من العقوبات إلى الشراكة: التحول الاستراتيجي في فلسفة ترامب تجاه تركيا
19/10/2025
تيار الإسلام الوسطي في سوريا: بين الاعتدال السياسي وبناء التوازن الوطني
23/10/2025
من العقوبات إلى الشراكة: التحول الاستراتيجي في فلسفة ترامب تجاه تركيا
19/10/2025
تيار الإسلام الوسطي في سوريا: بين الاعتدال السياسي وبناء التوازن الوطني
23/10/2025
مشاهدة الكل

وثيقة العيش المشترك في سورية: رؤية استراتيجية لنضج سياسي ومسؤولية وطنية

وثيقة العيش المشترك في سورية: رؤية استراتيجية لنضج سياسي ومسؤولية وطنية

م. محمد صادق |20.10.2025

 مقدمة

من يقرأ وثيقة العيش المشترك في سورية الصادرة عن جماعة الإخوان المسلمين بتاريخ 18 تشرين الأول 2025، يلحظ أنها ليست نصًا سياسياً تقليدياً بقدر ما هي بيان وطني جامع يعبّر عن تحوّل نوعي في وعي الحركة الإسلامية السورية تجاه مفهوم الدولة والمواطنة والتنوع المجتمعي.

إنها وثيقة تنتمي إلى لحظة نادرة في تاريخ سوريا الحديث؛ لحظة ما بعد الاستبداد، حيث يتقدّم الخطاب من منطق “الهيمنة” إلى منطق “الشراكة”، ومن منطق “المعارضة الدائمة” إلى منطق “المسؤولية المشتركة“.

أولاً: قراءة من منظور التحليل المتقدّم

بمنهج الرؤية التحليلية الراقية المهنية، يمكن القول إن الوثيقة قد صيغت بذكاء مفاهيمي يجمع بين الوعي الديني، والعمق الاجتماعي، والرؤية السياسية المستقبلية.

هي ليست إعادة صياغة لمبادئ عامة، بل محاولة لبناء منظومة قيمية مؤسِّسة لدولة متوازنة:

  • جعلت من العدالة محورًا شرعيًا وأخلاقيًا.
  • ومن الاختلاف والتنوّع قاعدة وجود لا تهديدًا له.
  • ومن المواطنة عقدًا جامعًا فوق الهويات الجزئية.

في البنية اللغوية والفكرية للنص، يتضح أنه كُتب بعقلٍ واعٍ لمعادلات المجتمع السوري المعقدة، وبأسلوب يُزاوج بين الخطاب الإيماني والخطاب الدستوري، وهو ما يعكس نضجًا غير مسبوق في التفكير السياسي للحركة الإسلامية السورية.

ثانياً: قراءة استراتيجية من منظور المراكز البحثية

وفق أي محلّل استراتيجي في مركز بحثي رفيع، يمكنني القول إن الوثيقة تمثّل نقطة ارتكاز فكرية يمكن البناء عليها في صياغة عقد اجتماعي جديد لسوريا.

فهي تقدم أربع مرتكزات تتقاطع مع أفضل نماذج “التحول الديمقراطي بعد النزاع“:

  1. الاعتراف بالتنوع الديني والثقافي كشرط للاستقرار الاجتماعي.
  2. تحييد المؤسسة العسكرية وإخضاعها للمساءلة المدنية، وهو جوهر أي دولة حديثة.
  3. حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يعكس تحوّلًا جذريًا في الفكر الأمني للحركات الإسلامية.
  4. تمكين المرأة والشباب، في انسجام مع الاتجاهات العالمية نحو الإدماج الاجتماعي.

إضافة إلى ذلك، فإن الوثيقة تستبق التحولات الإقليمية القادمة، وتُظهر أن الجماعة باتت تدرك أن الشرعية في القرن الحادي والعشرين لا تُكتسب بالهوية العقائدية، بل بالكفاءة في إدارة التعدد.

وهذا الوعي يجعل الوثيقة أقرب إلى مشروع وطني مدني منها إلى بيان حزبي أيديولوجي.

ثالثاً: قراءة وجدانية مهنية من داخل التيار الإسلامي

من منظور باحثٍ ينتمي فكريًا إلى مدرسة الإخوان المسلمين، ولكن يلتزم المهنية والصدق العلمي، أقول:

هذه الوثيقة تعبّر عن تجربة نضوج إنساني وفكري داخل الجماعة.

لقد أدرك الإخوان في سوريا “بعد عقود من الصدام والمنفى” أن الدين لا يُختزل في سلطة، وأن المشروع الإسلامي لا يتحقق إلا في ظل دولة عادلة، تضمن الحقوق لجميع مواطنيها دون تمييز.

في هذه الوثيقة، تُغادر الجماعة منطقة الهوية الدفاعية إلى الهوية التعاونية.

لم تعد تتحدث عن نصرة الجماعة، بل عن حماية الوطن، ولم تعد تُعرّف نفسها كطرف ديني في مواجهة الآخرين، بل كمكوّن وطني يحمل رؤية شاملة للعيش المشترك.

هذه اللغة الجديدة هي ثمرة وعي بالألم السوري المشترك، حيث أصبح الخلاص جماعيًا أو لا يكون.

رابعاً: النضج والواقعية في مضمون الوثيقة

 من الناحية الفكرية: تم تجاوز ثنائية “الإسلامي – العلماني” نحو “الإنساني – الوطني”.

من الناحية السياسية: تم الاعتراف الصريح بالتعددية، وبالتداول السلمي للسلطة.

من الناحية الاجتماعية: تم استيعاب مفهوم العدالة الانتقالية، والسلم الأهلي، والهوية الجامعة.

هذه التحولات ليست مجرد ديباجة بل تمثل وعيًا واقعيًا بمتطلبات سوريا الجديدة، دولة ما بعد الحرب والانقسام.

لقد أثبتت الوثيقة أن الإخوان المسلمين كحركة فكرية قادرة على ممارسة النقد الذاتي، وتجديد أدواتها بما يتوافق مع تطلعات المجتمع.

خامساً: الخاتمة – مسك الختام

إن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، في ضوء ما جاء في هذه الوثيقة، ليست كيانًا معزولًا أو خارجًا عن النسيج الوطني، بل هي شريحة من شرائح المجتمع السوري، فيها العلماء والمفكرون والمهنيون، وفيها من الخبرات ما تحتاجه سوريا لتنهض من ركامها.

حلّ الجماعة أو إقصاؤها لن يخدم أحدًا، لأن الإلغاء لا يبني وطنًا، بل يزيد الفراغ عمقًا والانقسام اتساعًا.

وإذا كانت الوثيقة قد دعت إلى العيش المشترك، فذلك لأنها تؤمن بأن الوطنية الحقة لا تُقاس بمدى القرب من السلطة، بل بمدى القدرة على قبول الآخر والتعاون معه.

فالإخوان مستعدون للتعامل مع المعارض قبل الصديق، لأن سوريا الجديدة يجب أن تتسع للجميع، دون إقصاء أو انتقام.

وهكذا، فإن وثيقة العيش المشترك ليست مجرد إعلان سياسي، بل شهادة ميلاد فكرية جديدة لجماعةٍ أدركت أن خلاصها في شراكتها، وأن قوتها في وطنيتها، وأن مستقبل سوريا لا يُبنى إلا بأيدي جميع أبنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443