية الدور وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية
م. محمد صادق شيخ ديب
03.01.2026
مقدمة
لم تعد العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) قابلة للقراءة بمنطق الصراع المفتوح أو الشراكة المؤجلة. ما يجري اليوم ينتمي إلى مستوى أعمق: إدارة نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الصراع السوري، في ظل تحولات جيوسياسية إقليمية ودولية متسارعة. هذه العلاقة باتت تُدار كملف استراتيجي لإعادة ضبط الدولة والمجال، لا كمعادلة تفاوضية بين طرفين متكافئين.
أولاً: تحوّل طبيعة العلاقة… من السياسة إلى الجيوبوليتيك
في السنوات الماضية، طُرحت العلاقة بين دمشق وقسد ضمن أطر سياسية محتملة: لا مركزية، حكم ذاتي، أو صيغ شراكة مرنة. اليوم، هذا الأفق تراجع بشكل شبه كامل.
التحليل الصادر عن دوائر بحثية أميركية وتركية يتقاطع عند نقطة أساسية: لم يعد هناك استعداد دولي لتكريس كيان عسكري–سياسي خارج منطق الدولة المركزية السورية، سواء لأسباب تتعلق بالاستقرار الإقليمي أو بتغير أولويات القوى الكبرى.
في الرؤية الأميركية البحثية: قسد أدّت وظيفة مؤقتة مرتبطة بمحاربة الإرهاب وضبط الفراغ، لا بتأسيس نموذج حكم دائم.
في الرؤية التركية: أي بقاء مستقل لقسد يشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي، وهو خط أحمر لا يمكن التساهل معه.
في الرؤية الروسية: استعادة الدولة لوظائفها شرط أساسي لإغلاق ملف الحرب السورية.
هنا، لم تعد المسألة “كيف نتقاسم السلطة؟” بل “كيف نُنهي هذا الاستثناء بأقل كلفة؟”.
ثانياً: المتغير الأميركي… إدارة الخروج لا تثبيت الحليف
تشير دراسات مراكز أبحاث أميركية مؤثرة إلى أن واشنطن انتقلت من منطق الرعاية طويلة الأمد إلى منطق إدارة الانسحاب المنظّم. والأسباب متعددة:
- تراجع أولوية الملف السوري في الاستراتيجية الأميركية الكبرى.
- عدم الرغبة في صدام مع تركيا أو فتح جبهة توتر مع دمشق وروسيا.
- القناعة بأن استمرار البنى العسكرية المحلية المستقلة يولّد عدم استقرار طويل الأمد.
بالتالي، الدور الأميركي اليوم يتركز على:
- منع الانفجار الأمني.
- حماية مصالح محددة (مكافحة الإرهاب، عدم عودة الفوضى).
- ضبط سلوك قسد وتحديد سقفها السياسي.
ثالثاً: العامل التركي… القوة الصامتة في هندسة النهاية
لا يمكن فهم مسار العلاقة بين دمشق وقسد دون إدراك الوزن التركي.
مراكز الأبحاث التركية تنظر إلى شرق الفرات كـ:
- امتداد مباشر للأمن القومي.
- ساحة لا يُسمح فيها بأي كيان ذي طابع انفصالي أو عسكري مستقل.
هذا الضغط التركي المستمر شكّل أحد أهم العوامل في إسقاط خيار “الشراكة السياسية”، ودفع جميع الأطراف، بما فيها واشنطن، إلى البحث عن مخارج واقعية تُنهي الدور السياسي–العسكري لقسد دون حرب شاملة.
رابعاً: عامل الداخل.. الحاضنة الشعبية كبيضة قبان
وبموازاة الضغوط الخارجية، يبرز ‘عامل الداخل’ كمتغير حاسم في تقويض طموحات الاستقلالية لدى ‘قسد’. فالمكون العشائري العربي، الذي يمثل الثقل الديموغرافي الأكبر في شرق الفرات، انتقل من حالة الترقب إلى حالة المبادرة والمواجهة، تعبيراً عن رفضه للهيمنة الإدارية والعسكرية الأحادية. هذا التحول الشعبي لا يضغط على ‘قسد’ ميدانياً فحسب، بل يمنح دمشق تفويضاً اجتماعياً لاستعادة دورها بوصفها الضامن الوحيد للخدمات والسيادة، والمظلة القادرة على إنهاء حالة القلق الوجودي التي تعيشها المنطقة نتيجة التهديدات الإقليمية. وبذلك، لم يعد سكان شرق الفرات مجرد جمهور متلقٍ للتفاهمات، بل أصبحوا قوة دفع موضوعية لإنهاء ‘الاستثناء السياسي’ والعودة إلى كنف الدولة المركزية.
