أمريكا والإخوان والحرب على الإرهاب.. الدين والسياسة – المركز السوري سيرز
هل تقود جبهات سوريا المشتعلة إلى اتفاق جديد أم معركة شاملة؟
09/06/2019
المانيا/ ضيف إماراتي ثقيل ببرلين – جهد المانيا لوقف جماح ابن زايد
11/06/2019
مشاهدة الكل

أمريكا والإخوان والحرب على الإرهاب.. الدين والسياسة

أمريكا والإخوان والحرب على الإرهاب.. الدين والسياسة

محمد الشرقاوي (عربي21)

أعاد الموقف السياسي العربي الرسمي والغربي ثم الأمريكي من الإخوان المسلمين، والتحريض الذي تقوده بعض الأطراف السياسية التي تخاصم الإخوان سياسيا، الجدل مجددا ليس فقط حول تجربة الإسلام السياسي عامة، وإنما أيضا عن العلاقة المفترضة بين الدين، وضمنه الإسلام والسياسة.

وقد مثلت الانتفاضات الشعبية العربية، التي انطلقت منذ أواخر العام 2010 من محافظة سيدي بوزيد في الوسط الغربي التونسي، وانتهت بإسقاط نظام حكم الرئيس زين العابدين بن علي مطلع العام 2011، نقطة تحول سياسي وحضاري في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لجهة الإعلان عن نهاية نظام عربي رسمي عمر لنصف قرن أو يزيد في المنطقة العربية، وفتح الباب لأول مرة في التاريخ السياسي العربي الحديث والمعاصر، لحركات الإسلام السياسي أن تدخل الحكم من أوسع أبوابه، وأكثرها شرعية، أي عبر صناديق الاقتراع.

وبين النظرية والواقع مسافات كبيرة، تفاوتت فيها تجارب الإسلاميين نجاحا وفشلا في تحويل الأفكار إلى نماذج سياسية على الأرض.

وقد عملنا في “عربي21” خلال الأشهر الماضية على تتبع معالم هذه التحولات السياسية والفكرية التي حفلت بها منطقتنا العربية وتجارب تياراتها السياسية عامة، بما فيها الإسلامية، التي ترجمت ما أصبح يُعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة بـ “مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي”، ونعمل اليوم على تسليط الضوء أكثر على تجارب الإسلاميين السياسية بين المشرق والمغرب، ليس من باب المقارنات الجغرافية المناطقية، وإنما من باب القراءة العلمية لمواطن الخلل والنجاح التي ميزت تجارب إسلاميي الربيع العربي، وما يمكن استخلاصه من دروس وعبر لا تعين على فهم أدق للفكر السياسي العربي عامة، وإنما أيضا لمعرفة وكنه أدوات التفكير العربي بشكل عام، وطرقها في التعاكطي مع مستجدات الحياة السياسية وتحدياتها المحلية والإقليمية والدولية.

ونستهل هذا الملف بدراسة علمية للباحث المغربي الدكتور محمد الشرقاوي، وهو أستاذ تسوية الصراعات الدولية في جامعة جورج ميسن في واشنطن، وكبير الباحثين في الوحدة الإنجليزية لمركز الجزيرة للدراسات، وعضو سابق في لجنة الخبراء في الأمم المتحدة، على أن نفتح الباب لإسهام عدد من أهم المفكرين والناشطين السياسيين المنشغلين بالفكر السياسي العربي عامة، والإسلامي منه بشكل خاص.

ارتباك أمريكي

ثمة انقسام حادّ بين البيت الأبيض والمؤسّسة السياسية في واشنطن، بما فيها وزارة الدفاع وأغلب أعضاء الكونغرس، بشأن عزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في مصر “جماعة إرهابية”، وتضييق الخناق سياسيا وثقافيا على أحد مكوّنات الشّعب المصري بإيعاز من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ويبدو أنّ التوافق المندفع بين الثلاثي ترامب ومستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون ووزير خارجيته مايكل بومبيو على تعهد المرشّح ترامب بضرورة مكافحة “الإرهاب الإسلامي الراديكالي “Radical Islamic terrorism”، ولم يقل الإرهاب الإسلاموي الراديكالي “Radical Islamist terrorism” خلال عام 2016، ودخول الولايات المتحدة كثالث دولة على خطّ الإمارات والسعودية في وضع الإخوان على القائمة السوداء، ينطويان على خلط ارتجالي غير متنوّر بين الحركات المعتدلة والمتشدّدة والمتطرّفة والمسلّحة.

منذ ذروة النسق الأمني لمكافحة الإرهاب عقب هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 على نيويورك وواشنطن، لم تتفق الدول والأمم المتحدة وبقية المنظمات الدولية، وحتى الهيئات الفيدرالية الأمريكية مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي “أف بي آي” ووزارتي العدل والدفاع بعد، على اعتماد مفهوم موحّد من أصل 109 مفاهيم متداولة لـ “الإرهاب”، أو معيار مشترك في تحديد الأعمال “الإرهابية” ضمن أصناف متعددة للعنف السياسي.

