
بين الحذر والتحدي: قراءة تحليلية لمفاوضات سوريا وإسرائيل
21/09/2025
البرلمان السوري المقبل: بين استحقاق التمثيل واختبار الدولة
04/10/2025عزمي بشارة والدور الناعم في إعادة تشكيل الربيع العربي: الحالة السورية نموذجًا
م. محمد صادق | 27.09.2025
منذ انطلاق موجات “الربيع العربي”، شهدت المنطقة تدخلات متعددة من أطراف إقليمية ودولية، تفاوتت دوافعها بين الدعم الحقيقي وتوظيف الأحداث لإعادة رسم خرائط النفوذ. وفي هذا السياق، برز اسم المفكر عزمي بشارة، لا كفاعل مباشر في الميدان، بل كمؤثر ناعم عبر أدوات فكرية وإعلامية. ما يجعل هذا الدور جديرًا بالتحليل هو طبيعته المركبة: فهو لا يُمارس القوة الصلبة، بل يعمل على إعادة تشكيل الوعي السياسي وصياغة معايير جديدة للشرعية والثورة، خاصة في الحالة السورية.
من الكنيست إلى قطر: تحولات أيديولوجية ومسار غير تقليدي
تتبع المسار السياسي والفكري لعزمي بشارة يسلّط الضوء على تحولات لافتة. فمن انخراطه في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، إلى تبنيه للفكر القومي الناصري، ثم عضويته في الكنيست، وصولًا إلى خروجه من فلسطين المحتلة عام 2007 واستقراره في قطر، يبرز نمط معقد من التنقلات الفكرية والسياسية.
في حين روّجت بعض الجهات لخروجه كمنفى قسري لمفكر ملاحَق، أشارت تقارير وتحقيقات صحفية لاحقة إلى وجود علاقات مالية وشبكات دعم سياسي ربطته بدوائر صناعة القرار في الخليج، ما يدفع بعض المراقبين إلى وصفه بـ”رجل المهام الخاصة” أكثر من كونه مجرد مثقف معارض.
بناء منظومة تأثير ناعمة: الإعلام والفكر والتمويل
من موقعه الجديد، شرع بشارة في بناء شبكة تأثير فكرية وإعلامية واسعة، تعتمد على القوة الناعمة، وتتمثل أبرز معالمها في:
1. إطلاق قنوات إعلامية مؤثرة، تتصدرها شبكة “الجزيرة”، التي شكّلت له منصّة محورية في تغطية الثورات.
2. تأسيس مراكز دراسات وبحوث، تُقدَّم كهيئات بحثية مستقلة، في حين ترتبط بمنظومة تمويل وتوجهات سياسية واضحة.
3. دعم نخب ثقافية عربية شابة، وتوفير منصات للظهور والتأثير، ما منح المشروع بعدًا اجتماعيًا وفكريًا عابرًا للحدود.
4. إنتاج سرديات بديلة عن الثورات، تتبنى تأويلات ليبرالية تُقصي التيارات الإسلامية والمكونات الشعبية الأصيلة
هذه المنظومة، وإن لم تلجأ إلى الإقصاء المباشر، إلا أنها ساهمت في إعادة تعريف مفاهيم “الثورة”، و”الديمقراطية”، و”التمثيل”، بما يخدم أجندات ناعمة ذات طابع فوقي وأحيانًا مناقض للواقع المجتمعي العربي.
سوريا: مثال حي على التوجيه الناعم للثورات:
في الحالة السورية، يبرز تأثير هذه المنظومة بشكل واضح، حيث يمكن رصد ثلاث آليات رئيسية ساهمت في تحريف مسار الثورة:
1. إقصاء الإسلاميين وتشويه الحاضنة الشعبية
رغم أن الطيف الإسلامي شكّل عماد الحراك الثوري السوري، عمدت المنصات الإعلامية والفكرية المرتبطة ببشارة إلى تقديم صورة مشوّهة عن هذا التيار، وتضخيم المخاوف من صعوده، ما أدّى إلى عزله تدريجيًا عن المشهد السياسي والإعلامي.
