
من يصنع التاريخ في سوريا؟
12/07/2026
قراءة في أبعاد “حرب المضايق” وتحوّل قواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران
18/07/2026توازنات السيادة والبراغماتية
قراءة في الهندسة الجيوسياسية لانتخابات مجلس الشعب السوري
محمد صادق شيخ ديب | 14 تموز 2026
ملخص تنفيذي
كشفت جلسة انتخاب الهيئة الرئاسية لمجلس الشعب السوري عن هندسة سياسية دقيقة، حيث غاب أي ممثل من محافظة حلب، وهي الأثقل سكانياً واقتصادياً وانتخابياً في البلاد عن المواقع القيادية الأربعة (الرئاسة ونائبيها وأمانة السر)، رغم ما يتردد عن إفراز صناديق الاقتراع فيها لكتلة نيابية وازنة محسوبة على تيار إسلامي محافظ ذي خلفية سنّية، إذ تحدثت تسريبات منسوبة لأعضاء في المجلس عن نحو أربعين نائباً من هذا التوجه، وهو رقم لم يُؤكَّد من مصدر رسمي مستقل.
والمفارقة الجوهرية أن هذا التيار يُصنَّف خارجياً كامتداد لجماعة الإخوان المسلمين، بينما الواقع الداخلي يخلو من أي بنية تنظيمية إخوانية معلنة، منذ أن جرّم القانون رقم 49 لعام 1980 الانتساب إليها وعاقب عليه بالإعدام، ما دفعه للذوبان ضمن تشكيلات اجتماعية محافظة لا تحمل لافتة حركية.
تُرجع المقالة هذا الإقصاء إلى رغبة دمشق في تجنب إغضاب محور (القاهرة-أبو ظبي-الرياض)، المعروف بعدائه البنيوي لتيارات الإسلام السياسي، كما تجلى في تجربتي مصر 2013 وتونس بمباركة ضمنية من واشنطن وبروكسل، في مقاربة تقوم على استرضاء تصنيفات أمنية جاهزة أكثر من كونها توافقاً وطنياً حقيقياً. وتطرح المقالة سؤالاً محورياً حول مبدأ “المعاملة بالمثل”: فبينما تُقدّم دمشق تنازلات داخلية مؤلمة لإرضاء هذه العواصم، لا تُبدي الأخيرة التزاماً مماثلاً تجاه حقوق وكرامة المواطن السوري، وسط استمرار قيود على الجاليات السورية في بعض العواصم العربية ذاتها، ما يجعل تحييد حلب تهديداً حقيقياً لاستقرار العملية التمثيلية أكثر من كونه حلاً لها.
مقدمة
لم يكن اجتماع الهيئة الرئاسية لمجلس الشعب السوري حدثاً إجرائياً عابراً، بل محطة كاشفة لموازين قوى داخلية وخارجية تتقاطع عندها حسابات المناطقية والأيديولوجيا والانفتاح الاقتصادي على المحيط العربي. اختيار رئيس البرلمان ونوابه وأمين سره تحوّل، بحسب متابعين للشأن السوري، إلى ما يشبه رسالة موجهة بعناية إلى عواصم القرار في أبو ظبي والقاهرة والرياض، وواشنطن وبروكسل.
ملاحظة منهجية: تعتمد هذه المقالة على ثلاثة مستويات من المعطيات يجب التمييز بينها بوضوح: (أ) وقائع مؤكدة كنتائج التصويت وأسماء الفائزين، (ب) تقارير صحفية منشورة منسوبة لمصادرها، (ج) تسريبات وتقديرات متداولة عبر قنوات غير رسمية (كمجموعات واتساب لأعضاء المجلس) لم تحظَ بتأكيد مستقل. سنشير إلى كل معطى بحسب فئته.
