
زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى الصين: قراءة تحليلية استراتيجية
18/11/2025
سوريا بعد عام من التحول: قراءة جيوسياسية في أداء الحكومة الانتقالية وتحديات البيئة الإقليمية
29/11/2025أهمية لقاء أحمد الشرع مع براين ماست وتحوّلات معادلة العقوبات في واشنطن
م. محمد صادق | 24.11.2025
تُظهر تطوّرات زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن أنّ الدبلوماسية في الملفات المعقّدة، مثل منظومة العقوبات الأمريكية، لا تُدار فقط عبر اللقاءات رفيعة المستوى داخل البيت الأبيض، بل تتشكّل غالبًا داخل البنى التشريعية الأمريكية حيث تتقاطع المصالح، وتُصاغ القرارات القادرة على تغيير المسار. وفي هذا السياق، يُمثّل اللقاء الذي جمع الشرع برئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، براين ماست، نقطة انعطاف استراتيجية قد تتجاوز في أهميتها اللقاء الرئاسي مع الإدارة الأمريكية.
- قيصر: عقوبات بتأثير بنيوي يتجاوز الحسابات السياسية
يُعد قانون قيصر واحدًا من أكثر منظومات العقوبات الأمريكية تعقيدًا وتشابكًا، إذ لا يقتصر أثره على الحكومة السورية فحسب، بل يمتد ليُعيد تشكيل البيئة الاقتصادية الإقليمية المحيطة، ويؤثر على سلوك الشركات، والمصارف، وحتى المستثمرين الأجانب، بفعل ما يُعرف بـ “العقوبات الثانوية” التي تخيف الفاعلين غير الأمريكيين بقدر ما تُقيّد الاقتصاد السوري.
الإعفاءات المؤقتة التي أُعلن عنها لمدة ستة أشهر، لا تحمل قدرة حقيقية على تحريك اقتصاد منهك؛ إذ لا يمكن لبنية اقتصادية مشلولة أن تُعاد هندستها ضمن إطار زمني ضيق، أو في ظل غياب وضوح حول مستقبل التشريعات. وبذلك، فقد ظلت الإعفاءات أقرب إلى رسالة سياسية منها إلى تغيير عملي في الواقع الاقتصادي.
- البعد الاستراتيجي: لماذا تجاوز لقاء ماست أهمية لقاء ترامب؟
تنبع أهمية لقاء الشرع مع براين ماست من موقع الطرفين داخل هندسة القرار التشريعي الأمريكي. فبينما يتعامل الرئيسُ الأمريكي مع الملفات ضمن إطار السياسات العامة والقرارات التنفيذية، يمسك الكونغرس، وتحديدًا لجانُه بمفاتيح التشريعات القادرة على إعادة صياغة البيئة القانونية بأكملها.
أ. دور براين ماست كمحور تعطيل
ماست لم يكن مجرد عضو في الكونغرس، بل كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية، أي الجهة التي تُعرَض أمامها مشاريع القوانين المتعلقة بالسياسة الخارجية والعقوبات. وبموقعه هذا، كان قادرًا على: منع طرح مشروع إلغاء العقوبات للتصويت، إبطاء أي مناقشة رسمية، وإعادة صياغة اتجاه التشريع عبر تأثيره المباشر على النواب.
كانت دوافعه، مزيجًا من اعتبارات سياسية وتحالفات خارجية وخبرة عسكرية تمنحه رؤية متشددة تجاه الملف السوري.
ب. الشرع يغيّر ديناميكية القرار
لحظة التقاء الشرع بماست مثّلت انتقالًا من مساحة الخطاب الدبلوماسي إلى مساحة إعادة هندسة القرار التشريعي. هذا النوع من اللقاءات يمكنه: تخفيف المعارضة داخل اللجنة، خلق قنوات ثقة شخصية ومؤسساتية، وتفكيك العوامل غير الرسمية التي كانت تعطل مسار التصويت.
بهذا المعنى، يُصبح اللقاء أكثر أهمية من لقاء الشرع مع الرئيس الأمريكي، لأن الرئيس لا يستطيع وحده إلغاء قيصر؛ أما ماست فكان يمتلك القدرة على فتح أو إغلاق الباب التشريعي بأكمله.
- التحول الناتج: من عُقدة الجمود إلى رافعة سياسية
فتح ماست الباب أمام طرح مشروع إلغاء قيصر للتصويت يعني أن الجمود الذي استمر لسنوات قد بدأ يتصدع. هذه الخطوة تحمل وزنًا فريدًا لأنها:
- تعطي إشارة للمؤسسات المالية العالمية بأن البيئة القانونية قد تتغير،
- تزيد احتمالات الاستثمار في حال تم رفع العقوبات،
- تطلق ديناميات تفاوضية جديدة بين سوريا والفاعلين الإقليميين والدوليين،
- وتحوّل الملف من قضية عقوبات إلى جزء من إعادة هندسة العلاقة الأمريكية–السورية.
وفي حال إقرار المشروع، قد يشكّل ذلك نقلة نوعية صوب إعادة دمج الاقتصاد السوري في منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية.
- الدرس الاستراتيجي: النفوذ التشريعي أهم من الرمزية الرئاسية
تُبرز هذه الحالة الافتراضية درسًا استراتيجيًا بالغ الأهمية:
الفاعلون في الكونغرس، لا سيما رؤساء اللجان المحورية، قد يكونون أكثر تأثيرًا من البيت الأبيض نفسه في الملفات ذات الطبيعة التشريعية المركبة.
في هذا الإطار، يصبح بناء قنوات التواصل مع هؤلاء الفاعلين، سواء عبر الحوار المباشر أو من خلال حلفاء داخل المؤسسات الأمريكية، عنصرًا جوهريًا في أي استراتيجية تسعى إلى تغيير بنية العقوبات أو إعادة تشكيل السياسة الأمريكية في سوريا.
خلاصة تحليلية
يمثل لقاء الشرع مع براين ماست في الإطار التحليلي، نقطة تحول استراتيجية دفعت ملف العقوبات من دائرة الجمود إلى دائرة الفعل.
ليست أهميته نابعة من رمزيته السياسية، بل من أثره البنيوي على مسار التشريع. وكما بعض الباحثين، فإن التفاهم مع أصحاب النفوذ داخل الكونغرس قد يكون أكثر فاعلية من اللقاءات الرئاسية التقليدية؛ لأن تغييرًا مثل إلغاء عقوبات قيصر لا يأتي بقرار تنفيذي، بل بتعديل تشريعي يتجسد في لحظة يتقاطع فيها النفوذ الشخصي مع الحسابات السياسية.
وبذلك، يبرز اللقاء كحدث محوري يعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية–السورية، ويفتح الباب أمام احتمالات جديدة لإعادة بناء الاقتصاد السوري، وتخفيف القيود التي كبّلته لسنوات طويلة.


