مجازر متزامنة: غزة والفاشر بين الرعب المخطط والدعاية الاستراتيجية
01/11/2025
زيارة الشرع إلى واشنطن: سيناريوهات استشرافية لمستقبل الدولة السورية والمنطقة
06/11/2025
مجازر متزامنة: غزة والفاشر بين الرعب المخطط والدعاية الاستراتيجية
01/11/2025
زيارة الشرع إلى واشنطن: سيناريوهات استشرافية لمستقبل الدولة السورية والمنطقة
06/11/2025
مشاهدة الكل

تحوّل المحاور العسكرية والدبلوماسية في سوريا: من صراع النفوذ إلى معركة إعادة التوازن في قلب الشرق الأوسط

تحوّل المحاور العسكرية والدبلوماسية في سوريا:

من صراع النفوذ إلى معركة إعادة التوازن في قلب الشرق الأوسط

م. محمد صادق 03.11.2025

مقدمة: سوريا ما بعد الأسد… لحظة الحقيقة في الجغرافيا السياسية للمنطقة

أقل من عامٌ واحدٌ مضى على رحيل بشار الأسد، لكنّ الخريطة السورية تغيّرت كما لو أنها شهدت عقدًا من التحوّلات المتسارعة.

من بين رماد الحرب الطويلة، تقف سوريا اليوم على مفترقٍ حاسم: بين إعادة التشكل كدولة ذات سيادة متصالحة مع محيطها، وبين أن تكون ساحة صراعٍ دائمة للقوى الإقليمية والدولية.

فخروج إيران العسكري شبه الكامل من المشهد، وارتباك القوى الكردية، وعودة الحراك الدرزي والعلوي إلى حالة الغموض، وتمدّد الدور التركي، كلها معطيات تجعل من سوريا مركز ثقل الشرق الأوسط من جديد، ولكن هذه المرة في صراع إعادة التوازن وليس في حرب البقاء.

أولًا: إيران… الحضور المتخفي بعد الهزيمة

رغم أن طهران فقدت أغلب وجودها العسكري في سوريا عقب سلسلة ضرباتٍ إسرائيلية، وسورية، إلا أنها لم تغادر حقًا.

فشبكاتها “الناعمة” من رجال الاقتصاد، والدين، والمخابرات، لا تزال تعمل تحت السطح، متغلغلة في مفاصل “فلول النظام” وبعض وحدات حزب العمال الكردستاني داخل بنية “قسد”.

تحاول إيران الآن استعادة موطئ قدم من خلال التنسيق مع موسكو وبعض القادة السابقين في الأجهزة الأمنية السورية، على أمل أن تظل “اليد الخفية” التي تؤثر في دمشق دون أن تُرى.

لكنّ المعادلة تغيّرت: فالمزاج الشعبي العام السوري بات يرى في الوجود الإيراني عبئًا لا حليفًا، خصوصًا بعد انكشاف ارتباطه المباشر بملفات الفساد والطائفية والتخريب الاجتماعي.

ثانيًا: الدروز… بين مشروع الثورة وحلم الحماية

المجتمع الدرزي في الجنوب السوري يعيش انقسامًا سياسيًا واضحًا منذ سقوط النظام القديم.

جماعة الشيخ البلعوس تمثّل التيار الثوري الوطني، الرافض لأي تبعية أجنبية، والمدافع عن فكرة “سوريا الموحّدة”.

في المقابل، يبرز تيار الشبيح الهجري، الذي رهن نفسه علنًا للتنسيق مع إسرائيل بحجّة “الحماية”، وهو ما خلق شرخًا مجتمعيًا داخل السويداء، وجعل المدينة مسرحًا لصراع ناعم بين الوطنية السورية والمصالح الإقليمية.

ثالثًا: العلويون… من صمت الولاء إلى حيرة المصير

بعد رحيل الأسد، دخلت الطائفة العلوية في حالة مراجعة صامتة.

فقد تلاشى “الدرع الأمني” الذي كان يحميها، وظهرت تيارات جديدة تسعى للانفتاح على الدولة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، مقابل عناصر أخرى ذات ارتباطات روسية وفرنسية واجندات خارجية تسعى للعب دور “البديل الموثوق”.

بعض الضباط السابقين بدأوا بالتحرك خفيةً لتشكيل “مجلس علوي وطني”، في محاولة لتأمين مكان للطائفة في سوريا الجديدة دون الارتباط بأي مشروع انفصالي.

غير أن حالة الشك، وتعدد الأجندات، جعلت المكوّن العلوي يعيش أخطر مراحله السياسية منذ خمسينيات القرن الماضي.