أولاً: عن دقة توصيف الكتلة المُقصاة
وقائع: لا يوجد داخل سوريا اليوم تنظيم معلن أو مُهيكل لجماعة الإخوان المسلمين؛ فالقانون رقم 49 لعام 1980 جرّم الانتساب إليها وعاقب عليه بالإعدام، ما دفع بامتداد هذا التيار الفكري إلى الذوبان كأفراد داخل تشكيلات اجتماعية ودينية محافظة واسعة لا تحمل لافتة تنظيمية رسمية.
لذلك فإن التوصيف الأدق تحليلياً هو الحديث عن كتلة محسوبة على التيار الإسلامي المحافظ ذي الخلفية السنّية، لا عن “كتلة إخوانية” بالمعنى الحركي الدقيق. ومنصات إعلامية مثل “حلب اليوم” كان لها خط تحريري قريب من المعارضة السورية ومن الخلفية الإسلامية عموماً إبّان سنوات الحرب، وهذا لا يُترجَم تلقائياً إلى عضوية تنظيمية موثقة.
تقدير غير مؤكد: ومع ذلك، لا تزال عواصم إقليمية وغربية تتعامل مع هذا التيار كامتداد مباشر للإخوان، وتُسقط عليه التصنيف الأمني ذاته الذي تحمله الجماعة في سياقات أخرى، وهذه الفجوة بين الواقع التنظيمي الداخلي والتصنيف الخارجي المستورد هي جوهر الإشكالية التي تتناولها هذه المقالة.
ثانياً: من الفائز، ومن الغائب؟
وقائع مؤكدة: أفرزت الجلسة العلنية أربعة أسماء لرئاسة المجلس:
- عبد الحميد العواك (رئيساً) من حي الغويران في الحسكة.
- مصطفى موسى (نائباً أول) من بلدة الحمامة التابعة لجسر الشغور في إدلب.
- الدكتورة مادونا بشارة (نائبة ثانية)، أكاديمية من جامعة تشرين، ممثلة عن اللاذقية والمكوّن المسيحي.
- مؤيد حبيب (أميناً للسر) من داريا في ريف دمشق.
لا اسم واحد من حلب بين الأربعة، رغم أن حلب، بحسب الوزن السكاني والاقتصادي المعروف للمحافظة تُعدّ الأثقل تمثيلاً نيابياً في المجلس.
تسريبات غير مؤكدة، ينبغي التعامل معها بحذر: تحدثت مصادر متداولة عبر قنوات تواصل خاصة بأعضاء المجلس عن وجود ما يقارب أربعين عضواً محسوباً على التيار الإسلامي المحافظ، أغلبهم من حلب، بزعامة عزام خانجي صاحب قناة “حلب اليوم”. هذا الرقم لم يرد في أي مصدر رسمي أو صحفي موثق مستقل، ويجب التعامل معه كتقدير تقريبي من متابعين لا كإحصاء دقيق، إلى أن يُؤكَّد أو يُنفى من مصدر مستقل.
تقرير صحفي: ذكرت صحيفة “الشرق الأوسط” أن نقاشاً جرى بين أعضاء المجلس وممثلين عن السلطة التنفيذية حول شخصية توافقية لا تثير حساسية دول صديقة، وهو ما يتسق مع غياب أي مرشح من التيار الإسلامي المحافظ عن القائمة النهائية. كما يُذكر أن مؤيد الغزلان (من درعا)، وهو المرشح الذي كان الرئيس يميل إلى دعمه، لم يحصل بدوره على أي منصب، ما يشير إلى أن النتيجة جاءت كصيغة توافق بين أكثر من مركز قوى، لا كحسم أحادي من جهة واحدة.
