
وثيقة العيش المشترك في سورية: رؤية استراتيجية لنضج سياسي ومسؤولية وطنية
20/10/2025
سوريا: مركز الجغرافيا وصانعة التوازنات في الشرق الأوسط الجديد
27/10/2025تيار الإسلام الوسطي في سوريا: بين الاعتدال السياسي وبناء التوازن الوطني
م. محمد صادق | 23.10.2025
- التيار الإسلامي الوسطي في سوريا: اعتدال رغم الإقصاء
يمثل التيار الإسلامي الوسطي في سوريا اتجاهاً معتدلاً يسعى إلى تحقيق توازن بين الدين والدولة، ويعمل على ترسيخ قيم الوحدة والتعايش في مجتمع متعدد الأطياف. ورغم ما واجهه من تهميش وإقصاء من قبل أنظمة الاستبداد المتعاقبة، ظل هذا التيار فاعلاً في الساحة الاجتماعية والفكرية، يسعى إلى بناء الاستقرار والتنمية الوطنية، ويؤدي دور الجسر الذي يربط بين مختلف المكونات السورية بعيداً عن التطرف أو الانعزال. ولتعزيز حضوره في الحياة العامة واستعادة دوره الوطني، تبرز الحاجة إلى دعم تأسيس أحزاب سياسية وسطية تعبّر بصدق عن تطلعات المجتمع، وفتح حوار وطني شامل يضم جميع القوى السياسية، مع إشراك رموزه في العملية الدستورية وبرامج الإصلاح، إلى جانب تأهيل كوادر سياسية معتدلة قادرة على قيادة التغيير والمساهمة في بناء سوريا متوازنة وعادلة.
“الشباب السوري اليوم يبحث عن صوت وسط يضم بينه الانتماء الوطني والاعتدال الديني، وهو ما لم تجده في الساحة السياسية حتى الآن.”
- البعد الاجتماعي: قيم الوحدة والتعايش
يمثل تيار الإسلام الوسطي في سوريا دعامة أساسية لتعزيز الوحدة الوطنية والتعايش السلمي بين مختلف الطوائف والمكونات، وقد لعب دورًا بارزًا في ترسيخ قيم التسامح والقبول بالآخر وإعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل الصراعات والانقسامات. ومع ذلك، فإن سنوات الحرب أثرت بعمق في هذه القيم، مما يجعل من الضروري إطلاق جهود متجددة لإحيائها من خلال دعم منظمات المجتمع المدني المعنية بالتعايش والتسامح، وتنظيم حملات توعية في المدارس والجامعات والمساجد لترسيخ ثقافة الاعتدال والانفتاح، وتشجيع المبادرات الشبابية والوطنية التي تسهم في تجاوز الانقسامات، إضافةً إلى تعزيز دور الشباب والمرأة في عملية البناء الاجتماعي بوصفهما ركيزتين أساسيتين في تحقيق المصالحة والاستقرار المجتمعي.
- البعد الاقتصادي: رؤية تنموية معتدلة
الواقع الاقتصادي السوري هشّ ومتأثر بتداعيات الحرب والأزمات المتراكمة، مما يجعل الاستقرار الاقتصادي مرهونًا بتحقيق توازن سياسي واجتماعي حقيقي. ويمكن لتيار الإسلام الوسطي أن يساهم في صياغة رؤية تنموية عادلة ومستدامة تراعي البعد الاجتماعي والإنساني، وتقوم على مبادئ العدالة والتكافل والمسؤولية المشتركة. وقد طرح هذا التيار رؤى تهدف إلى تحسين مستوى معيشة المواطن من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتطوير البنية التحتية، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني. ولتحقيق ذلك، تبرز أهمية بناء شراكات فاعلة مع القطاع الخاص، ونشر ثقافة الاقتصاد المعتدل القائم على العدالة الاجتماعية، إلى جانب برامج تدريب وتأهيل للشباب تمكّنهم من الاندماج في سوق العمل والمشاركة بفاعلية في عملية الإعمار والتنمية المستدامة.
