
قسد بين واشنطن ودمشق: هل انتهى مشروع الإدارة الذاتية
13/07/2025
النفوذ في المشرق: كيف عادت واشنطن وغابت موسكو وطُوّقت طهران؟
13/07/2025الشرق الأوسط: سوريا نقطة التحول المحورية في تحالفات الشرق الأوسط الإقليمية
محمد صادق
13.07.2025
سوريا، بعد أكثر من عقد من العزلة والنزاع، تعود لتلعب دورًا مركزيًا في ضبط توازنات الشرق الأوسط، ليس عبر تحالفاتها التقليدية فقط، بل من خلال تقاطع مصالح قوى إقليمية (تركيا، الخليج، إسرائيل) وقوى دولية (روسيا، الولايات المتحدة)، حيث يُعاد صياغة موقع النظام السوري ضمن صفقة إقليمية متصاعدة.
الملف السوري – الخليجي:
الوضع الراهن يُظهر عودة شبه كاملة للعلاقات السياسية بين سوريا وكل من السعودية والإمارات، ما يعكس تحولًا ملحوظًا في مواقف الدول الخليجية تجاه دمشق بعد سنوات من القطيعة والتوتر. في المقابل، يقدَّم دعم اقتصادي انتقائي لدمشق، يرتبط بشروط واضحة تهدف إلى ضبط المسار السياسي للنظام السوري وتقريبه من التطبيع مع إسرائيل من خلال مفاوضات تجري في الظل، وتقليص مخلفات النفوذ الإيراني وضبط المجموعات الارهابية وقضايا المخدرات، وهو ما يشكل أحد أبرز مخاوف هذه الدول.
من منظور استراتيجي، تتعامل دول الخليج مع النظام السوري ليس كحليف استراتيجي كامل، وإنما كأداة توازن، بحيث تُوظّف هذه العلاقة لتحقيق استقرار نسبي في المنطقة دون الدخول في تحالفات عميقة، ويمكن تلخيص المشهد بمعادلة واضحة تقوم على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في سوريا مقابل التزام النظام الصمت السياسي والتقليل من تحركاته التي قد تزعزع الاستقرار الإقليمي.
الملف السوري – الإسرائيلي:
الوضع الراهن يشهد وجود قنوات تفاوض غير معلنة، تجري بشكل مباشر بين إسرائيل وحكومة الشرع، بدعم ورعاية أمريكية واضحة. في موازاة ذلك، سُجّل تراجع ملحوظ في وتيرة الغارات الجوية الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة، ما يعكس أجواء تهدئة حذرة.
استراتيجياً، تسعى حكومة الشرع إلى إرسال إشارات جدية باتجاه خفض التصعيد، مقابل كسب اعتراف سياسي أوسع وتثبيت موقعها في المشهد الإقليمي. في المقابل، ترى إسرائيل في هذا المسار فرصة لتحقيق أهدافها الأمنية، وعلى رأسها ضمان حدود آمنة وتقليص التهديدات القادمة من الأراضي السورية.
الملف السوري – التركي:
الوضع الراهن يكشف بوضوح عن تحوُّل استراتيجي جوهري في رؤية تركيا للملف السوري، يمكن وصفه بأنه انتقال من سياسة الصدام والقطيعة التي كانت على زمن الأسد إلى سياسة الشراكة والتكامل. فتركيا باتت تعتبر سوريا حليفاً استراتيجياً، وترى في أمنها القومي امتداداً مباشراً وحيوياً لأمنها القومي.
في هذا الإطار، باتت تسعى إلى دعم النظام السوري الجديد بمختلف الوسائل، سواء عبر التنسيق الأمني، أو عبر تعزيز التعاون الاقتصادي، أو حتى عبر تقديم غطاء سياسي إقليمي يساهم في إعادة دمجه ضمن المنظومة العربية والدولية.
هذا التوجّه التركي ينبع من قناعة عميقة بأن استقرار الدولة السورية يصبّ مباشرة في مصلحة الأمن القومي التركي، خاصة فيما يتعلق بكبح مشاريع “الإدارة الذاتية” في الشمال الشرقي السوري، ومنع أي محاولات لتأسيس كيان كردي قد يشكل تهديداً وجودياً لتركيا على حدودها الجنوبية.
علاوة على ذلك، تدرك تركيا أن استقرار سوريا يفتح الباب أمام تعاون اقتصادي واسع النطاق، يشمل إعادة الإعمار، وتنشيط التجارة العابرة للحدود، واستعادة الحيوية لخطوط النقل البري والطاقة، ما ينعكس إيجابياً على الاقتصاد التركي في مرحلة ما بعد الأزمات الإقليمية.
الملف السوري – “قسد” – الموقف الأمريكي المتغيّر
تشهد المرحلة الراهنة مفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام السوري، تهدف بشكل رئيسي إلى إعادة دمج قوات “قسد” ضمن البنية السورية الرسمية، في ظل ضغوط شعبية وميدانية متصاعدة على هذه القوات في مناطق شرق الفرات.
ومع تصريحات الموفد الأمريكي الخاص إلى سوريا، باراك، يتضح أن الموقف الأمريكي أصبح أكثر وضوحاً واتجاهه يميل نحو تسوية تحفظ ماء الوجه قبل الانسحاب التدريجي من سوريا. تعكس هذه الخطوة إدراك واشنطن لصعوبة الاستمرار في الدعم المفتوح لـ “قسد”، ورغبتها في ضمان استمرار مصالحها الأمنية والسياسية بطريقة أكثر تحفظاً وواقعية.
في الوقت ذاته، يستثمر النظام السوري هذه الفرصة لاستعادة سيادته الكاملة على مناطق شرق الفرات التي خرجت من قبضته لأعوام، في إطار مساعيه لترسيخ وحدته الوطنية وضبط الأمن الداخلي. هذا التغيير في التوازن يعكس دينامية جديدة في المشهد السوري، حيث تسعى القوى الكبرى إلى إعادة ترتيب أوراقها بما يتناسب مع التطورات الميدانية والضغوط الإقليمية والدولية.
وفي الختام:
تبرز سوريا اليوم كمركز محوري في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، فقد فرض النظام السوري نفسه كعنصر لا يمكن تجاوزه في حسابات القوى الكبرى، ما يعكس تحوّلًا جوهريًا من صراع إلى شراكة واقعية قائمة على المصالح الاستراتيجية.
يظل استقرار سوريا مرتبطًا بقدرتها على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وبحفظ توازنات القوى في المنطقة، ليتمكن النظام من أداء دوره الوطني كضامن للأمن والاستقرار الإقليمي. فهم هذه الدينامية ضروري لاستشراف مستقبل المنطقة ومساراتها السياسية القادمة