ثالثاً: منطق الدولة، البراغماتية أم الإقصاء المموّه؟
من زاوية الدولة، فإن المرحلة الحالية تتطلب أدوات سياسية مختلفة جذرياً عن مرحلة الصراع؛ فالأولوية معلنة لجذب الاستثمارات وفتح قنوات دبلوماسية مع محور (القاهرة–أبو ظبي–الرياض). ويرى مؤيدو هذا التوجه أن الدولة السورية، بهشاشتها الأمنية والاقتصادية الراهنة وحاجتها الملحة لإعادة الإعمار والاعتراف الدولي، لا تملك ترف الدخول في مواجهة مبكرة مع محاور إقليمية قادرة على التأثير في مسارها الاقتصادي. من هذا المنظور فإن تحييد كتلة حلب ليس عقاباً أيديولوجياً بقدر ما هو إجراء احترازي مؤقت يهدف لكسب الوقت وبناء الثقة الخارجية قبل فتح ملف التمثيل السياسي الكامل للتيارات المختلفة.
غير أن هذا التبرير نفسه هو ما يفتح باب النقد الأوسع: فالفارق بين “الاحتراز المرحلي” و”الإقصاء البنيوي” يقاس بالزمن وبمدى استمرار الاستبعاد، وليس بالنوايا المعلنة وحدها. وإذا كان المعيار الفعلي، كما يشير غياب أي اسم حلبي رغم الثقل العددي للكتلة، هو إرضاء حساسيات خارجية أكثر منه توافقاً وطنياً حقيقياً، فإن ذلك يمسّ مباشرة بمبدأ التمثيل النيابي الذي يُفترض أن يقوم عليه أي برلمان: أن يعكس تركيبة الناخبين لا أن يُصفّى بحسب مقاييس عواصم أخرى.
هذه هي بالضبط المفارقة التي تستحق أن توضع في صلب أي تحليل جيوسياسي جاد: دولة تسعى للانفتاح على الخارج بثمن تهميش أكبر تجمع سكاني واقتصادي وانتخابي في الداخل.
رابعاً: الدور الإماراتي-المصري وجدلية “المعاملة بالمثل”
تقود الإمارات ومصر، بحسب قراءات إقليمية متعددة، المحور الأكثر تحفظاً تجاه تيار الإسلام السياسي في المنطقة، وهو موقف تشكّل عبر تجارب إقليمية سابقة، من مصر عام 2013 إلى تونس حيث أُطيح رئيس حركة النهضة من رئاسة البرلمان ثم من المشهد السياسي على يد قيس سعيّد. وتُسقط هذه القراءة الإقليمية تصنيف “الإخوان” على الحالة السورية، رغم أن الواقع التنظيمي الداخلي، كما أوضحنا، لا يحتمل هذا التوصيف بدقة.
في المقابل، يطرح كثير من المتابعين السوريين سؤالاً لا يمكن تجاوزه: إذا كانت دمشق تراعي إلى هذا الحد حساسيات الدول الحليفة عند هندسة مؤسساتها الداخلية، فهل تحظى هي والمواطن السوري بمعاملة مماثلة من هذه الدول؟
تقرير صحفي: نشرت صحيفة “الأوبزرفر” البريطانية تقريراً يفيد بأن أسماء الأسد تملك إقامة في الإمارات وأنها زارت دبي مؤخراً وأقامت في أحد فنادقها الفاخرة. لكن تقارير أخرى لاحقة، من بينها ما نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية في يونيو 2026، ذكرت أن طلب أسرة الأسد الحصول على إقامة دائمة في أبو ظبي قوبل بالرفض لاعتبارات أمنية، وأن مقر إقامة الأسرة الرئيسي هو موسكو. هذا التضارب بين التقارير يستدعي عرض الصورة كما هي، معقدة وغير حاسمة بدل تبسيطها في اتجاه واحد: فسواء كانت العلاقة “استضافة” كاملة أو “تساهل جزئي مع رفض التوطين”، يبقى جوهر الانتقاد قائماً، وهو أن دوائر مقربة من نظام سابق متهم بجرائم موثقة ما زالت تحظى بحرية حركة ومعاملة لا يحظى بها آلاف السوريين العاديين في الدول ذاتها، فيما تستمر قيود على الجاليات السورية في بعض العواصم العربية، وعلى رأسها القاهرة التي لم تُقدِم حتى الآن على استقبال سفير سوري جديد.