هذا الإقصاء لم يكن مجرد موقف تحريري، بل عكس توجهًا أيديولوجيًا يسعى لفرض نموذج علماني-مدني يُختزل في رؤية نخبوية بعيدة عن الواقع الديمغرافي والديني للشعب السوري.
2. تصنيع معارضة بديلة
تم الترويج لوجوه سياسية ومدنية لا تنبع من سياق سوري شعبي أو ميداني، بل من صالونات فكرية ومراكز تمويل في الخارج. هذه الشخصيات، رغم افتقارها إلى شرعية جماهيرية، أصبحت ناطقة باسم الثورة عبر منابر دولية، ما خلق فجوة بين الداخل والخارج، وبين الحراك الحقيقي والمُصطنع.
3. استخدام المال السياسي كأداة ضبط وتحكم
ساهم التمويل في فرض سرديات بعينها، والتحكم بمن يُسمح له بالظهور الإعلامي أو بالحصول على دعم سياسي. لم يكن المال أداة تمكين، بل وسيلة لإعادة توزيع الشرعية وفق رؤية مركزية، ما قاد إلى تفتيت الحراك السوري بدل دعمه.
تساؤلات حول مستقبل التمثيل السياسي
تشير مراكز الأبحاث ومنصات التفكير المرتبطة ببشارة إلى تصوّر لـ”سوريا ما بعد الأسد” يتبنى نمطًا علمانيًا نيوليبراليًا معادٍ لتمثيل القوى الإسلامية أو المجتمعية. يُطرح هذا التصور باعتباره الطريق الوحيد إلى الاستقرار، متجاهلًا التعقيد البنيوي للمجتمع السوري، ومُقصيًا للتيارات ذات الجذور الشعبية.
هذا النموذج، وإن بدا جذابًا من الناحية النظرية، يُخشى أن يتحول إلى مشروع نخبوي مفصول عن الواقع، ما يعيد إنتاج التهميش الذي كانت الثورة تهدف أصلًا إلى إنهائه.
الخطر الأعمق: إعادة تشكيل الوعي السياسي
التهديد لا يقتصر على الأسماء أو المؤسسات، بل يمتد إلى محاولة إعادة برمجة الوعي السياسي للجماهير. هذا يتم عبر:
الهيمنة على السرد الإعلامي.
إعادة تعريف مفاهيم الثورة والشرعية.
فرض رموز سياسية دون تفويض شعبي.
زرع الإحباط داخل الحواضن الشعبية بفعل التهميش المستمر.
تُقدَّم هذه التحولات تحت غطاء “الحداثة” و”العقلانية”، لكنها فعليًا تُفرغ المشروع الثوري من مضمونه وتعيد إنتاج الهيمنة بآليات ناعمة أكثر فاعلية من القمع المباشر.
خاتمة: من الضروري بناء وعي مضاد
إن فهم هذا “التخريب الناعم” لا يعني رفض المدنية أو إنكار الحاجة إلى تحديث الخطاب السياسي، بل يستوجب الحذر من الاستعاضة عن الاستبداد بوصاية فكرية جديدة تُمارس تحت شعارات التنوير والتحديث.
المطلوب اليوم هو:
١. بناء مشروع إعلامي وفكري بديل، منبثق من داخل المجتمعات الثائرة.
٢. احترام التنوع السياسي والديني، دون الوقوع في فخ الإقصاء باسم “الاعتدال”.
٣. تعزيز ثقافة النقد الذاتي، وتفكيك المشاريع العابرة التي تسعى لإعادة هندسة المنطقة على حساب إرادة شعوبها.
فالثورة، لكي تنجح، لا تحتاج فقط إلى شعارات، بل إلى أدوات وعي، واستقلال في الرؤية، وتحرر من هيمنة الداخل والخارج على حد سواء.