يثير هذا المنحى الأمريكي لشيطنة الإخوان السؤال عمّا إذا كان سيقتصر مستقبلا على إخوان مصر فقط، أم أنّ ما يحرّض عليه بولتون، أكثر من غيره في البيت الأبيض، سيكون له مفعول الدومينو ضدّ الحركات السلفية الأخرى في المشرق والمغرب والتي تُنعت بحركات الإسلام السياسي. وقد يضع دولا مثل الأردن وقطر وتونس والمغرب في “خانة اليك” بسبب وجود أحزاب وحركات إسلاموية إمّا ضمن ائتلافاتها الحكومية، أو ممثلة في برلماناتها، أو بسبب تعاطفها مع حركات وشخصيات تغرف بقدر أو بآخر من الينبوع الفكري والسياسي للإخوان المسلمين.

وتقول إيمي هوثورن Amy Hawthorne الباحثة في مؤسسة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسطك إنّ الأخطر في هذه المعادلة هو “أن الاستسلام للاستبداد الذي أبدته الولايات المتحدة نحو مصر قد يبدو هو الشيء الصحيح، ولكنه لن يأتي أبدا بالنتائج المنشودة على المدى الطويل”.

في الوقت ذاته، يثير ذلك التصنيف المرتقب معضلة إبستمولوجية ومتاهة دلالية حول الفرق بين الإسلام والإسلام السياسي الذي تنعته جلّ الأدبيات الغربية بالمفرد، وليس بصيغة الجمع بين ما أراه شخصيا إسلاماويات سياسية غير متجانسةnon-homogenous political Islamisms بالنظر إلى الفوارق الفلسفية للوجود والتعامل مع الآخر بين دار حرب “داعشية” أو “قاعدية” أو “جهادية” أو “مرابطية” أو “بوكوحرامية”، ودار سلم “إخوانية” في مصر، أو “عملية” في الأردن، أو “تنموية” في تركيا، أو “نهضوية” في تونس، أو “إنقاذية” في الجزائر، أو “إصلاحية” أو “إحسانية” في المغرب.

غير أن المنطق السياسي لدى ترامب، الذي لا يطالع الكتب وليست لديه معرفة جيدة بالعالم العربي سوى ثروات الخليج، لا يميّز بين تلك الفوارق نظرا لتشبّع مواقفه ضمنيا بسردية “صراع الحضارات”، مما يجعله الحفيد الأيديولوجي الشرعي لصامويل هينتنغتون الذي قدم فرضية “الحدود الدموية” بين الحضارات الإسلامية وغير الإسلامية. وكتب عام 1996 يقول: “هذه ليست الدعوة إلى الرغبة في الصّراع بين الحضارات، بل تقديم فرضية وصفية إلى ما قد يكون عليه المستقبل”.

بين الإسلام والسياسة

داخل السياق الأمريكي الراهن، يدرك الرئيس ترامب كيف يغازل مؤيّديه من المحافظين واليمينيين والجماعات الانجليكانية، وهو على مقربة أسابيع من إعلان ترشيحه لانتخابات 2020، بالتلويح مجدّدا بـ “تهديدات” الحركات الإسلاموية في ضوء ما تشبعت به الذهنية الأمريكية عن الإسلام من خلال كتابات بعض المستشرقين وأيضا الصور النمطية التي روّجت لها أفلام هوليود في العقود الخمسة الماضية. فأصحبت تغطية العرب والمسلمين ومناقشة أمورهم وفهمهم، كما لاحظ الراحل إدوارد سعيد، “لا تخرج عن صورتيْ مورّدي نفط أو إرهابيين محتملين. ولم يصل سوى القليل جدّا من التفاصيل وكثافة البعد الإنساني وشغف الحياة العربية والإسلامية إلى وعي أولئك الأفراد الذين تقوم وظيفتهم على تغطية العالم الإسلامي”.

هو انطباع ناجم عن قناعة ترامب أنّ “الإسلام يكرهنا” كما قال عام 2016، وعلى أساسه يعزّز اعتداده بالقوة في بناء علاقات الاختلاف والتضاد. فلغة ترامب تعمل بمثابة فهرس للقوة، “فهي تعبّر عنها، وتشارك معها عندما يقوم خلاف او تحدّ للقوة” كما توضّح روث ووداك Roth Wodak إحدى أبزر منظّري التحليل النقدي للخطاب، إذ “توفر اللغة وسيلة محاكة بدقة عن الاختلافات في مستوى القوة ضمن الهياكل الاجتماعية الهرمية”.

