
من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي: ملامح محور إقليمي ناشئ في لحظة إعادة تشكيل الشرق الأوسط
05/02/2026
سوريا في قلب إعادة تشكل النظام الإقليمي
13/02/2026سوريا بعد الأسد
الإستراتيجية الإيرانية من الهيمنة المؤسساتية إلى التخريب الوظيفي
بقلم: م. محمد صادق شيخ ديب
07.02.2026
مقدمة
لم يكن سقوط نظام الأسد مجرد زلزال سياسي محلي، بل مثّل انكساراً إستراتيجياً للمشروع الإيراني العابر للحدود، كاشفاً عن هشاشة النفوذ عندما يُجرّد من غطائه السلطوي. ومع بروز دمشق كفاعل سياسي جديد منبثق من رحم القوى الثورية، ومتموضع ضمن تفاهمات بنيوية مع تركيا وتوازنات واقعية مع المجتمع الدولي، وجدت طهران نفسها “لأول مرة منذ عقود” خارج “الغرفة السيادية” السورية، مجردةً من أدوات القرار.
هذا التحول الجذري دفع بطهران نحو انعطافه حادة في سلوكها؛ فمن سياسة “إدارة الدولة عبر النظام” انتقلت إلى إستراتيجية “إدارة الفوضى لتعطيل الدولة”.
أولاً: من “محور المقاومة” إلى “شبكات الإزعاج”
طوال سنوات، استثمرت طهران في سردية “محور المقاومة” كغطاء لوجودها العسكري، لكن واقع “سوريا الجديدة” أسقط هذا القناع. فبدلاً من الانخراط في عملية الاستقرار، سارعت إيران إلى تفعيل “إستراتيجية الأدوات البديلة”.
لم تعد إيران تعتمد على فيالقها التقليدية فحسب، بل تحولت إلى مشغّل لفلول المنظومة المتهالكة؛ من قيادات أمنية ورموز مالية (أمثال سهيل الحسن وعلي مملوك وغيرهم من المرتزقة المرتبطين عضوياً بالحرس الثوري). هؤلاء لم يعودوا “رجال دولة”، بل تحولوا في اليد الإيرانية إلى “خلايا وظيفية”، مهمتها الوحيدة إثبات فرضية عبثية: “إما نفوذنا، أو لا استقرار”.
ثانياً: هندسة التفخيخ الجغرافي
تدرك طهران أن السيطرة الجغرافية الكاملة باتت مستحيلة، لذا استبدلتها بـ “سياسة الكمائن الجيوسياسية”:
في شرق الفرات: تلعب إيران بورقة التناقضات، عبر محاولات اختراق بنية “قسد” والتقاطع مع عناصر PKK لضرب التوافقات (التركية – السورية الجديدة)، مستغلةً حالة السيولة الأمنية.
في الجنوب: تعتمد على “بقايا الشبكات” العابرة للحدود والمرتبطة بتهريب المخدرات والسلاح، لا لفرض حكم سياسي، بل لتحويل الخاصرة الجنوبية لدمشق إلى ثقب أسود يستنزف السلطة المركزية ويقلق الجوار الإقليمي.
ثالثاً: اقتصاد الظل كملجأ أخير
بعد تقطع أوصال “الممر البري” الإستراتيجي، تراجعت طموحات إيران من “الشراكة الاقتصادية الكبرى” إلى “اقتصاديات العصابات”. تعتمد اليوم على شبكات مالية ملتوية وواجهات تجارية مشبوهة كانت قد زرعتها في جسد الدولة المخترق. لكن هذه الأدوات، التي ازدهرت في مناخ “الدولة الفاشلة”، تصطدم اليوم ببيئة وطنية تسعى لشرعية دولية وتفكيك ممنهج لمؤثرات الخارج، مما يجعل “نفوذ الظل” الإيراني عبئاً مكشوفاً يسهل استهدافه قانونياً ومالياً.
رابعاً: معضلة “الفوضى الخلّاقة” المرتدة
تكمن الخطيئة الإستراتيجية في السلوك الإيراني في اعتقادها أن “إدارة الفوضى” تمنحها حصانة. والواقع أن الرهان على فلول نظام منهار هو رهان على أدوات منتهية الصلاحية. سوريا اليوم لم تعد “ساحة مفتوحة” كما كانت في العقد الماضي؛ بل أصبحت ساحة تخضع لرقابة إقليمية صارمة وتنسيق أمني عالي المستوى (أنقرة – واشنطن – القوى المحلية). إن أي محاولة إيرانية لرفع سقف “التخريب” قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة تنهي ما تبقى لها من وجود رمزي.
الخلاصة: عجز القوة وبؤس الخيارات
في المشهد السوري الجديد، انتقلت إيران من مربع “الشريك الحليف” إلى مربع “المخرب الإقليمي”، وهو اعتراف ضمني بانتهاء مشروعها السياسي. إن القدرة على الإزعاج لا تعني القدرة على البقاء، والفوضى ليست بديلاً عن الشرعية.
يبقى السؤال الجوهري الذي يطارد صانع القرار في طهران: هل يستحق الاستثمار في حطام الماضي كل هذه الأثمان، أم أن “التخريب” هو مجرد قناع يخفي حقيقة الخروج النهائي من التاريخ السوري؟