رابعًا: قسد… القوة التي تمشي على حافة السكين

قوات سوريا الديمقراطية اليوم هي أشبه بـ “كائن سياسي رمادي“؛ رجلها اليمنى مع الدولة السورية بقيادة الشرع، ورجلها اليسرى مع الأميركيين الذين لا يثق بهم أحد في الشرق الأوسط.

مدعومة بتريليونات الليرات من التسليح الحديث وشبكة أنفاق وممرات سرية تمتد حتى الحسكة، تعرف “قسد” أن تحالفاتها المتناقضة (مع واشنطن، وتل أبيب، وطهران في الخفاء) لا يمكن أن تضمن لها البقاء في وجه الدولة التي استعادت شرعيتها الدولية.

الولايات المتحدة تُدير هذا الملف ببراغماتية قاسية: فهي تريد “قسد” ورقة ضغط، لا حليفًا دائمًا.

أما إسرائيل، فتراها حاجزًا بشريًا بين النفوذ التركي والحدود العراقية، في حين ترى تركيا نفسها في سباقٍ مع الزمن لاحتواء هذا الكيان قبل أن يتحوّل إلى أمر واقع.

خامسًا: تركيا… اللاعب الذي يمشي بين الألغام بثقة

أنقرة باتت اليوم الحليف الأهم للدولة السورية الجديدة، وهي تدرك أن أمنها القومي يبدأ من حلب وليس من أنقرة.

تحاول تركيا أن تصنع “توازنًا ذكيًا” بين دعم الحكومة في دمشق، ومحاربة امتدادات PKK، وإقناع الغرب بأنها ما زالت جزءًا من النظام الأطلسي.

الحدود الشمالية السورية أصبحت ممرًا استراتيجيًا للمساعدات، وللتجارة، وللتواصل العسكري بين الجيشين السوري والتركي.

تركيا لا تريد سوريا تابعة، بل شريكًا استراتيجيًا يضمن الأمن المتبادل، وهي اليوم تفرض نفسها بقوة في معادلة الشرق الأوسط الجديد.

سادسًا: أمريكا وإسرائيل… شركاء في إدارة الفوضى

الولايات المتحدة ما زالت تمارس لعبة مزدوجة:

تدعم الاستقرار في العلن، وتغذّي الفوضى في الخفاء.

سياساتها المتقلبة في عهد الرئيس “ترامب العائد” تعكس منطق رجل لا يرى في المنطقة سوى ملفين: إسرائيل واللوبي الصهيوني.

لا يهمه شكل الدولة السورية، بقدر ما يهمه أن تظل حدود إسرائيل آمنة وأن يبقى النفط السوري تحت عين الشركات الأميركية.

أما إسرائيل، فهي اليوم أكثر غرورًا من أي وقتٍ مضى.

ترى نفسها القوة الوحيدة في الإقليم، وتعمل لتكريس مشروع “إسرائيل الكبرى” من خلال نفوذها الاقتصادي والتقني، لا العسكري فقط.

لكن هذا التجبّر بدأ يصطدم بواقع جديد: منطقة تتعافى من الخوف، وشعوب بدأت ترفض فكرة “التفوّق الإسرائيلي كقدرٍ محتوم”.

سابعًا: روسيا… تثبيت النفوذ في زمن التراجع الغربي

رغم الصعوبات الاقتصادية والعزلة الجزئية، لم تغادر موسكو الميدان السوري.

فوجودها في طرطوس وحميميم أصبح بمثابة “رئة المتوسط” لأسطولها البحري، وهي تسعى لتكريس ذلك من خلال اتفاقات دفاعية طويلة الأمد.

روسيا اليوم تدعم حكومة الشرع، وتعتبرها القناة الشرعية الوحيدة لإعادة الإعمار وتوازن القوى في الإقليم.

لكنّها، في الوقت ذاته، تمسك العصا من الوسط بين تركيا وإيران وإسرائيل، في محاولة لإعادة رسم هندسة أمنية إقليمية تحفظ لها دور “الضامن الأكبر”.

ثامناً: السيناريوهات المتوقعة لسوريا في عام 2026

🔹 السيناريو الأول: “تثبيت التوازن واستعادة الدولة” (مرجّح بنسبة 55%)

المعالم: ينجح الرئيس أحمد الشرع في تحييد الصراعات الداخلية (الدرزية، العلوية، الكردية) عبر تسويات سياسية تدريجية.

يتم إدماج جزء من قوات قسد في الجيش الوطني السوري ضمن ترتيبات أمنية بإشراف روسي–تركي.

تركيا وسوريا تعلنان “اتفاق حلب للأمن المتبادل” الذي يضمن السيطرة المشتركة على الشمال ومنع نشاط PKK.