خامساً: دمشق… استعادة الدولة عبر التفكيك لا الصدام
دمشق تقارب الملف اليوم بعقلية تسوية حالة سيادية لا تفاوض سياسي. والهدف الاستراتيجي واضح:
- تفكيك البنية العسكرية المستقلة.
- سحب الوظيفة السياسية الخارجية.
- إعادة دمج ما يمكن دمجه ضمن مؤسسات الدولة.
هذا المسار لا يقوم على الحسم العسكري، بل على:
- تفكيك تدريجي للقيادة.
- الاستفادة من التباينات داخل قسد نفسها (قيادة مقابل قواعد، مكون عسكري مقابل إدارات محلية).
- توظيف العامل العشائري والمحلي لإعادة تشكيل الحاضنة الاجتماعية.
سادساً: الجغرافيا السياسية الجديدة… توافقات غير معلنة
ما يحدث ليس نتاج تفاهم ثنائي فقط، بل نتيجة تقاطعات إقليمية ودولية نادرة:
- توافق روسي–تركي على أولوية الدولة المركزية.
- قبول أميركي بإغلاق ملف قسد دون خسائر كبرى.
- استعداد إقليمي لطيّ أحد آخر استثناءات الحرب السورية.
في هذا السياق، تُطرح حلول “ناعمة” مثل إخراج بعض القيادات الحساسة من المشهد، لا بوصفها مكافأة، بل كأداة لإدارة نهاية الدور وتسهيل الانتقال.
سابعاً: من فاعل إلى ملف
الخلاصة الاستراتيجية التي تتفق عليها قراءات متعددة لمراكز أبحاث عالمية هي أن قسد:
- انتقلت من كونها فاعلاً سياسياً–عسكرياً إلى ملف أمني–سيادي.
- لم تعد طرفاً يفرض شروطاً، بل حالة يُعاد ترتيبها ضمن توازنات أكبر منها.
أما دمشق، فهي تتحرك اليوم من موقع المبادرة، مستفيدة من:
- تغيّر ميزان القوة.
- الإرهاق الدولي من الحرب السورية.
- الحاجة الإقليمية إلى الاستقرار.
ثامنا: آفاق مفتوحة.. ما وراء فرضية نهاية الدور
رغم قوة المؤشرات على نهاية دور ‘قسد’ الحالي، إلا أن المسار يبقى رهناً بصلابة التفاهمات الإقليمية؛ إذ يبرز سيناريو ‘التعثر الاضطراري’ في حال اصطدمت المطالب التركية بحدود السيادة السورية، أو في حال قررت واشنطن توظيف الورقة الكردية مجدداً كأداة عرقلة للمسار الروسي. هذا السيناريو قد يدفع نحو ‘تجميد مؤقت’ للوضع الراهن، محولاً شرق الفرات من ملف في طريق التفكيك إلى منطقة ‘نزاع استنزاف’ طويل الأمد. ومع ذلك، يظل هذا الاحتمال تكتيكياً لا استراتيجياً، حيث أن البديل عن التسوية مع دمشق لن يكون تثبيت كيان مستقل، بل انفجاراً أمنياً شاملاً لا ترغب فيه أي من القوى المنخرطة في الصراع.
خاتمة
العلاقة بين دمشق وقسد دخلت لحظة تاريخية حاسمة: لحظة نهاية الدور لا انفجار الصراع.
ما يجري في شرق الفرات ليس مجرد مفاوضات، بل إعادة هندسة للجغرافيا السياسية السورية، تُغلق أحد آخر فصول الاستثناء الذي فرضته الحرب.
الأيام المقبلة لن تحدد مصير قسد فقط، بل ستكشف شكل الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب، وحدود الممكن والمسموح في النظام الإقليمي الجديد.