- البعد الجيوسياسي: دور الوساطة والتوازن
في ظل التحديات الجيوسياسية المعقدة التي تواجه سوريا، يشكّل تيار الإسلام الوسطي عنصرًا مهمًا في تحقيق التوازن بين القوى المختلفة، داخليًا وخارجيًا. فبما يتبناه من مواقف معتدلة ورؤى متوازنة، يمكن لهذا التيار أن يسهم في تعزيز العلاقات مع الدول الإقليمية والدولية، وأن يضطلع بدور الوسيط في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة. كما يستطيع من خلال دعمه لمبادرات الحوار بين المكونات والطوائف السورية أن يسهم في ترسيخ ثقافة التفاهم والعيش المشترك. ويعزز هذا الدور انفتاحه على القوى الداعمة للاعتدال، واستثماره للعلاقات الدينية والثقافية بما يخدم توطيد السلام الداخلي والإقليمي، ويدعم مسار الاستقرار وبناء الثقة المتبادلة بين سوريا ومحيطها العربي والدولي.
- التحديات النفسية والثقافية: بناء الثقة وتجاوز الشكوك
لا يخفى على أحد أن انعدام الثقة في التيار الوسطي يعود إلى تجارب مريرة من الاستبداد والحرب، فضلاً عن التشويه المتكرر لصورة الوسطية سواء من قبل التيارات المتطرفة أو الإعلام أحيانًا. إن بناء الثقة يتطلب جهداً مضاعفاً يبدأ بحملات إعلامية واضحة تسلط الضوء على المبادئ الحقيقية التي يقوم عليها هذا التيار، ويمتد ليشمل تنفيذ مشاريع اجتماعية ملموسة تعكس هذه المبادئ على أرض الواقع. ويتطلب ذلك تعزيز الشفافية في المؤسسات الدينية والسياسية المرتبطة بالوسطية، وفتح حوار دائم مع وسائل الإعلام لتصحيح الصورة السائدة وبناء تصور إيجابي، بالإضافة إلى إطلاق مبادرات عملية تظهر بشكل واضح أثر الوسطية في تحسين حياة الناس وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
- موقف شرائح الشعب السوري: تنوع وتباين مع أمل موحد
رغم وجود آراء متباينة تجاه تيار الإسلام الوسطي، أرى شخصيًا أن هناك إجماعًا واسعًا على ضرورة تعزيز قيم الوحدة والتعايش. هذا يضع على عاتقنا مسؤولية تقديم الوسطية بشكل واضح، بعيدًا عن الخلط والتشويه.
- خلاصة
تيار الإسلام الوسطي في سوريا لا يمثل مجرد توجه فكري فحسب، بل هو حركة اجتماعية وسياسية تحمل في طياتها الأمل في بناء وطن متماسك وقادر على تجاوز أزماته.
من خلال تعزيز الحوار الوطني، والشفافية، والتعليم، والمشاركة الفاعلة، يمكن لهذا التيار أن يستعيد دوره الريادي في رسم ملامح سوريا المستقبلية.
ويتبادر إلى الذهن تساؤلان مهمان: كيف يمكن للأجيال القادمة أن تستثمر قيم الوسطية لبناء سوريا جديدة؟
وما الدور الذي يمكن لكل فرد أن يلعبه لتعزيز هذه القيم في مجتمعه؟
والإجابة على هذه الأسئلة تتطلب منا عملاً مشتركًا وإيمانًا عميقًا بأن الطريق نحو السلام والاستقرار يبدأ من وسطية ترفض التطرف وتؤمن بقوة الوحدة.
وفي الختام، يبقى لكل واحد منا مفتاح التغيير، فلتكن وسطيتنا سراجًا ينير دروب سوريا نحو غد أفضل.