انسحاب أمريكي جزئي مع بقاء قواعد محدودة شرق الفرات، وفتح المجال لمفاوضات اقتصادية مع دمشق.

بدء مؤتمر إعادة الإعمار الدولي في دمشق برعاية روسية–خليجية.

الجهد المطلوب: يتطلب تعبئة سياسية وإدارية هائلة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش والإدارة المدنية.

🔹 السيناريو الثاني: “التوازن المتفجر” (احتمال 25%)

المعالم: تصاعد الخلاف بين جناح الشرع الإصلاحي والقيادات العسكرية القديمة.

ظهور توترات مسلحة في الساحل بسبب خوف بعض النخب العلوية من فقدان النفوذ.

قسد تعلن حكمًا ذاتيًا موسعًا بدعم أمريكي جزئي، ما يدفع تركيا للتوغل أعمق شمال الحسكة.

عودة إسرائيل إلى سياسة الاغتيالات الجوية ضد شخصيات إيرانية أو محسوبة على “حزب الله السوري”.

النتيجة: سوريا تبقى موحّدة شكليًا، لكنّها تواجه انقسامًا إداريًا وأمنيًا شبيهًا بالعراق مطلع الألفية.

الجهد المطلوب: صعوبة في إدارة التوازنات الداخلية، تحتاج نخبًا جديدة مؤهلة وأجهزة أمن منضبطة.

🔹 السيناريو الثالث: “الاختراق الإقليمي الكامل” (احتمال 15%)

المعالم: فشل اتفاق دمشق–أنقرة بسبب ضغط أمريكي–إسرائيلي مشترك.

دخول قوات متعددة الجنسيات “لضبط الحدود الشرقية” بذريعة مكافحة الإرهاب.

إيران تعود عبر وكلاء اقتصاديين ودينيين في الجنوب، ما يخلق مواجهة غير مباشرة مع تركيا.

انقسام داخلي في الحكومة السورية المؤقتة بين جناح يميل لموسكو وآخر للرياض.

النتيجة: سوريا تتحوّل إلى منطقة نفوذ مشتركة (روسية–تركية–خليجية–أمريكية)، دون سيادة مكتملة.

الجهد البشري المطلوب: التحكم بالوضع يصبح شبه مستحيل، ويعتمد على الدعم الخارجي أكثر من القدرات المحلية.

🔹 السيناريو الرابع: “النهضة السورية” (احتمال 5%)

المعالم: اتفاق تاريخي بين دمشق والرياض وأبوظبي يقود إلى مشروع إعادة إعمار عربي شامل.

عودة مليون لاجئ سوري من تركيا ولبنان، وبدء تشغيل موانئ اللاذقية وطرطوس كمراكز لوجستية إقليمية.

الجامعة العربية تعترف بسوريا مركزًا للأمن الإقليمي الجديد، مع دور تنسيقي قوي بين الجيشين السوري والتركي.

تراجع الوجود الأمريكي والإيراني تمامًا، وبروز سوريا كـ جسر تواصل اقتصادي بين آسيا وأوروبا.

الجهد البشري المطلوب: يتطلب تعبئة وطنية شاملة، إصلاح إداري، ومصالحة مجتمعية حقيقية

الأولوية القصوى لعام 2026 يجب أن تكون:

تثبيت التحالف السوري–التركي–الروسي كضمانة توازن.

فتح بوابة الخليج اقتصاديًا لإعادة الإعمار.

إعادة بناء العقد الاجتماعي السوري بحيث لا يكون طائفيًا ولا أمنيًا

خاتمة: سوريا مركز التوازن القادم

في المحصّلة، ما تشهده سوريا بعد رحيل الأسد ليس مجرد انتقال في الحكم، بل تحوّل في هندسة الشرق الأوسط نفسه.

المنطقة تُعاد صياغتها وفق منطق جديد لا يقوم على من يملك السلاح فقط، بل على من يملك الشرعية، والتحالف، والرؤية.

سوريا الجديدة، برغم ضعفها الاقتصادي، بدأت تستعيد مكانتها كعقدة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها.

ومن قلب دمشق اليوم، تتشكل معادلات الشرق الأوسط المقبل — معادلات لا تقوم على التبعية، بل على التوازن بين الإرادات.

باختصار: الشرق الأوسط لم يعد كما كان، وسوريا لم تعد ساحةً لصراع الآخرين، بل مختبرًا لإعادة كتابة قواعد اللعبة الإقليمية.

ولعلّ هذا ما يجعل من هذه البلاد الصغيرة، رغم جراحها، أخطر وأهم مركز ثقل سياسي في العالم المعاصر.

 

لتحميل المقالة بصيغة بي دي اف PDF
تحوّل المحاور العسكرية والدبلوماسية في سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443