كان عالم السياسة الأرميني الأمريكي ريتشارد ديكميان Richard Dekmejian صاحب كتاب “الإسلام في ثورة: الأصولية في العالم العربي” الصادر عام 1933 من أوائل من اهتموا بتسييس الإسلام في ضوء فشل الحكومات العلمانية، وكان يستخدم عبارتيْ المنحى الإسلامي Islamism والمنحى الأصولي Fundamentalism بشكل مترادف في كتبه ومحاضراته في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجليس.

أمّا مصطلح “الإسلام السياسي” فيعود إلى كتابات المؤرّخ الإسرائيلي الأمريكي مارتن كرامرMartin Kramer عام 1980، إذ كتب في مقال مثير بعنوان “تحديد المصطلحات: أصوليون أم إسلاميون؟” نشره عام 2003 يقول: “يمكن أن يُنظر إلى “الإسلام السياسي” على أنّه تحريف لأنه لا يوجد مكان في العالم الإسلامي فيه دين منفصل عن السياسة”.

ويبدو هذا بمثابة قفز تنظيري ذكي إلى وصف الإسلام بأنه دين مسيّس أو أن حياة العرب والمسلمين تقوم على أركان دينية وليست مدنية، وأيضا تقزيم الإسلام كمشروع اجتماعي وفلسفي وحضاري برمّته ضمن مربّع الإسلام السياسي، وبالتالي وصمه بخطايا التطرّف والعنف اللذين تكرّسهما بعض الحركات المتشددة.

في المقابل، توحي فكرة كرامر ضمنيا بأن الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية قد وصلت مرحلة الفصل الكلي بين الدين والدولة، وهذا أمر غير دقيق. ولاتزال عبارة “نثق في الله In God We trust” تظهر على العملة الأمريكية منذ قرار الرئيس دوايت ايزنهاور عام 1956، و”ليحفظ الله أمريكاGod Bless America ” التي كتبها إرفينخ برلين Irving Berlin خلال الحرب العالمية الأولى عام 1918 خاتمة خطب الرؤساء وبقية كبار رجال السياسة، فضلا عن الإفطار الديني المتداول بين الرئيس وقساوسة الكنائس ورؤساء الهيئات الدينية في البيت الأبيض من الأدبيات والطقوس التي تؤكد تداخل الدين في السياسة الأمريكية بشكل اعتيادي.

يقول جي برنت ووكر J. Brent Walker المدير التنفيذي السابق للجنة المعمدانية المشتركة للحريات الدينية: إن هناك خمس أساطير أو مغالطات بشأن علاقة الدين والسياسة في الواقع الأمريكي، منها أن لا وجود لعبارة “الفصل بين الدين والسياسة” في الدستور الأمريكي على خلاف “الفيدرالية” و”الفصل بين السلطات” و”الحق في محاكمة نزيهة”، وأن لدى الأمريكيين “حرية الدين وليس الحرية من الدين”.

ويضيف: “أن نقول إن الله قد نُفِيَ من المجال العام هو أيضا فكرة خاطئة جسيمة. فالفصل المؤسسي بين الكنيسة والدولة لا يعني الفصل بين الدين والسياسة، أو إبعاد الله عن الحكومة، أو تجريد المواطنين المتدينين من التحدث بحماسة في المجال العام. هذا يعني فقط أنه لا يمكن للحكومة أن تصدر قوانين لها غرض أو تأثير أساسي ينهض بالدين”.

الأكثر من ذلك، أن علاقة الدين مع الدولة الأمريكية لا تبتعد عن مقوّمات الحداثة التي استمدتها الدول الغربية من فلاسفة عصر التنوير، خاصة إمانويل كانط (1724 ـ 1804)، قامت على تنظيم العلاقة بين الدين والدولة أكثر من الفصل أو القطيعة بينهما، وإنْ كان كانط يميّز بين “الاتحاد المدني” civil union و”المجتمع الأخلاقي” ethical community، في كتابه “الدين وحدود العقل وحده” الصادر عام 1793.

لا تزال كتابات برنارد لويس رائجة بين القراء وطلاب الجامعات الأمريكية في فهمهم للإسلام والمسلمين. ففي دراسة أصدرها عام 1976 بعنوان “عودة الإسلام The Return of Islam”، فصّل المنحى الإسلامي العامPan-Islamism إلى نوعين: “واحد رسمي تروّج له هذه الحكومة الإسلامية أو تلك من أجل تحقيق غاياتها، وآخر راديكالي يستند في الغالب إلى مذاهب اجتماعية ثورية، وتقودها شخصية دينية جذابة أو أكثر سواء بفضل رعاية الحكومة أو من دونها.” بيد أن مديرة برنامج “الإسلام في الغرب” في جامعة هارفارد جويسلين سيساري Jocelyne Cesariتقول في كتابها الجديد بعنوان “ما هو الإسلام السياسي” What is Political Islam، الصادر عام 2018 “ليس الإسلام هو المشكلة، بل دمج الدين في السياسة هو سبب عدم الاستقرار”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *