
سوريا التي تخشاها إسرائيل لم تولد بعد… وأنقرة تبنيها بهدوء
17/08/2026
الاستفزازات الإسرائيلية في سوريا: أنقرة ودمشق بين ضبط النفس وفخّ المواجهة
24/08/2026سوريا لا تُنقذها الضوضاء… بل وعيُ شعبٍ يحمي دولته ويبني غده
محمد صادق شيخ ديب
20 أغسطس 2026
سوريا ليست مجرد خريطة على ورق، ولا اسمًا في سجل الأمم؛ إنها ذاكرة تتنفس، وحضارة تمشي على قدمين. من أوغاريت إلى دمشق، ومن بصرى إلى حلب، حملت هذه الأرض إرثًا إنسانيًا عريقًا، وشهدت كيف تُبنى الحضارات بالكلمة والعمل قبل أن تُرسم الحدود وتُقام الدول. واليوم، حين نقول إن سوريا تُنقذ بوعي شعبها، فإننا لا نبتدع قولًا جديدًا، بل نستعيد عهدًا قديمًا: عهد الذين بنوا الأوابد قبل أن تُبنى الدول، وصانوا الكلمة قبل أن تُصان الحدود.
تمر سوريا بمرحلة تاريخية لا تحتمل التبسيط، ولا تسمح بأن تتحول جراحها العميقة إلى وقود لصراعات جديدة. فبعد سنوات طويلة من القتل والتهجير والانقسام، بات الحفاظ على الدولة السورية، أرضًا وشعبًا ومؤسسات، مسؤولية وطنية تتقدم على كثير من الخلافات. وحماية سوريا اليوم لا تعني صون ترابها فحسب، بل تعني أيضًا حماية العقل السوري من أن يتحول إلى ساحة مستباحة لكل من يريد العبث بمستقبل البلاد.
حرب الثقة: السلاح الذي لا يُرى، والجرح الذي لا يندمل
ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح. فبعد أن تُرهق الأوطان سنوات الدم، تبدأ حرب أخرى أشد خفاءً وأطول أثرًا: حرب على الوعي والثقة العامة. ومن أخطر مسارات استهداف الدولة أن تُنقل المعركة إلى داخل المجتمع، عبر إشاعة اليأس، وتحويل كل خطأ إلى دليل على الفشل المطلق، وتغذية الشك بين أبناء الشعب، ثم إقناع الناس بأن لا أمل في الإصلاح إلا بهدم ما تبقى من مؤسسات الدولة.
إن فراغ الدولة لا يصنع حرية، وانهيار المؤسسات ليس خلاصًا؛ بل قد يفتح الطريق أمام التبعية والميليشيات والتفكك. وفي مثل هذه الظروف، لا يدفع الثمن أصحاب الشعارات ولا محرّكو الحملات، بل المواطن البسيط: في أمن بيته، وقوت أطفاله، وتعليم أبنائه، وفرص عمله، وكرامته.
وحين ندعو إلى الوقوف إلى جانب الدولة، فإننا لا ندعو إلى اصطفاف أعمى، ولا نتنكر للأخطاء. فالدولة القوية لا تخاف النقد، والقيادة الواثقة لا تخشى الأسئلة، والمؤسسات الجديرة بالثقة هي التي تصغي إلى الناس، وتصحح مسارها، وتحاسب المقصرين.
ولا يعني الدفاع عن الدولة إسكات الاختلاف، بل يعني التمييز بين الرأي المسؤول، والمعلومة المضللة، والخطاب الذي يحرض على الكراهية أو يدفع المجتمع نحو الفوضى. فالكلمة مسؤولية، والمنشور مسؤولية، والإعلام مسؤولية؛ لأن الوطن الذي نريد حمايته يبدأ من الطريقة التي نخاطب بها بعضنا بعضًا.
العدالة الانتقالية: ذاكرة تحفظ، وقضاء يحاسب
ولا يكفي أن ندعو إلى الوعي، بل يجب أن نضمن ألا تُهدر دماء الضحايا هباءً. فالعدالة الانتقالية ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية: ذاكرة تحفظ، وقضاء يحاسب، وتعويض يعيد الكرامة، وضمانات تمنع تكرار الجريمة.
فمن لا يحترم ماضيه، لا يستطيع أن يبني مستقبله على أسس سليمة؛ ومن لا يحاسب مرتكبي الجرائم، يعلّم أبناءه أن القوة فوق القانون. ولذلك، فإن إنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ورد الحقوق إلى أصحابها، ليست عوائق أمام بناء الدولة، بل من شروط قيام دولة يثق بها مواطنوها.
معركة البناء: حين يتحول كل مواطن إلى لبنة في جدار الوطن
إن بناء دولة مستقرة وعادلة ليس مهمة حكومة وحدها، ولا مسؤولية جيش وحده؛ بل هو عهد يجمع السوريين جميعًا. ولا يكفي أن نرفض الفوضى، بل علينا أن نقدم بديلًا عمليًا لها، بحيث يصبح كل سوري شريكًا في الإنقاذ من موقعه:
- المسؤول: بإدارة نظيفة، وقرار مسؤول، ومؤسسات تخدم الناس وتحارب الفساد.
- القاضي: بإرساء العدل، وحماية الحقوق، ومحاسبة من يتجاوز القانون دون تمييز بين قوي وضعيف.
- الجندي: بحماية البلاد، وصون أمن المواطنين، والالتزام بسيادة القانون وكرامة الإنسان.
- الطبيب والمعلم: بخدمة الإنسان، وإعادة الثقة إلى الخدمات العامة، وبناء جيل يملك العقل النقدي ولا يقع أسيرًا للشائعة والتحريض.
- المهندس والصناعي والعامل: بإعمار ما تهدم، وتحريك الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وإعادة الإنتاج إلى الحياة.
- الإعلامي والباحث: بمواجهة التضليل بالمعلومة الدقيقة، والتحليل المتزن، واللغة التي تجمع ولا تفرق.
- الشاب: بالمبادرة والتعلم والعمل، ورفض الاستسلام لليأس، وتحويل الطموح إلى مشروع نافع.
- المرأة: بدورها الفاعل في الأسرة والمجتمع، ومشاركتها في التعليم والعمل وصنع القرار وبناء المستقبل.
- المجتمع المدني: كجسر بين الدولة والمواطن، ومراقب أمين، ومبادر في سد الثغرات وخدمة المجتمع.
- كل مواطن: بحماية السلم الأهلي، واحترام اختلاف الآخرين، وعدم تداول ما يحرض أو يزرع الفتنة.
فالدولة لا تُبنى بالانتظار، ولا تستعيد عافيتها بالشعارات وحدها، وإنما حين يتحول العمل العام إلى مسؤولية مشتركة، وحين يشعر المواطن أن جهده له قيمة، وأن حقه محفوظ، وأن القانون فوق الجميع.
الوعي: خط الدفاع الأول
إن ما مرّت به بلادنا يفرض علينا ألا نسمح لآلامنا بأن تُستخدم ضدنا. فسوريا لن يحميها من يملأ الفضاء ضجيجًا، ولا من يراهن على تعب الناس، ولا من يحوّل الجراح إلى وسيلة للمتاجرة السياسية؛ بل يحميها شعب واعٍ يعرف ما يريد، ويميز بين من يطالب بالإصلاح ومن يدفع نحو التخريب، وبين من يختلف بحس وطني ومن يستثمر في الانقسام.
فالوعي ليس أن نصدق كل ما يوافق غضبنا، ولا أن نرفض كل ما يخالف قناعاتنا؛ بل أن نسأل، ونتحقق، ونفهم السياق، ونفرق بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد الذي يفتح طريق الإصلاح والخطاب الذي يغلق أبواب الحوار.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المواطن في حماية وطنه: من الشاشة كما في الشارع، ومن الكلمة كما في الموقف.
السيادة: من موقع المصلحة الوطنية
ولا نغفل أن سوريا ليست جزيرة معزولة. فالإقليم يغلي، والعالم يتصارع، والمصالح تتقاطع على جسد الوطن. لكن هذا لا يعني أن نسلّم مصيرنا للآخرين، أو أن تتحول حاجتنا إلى تبعية.
فالدولة القوية هي التي تتعامل مع العالم من موقع المصلحة الوطنية، وتحافظ على قرارها، وتبني علاقاتها على الاحترام والمصالح المتبادلة. والسيادة الحقيقية تبدأ من الداخل: من مواطن يثق بمؤسساته، ومن اقتصاد قادر على الإنتاج، ومن مؤسسات لا تُدار بمنطق الغنيمة، ومن جيش يحمي الوطن ويلتزم القانون ويحفظ كرامة المواطنين.
ولنجعل مصلحة سوريا العليا فوق كل اعتبار: مصلحة شعبها بكل تنوعه، وأمنها وسيادتها، ومؤسساتها، وقيادة ننتظر منها الكفاءة والشفافية والقدرة على جمع الصف وفتح طريق البناء والإصلاح.
فليكن اختلافنا في الرأي جسرًا إلى الإصلاح، لا معبرًا إلى التفكيك، ولتكن المنافسة في خدمة الوطن، لا وسيلة لتحويل جراحه إلى وقود لصراعات جديدة.
ميثاق وطني يبدأ اليوم
فليكن هذا النداء بداية لا نهاية؛ ميثاقًا وطنيًا يلتزم به كل سوري، في الداخل والخارج، أن يكون شريكًا في البناء، لا شاهدًا على الهدم. ولتبدأ المبادرة من اليوم: من كلمة نكتبها، وحوار نبدأه، ومبادرة نطلقها، ويد نمدها.
فالوطن لا يُبنى بالخطب، بل بالعمل؛ ولا يُصان بالصمت، بل بالمسؤولية؛ ولا يُورث للأبناء إلا إذا حملناه نحن اليوم بوعي وشجاعة وأمانة.
إننا نحمل معول البناء في يد، وحصانة الوعي في اليد الأخرى، كي لا يرث أبناؤنا وطنًا مثقلًا بالخوف، بل وطنًا قادرًا على الحياة والنهوض والعدالة.
فلنحمل مسؤولية وطننا بوعي لا يُستدرج، وعمل لا يتوقف، وأمل لا تسمح الجراح بأن ينكسر.