هذه الفجوة، بين تنازلات داخلية مطلوبة من دمشق وبين غياب التزام مماثل تجاه كرامة السوريين وحقوقهم من الجانب الآخر تبقى النقطة الأكثر إلحاحاً في أي نقاش حول مبدأ “المعاملة بالمثل”.
خامساً: زاوية التمثيل الشعبي المغيّبة
حلب ليست مجرد “كتلة مناطقية” كما حاول بعض الخطاب الرسمي تأطيرها، بل هي المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان والأثقل اقتصادياً في سوريا، وقد أفرزت الصناديق فيها تمثيلاً نيابياً واسعاً يعكس توجهات شريحة كبيرة من ناخبيها ذات الخلفية الإسلامية المحافظة.
حين يُستبعد هذا التمثيل بالكامل من هرم القرار التشريعي تحت وصم جاهز بـ “الإخوانية”، رغم غياب أي بنية تنظيمية إخوانية معلنة أصلاً فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كان المعيار الفعلي هو “التوافق الوطني” كما يُعلَن رسمياً، أم إرضاء حساسيات خارجية على حساب الإرادة الانتخابية لأكبر مدينة سورية وأكثرها ثقلاً بشرياً واقتصادياً.
أنصار هذا الطرح يستندون إلى حجة ديموغرافية-انتخابية صريحة: تيار بهذا الحجم الشعبي، إن صحّت التقديرات المتداولة عن حجمه ولو تقريبياً، لا يمكن اعتباره هامشاً يُدار أمنياً، بل مكوّناً أساسياً من المشهد السياسي السوري يستحق تمثيلاً يوازي وزنه الفعلي في الصناديق، بصرف النظر عن حساسيات عواصم لا تملك تفويضاً من الناخب السوري لتقرر من يمثله. ويرون أن استمرار التعامل مع هذا التيار بمنطق الإقصاء الأمني، بدل إدماجه ضمن قواعد سياسية وقانونية واضحة، هو ما يهدد فعلياً استقرار العملية التمثيلية على المدى الطويل، أكثر مما يهدده وجوده داخل المؤسسات.
في المقابل، يرى مؤيدو قرار الدولة أن التريث في منح هذا التيار حضوراً مؤسسياً كاملاً في هذه المرحلة تحديداً، قبل استقرار الدولة الجديدة وترسّخ علاقاتها الإقليمية هو خيار مرحلي وليس حكماً نهائياً بالإقصاء، وأن أي تسرّع في هذا الملف قد يُعرّض مسار إعادة الإعمار بأكمله للخطر.
خاتمة
نجحت دمشق، في هذه الجولة، في تفادي أزمة دبلوماسية مع محور (القاهرة–أبوظبي–الرياض) عبر هندسة دقيقة لهيئة رئاسة البرلمان. لكن هذا النجاح التكتيكي يبقى رهيناً بترجمته إلى مكاسب فعلية: استثمار خليجي ملموس، اعتراف دبلوماسي كامل من القاهرة، ومعاملة بالمثل حقيقية تجاه المواطنين السوريين.
التحدي الأكبر داخلياً هو ألا يتحول تحييد حلب من إجراء مرحلي إلى نمط دائم لإقصاء أكبر كتلة تمثيلية شعبية، استناداً إلى وصم تنظيمي لا يعكس واقعاً داخلياً خالياً من أي بنية إخوانية معلنة. فالاستقرار الذي تسعى إليه دمشق لن يكتمل إلا إذا شعر السوريون أن تمثيلهم يُحتسب بميزان الصندوق، لا بميزان الحسابات الإقليمية وحدها.
وهي قراءة تبقى مفتوحة على التطورات، لا حكماً نهائياً، بانتظار معطيات موثقة تؤكد أو تنفي التقديرات المتداولة حول حجم هذا التيار وطبيعة إقصائه.


