سوريا في مرحلة التحوّل بين رهانات الانتقال وتحديات الواقع
31/05/2026
دبلوماسية المليارات مقابل الأمن
05/06/2026
سوريا في مرحلة التحوّل بين رهانات الانتقال وتحديات الواقع
31/05/2026
دبلوماسية المليارات مقابل الأمن
05/06/2026
مشاهدة الكل

الجغرافيا السياسية في مواجهة التفتيت … قراءة استراتيجية في الملف السوري–الإسرائيلي

الجغرافيا السياسية في مواجهة التفتيت

قراءة استراتيجية في الملف السوري–الإسرائيلي

م. محمد صادق شيخ ديب 

3 يونيو 2026

مقدمة

في السياسة، ما لا يُقال صراحةً غالباً أهم مما يُعلَن. والعلاقة بين دمشق وتل أبيب نموذج صارخ على ذلك.

منذ التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا عام 2024، لم يعد هذا الملف يُقرأ بأدوات التحليل التقليدية، حروب وهدنات وخطوط تماس. ما يجري اليوم أكثر تعقيداً وأعمق أثراً: منافسة على ممرات التجارة العالمية، وهندسة ديموغرافية تُعاد رسمها بهدوء، وصراع نفوذ إقليمي يتشكل بعيداً عن كاميرات الأخبار.

الإعلام يُغرقنا بتفاصيل المشهد اليومي، بيانات، وردود أفعال، وتصريحات. لكن من يتوقف عند التفاصيل وحدها يفوته السؤال الأهم: لماذا يتصرف كل طرف بالطريقة التي يتصرف بها؟ وما الذي يُحرّك هذا الملف فعلاً تحت السطح؟

هذه القراءة محاولة للإجابة.

  1. ماذا تريد إسرائيل فعلاً؟

خلال العقود الماضية، فضّلت تل أبيب وجود نظام ضعيف في دمشق يحافظ على هدوء الجولان ويمنحها ذريعة لضرب أي تموضع إيراني. لكن بعد سقوط النظام السابق، تغيّرت اللعبة جذرياً.

تحرّكت القوات الإسرائيلية فوراً لتثبيت وجودها في المناطق العازلة بالقنيطرة وجبل الشيخ وريف درعا، مخترقةً اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. وقد وثّقت بعثة الأمم المتحدة UNDOF في تقاريرها عام 2025 تجاوزات الخط الفاصل وفق القرار الأممي 350 — وهو ما تصفه تل أبيب بـ “الإجراءات الدفاعية المؤقتة”، فيما تراه دمشق وكثير من المجتمع الدولي احتلالاً جديداً يكرّس الأمر الواقع.

الموقف الإسرائيلي: إجراءات دفاعية مؤقتة لملء الفراغ الأمني وحماية الحدود الشمالية من التهديدات المحتملة.

الموقف السوري: احتلال جديد يكرّس الأمر الواقع ويخالف صراحةً القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن المعتمدة.

وعلى صعيد موازٍ، رصدت مجموعة الأزمات الدولية مخاوف موثقة من محاولات دعم مشاريع “حكم ذاتي” في بعض المحافظات الجنوبية، بهدف إحاطة دمشق بحزام من الكيانات الهشة تُضعف تماسك الدولة المركزية. الاستراتيجية واضحة: سوريا مجزأة أسهل إدارةً من سوريا موحّدة.

  1. الشمال الشرقي — ورقة الضغط المزدوجة

يمثّل الشمال الشرقي السوري ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متشابكة. رصد معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى دعماً إسرائيلياً غير مباشر لمشاريع اللامركزية الكردية، بوصفها أداةً لتقسيم الثروات النفطية والزراعية السورية وإضعاف سلطة المركز. في المقابل، شكّل التنسيق السوري–التركي–العربي ثقلاً موازناً يحول دون تحوّل هذه المناطق إلى بؤر انفصالية دائمة.

لكن ثمة تمييز جوهري لا بد من الإشارة إليه: الحقوق السياسية والثقافية للمكوّن الكردي استحقاق وطني سوري مشروع، يختلف كلياً عن توظيفه ورقةَ ضغط في يد أطراف خارجية. الخلط بين المسألتين خدمة للتفتيت لا للعدالة.

  1. الصراع الصامت على خرائط التجارة العالمية

هنا يكمن جوهر المنافسة الحقيقية التي نادراً ما تتصدر نشرات الأخبار.

تسعى إسرائيل لترسيخ ممر التجارة الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي (IMEC) بوصفه الشريان اللوجستي الرئيسي للتجارة العالمية عبر موانئها، لا سيما مع تصاعد مخاطر الملاحة في مضيق هرمز وممرات البحر الأحمر. المنطق بسيط: من يتحكم بالممرات يتحكم بالاقتصاد.

غير أن الجغرافيا السورية تقدم منافساً حقيقياً لهذا المشروع. فسوريا تقع في قلب الطريق الأقصر والأكثر أماناً الذي يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط ومنه إلى أوروبا عبر الأناضول التركي. وهو ما تعمل دمشق على تفعيله من خلال إعادة تأهيل أربعة محاور متكاملة:

شبكات النقل البري، وخط الغاز العربي، وسكة حديد الحجاز، والممرات التركية المتصلة بها. وقد أشارت تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي 2024 إلى أن تفعيل هذه البنية التحتية وحدها كفيل بتخفيض تكاليف الشحن الإقليمي ما بين 18% و23%، رقم يعني في لغة الاقتصاد تحولاً في خرائط التجارة العالمية لا مجرد توفير في الشحن.

هذا الصراع الجيواقتصادي الصامت، لا الخلافات الأيديولوجية المعلنة، هو ما يفسّر جانباً كبيراً من الاهتمام الإسرائيلي باستمرار الهشاشة السورية.

سوريا المستقرة والمتصلة بمحيطها تهديد اقتصادي استراتيجي لا يقل أهمية عن أي تهديد عسكري.

  1. ما جرى خلف الأبواب الدبلوماسية

انخراط الدبلوماسية السورية في محادثات غير مباشرة — سواء في باريس مايو 2025 أو في أذربيجان برعاية تركية–قطرية–إماراتية — لم يكن رغبةً في التطبيع المجاني. كان استجابةً لضغوط دولية تهدف إلى اختبار جدية المجتمع الدولي في رفع العقوبات الاقتصادية عن شعب سوريا، وإلزام إسرائيل بالعودة إلى حدود اتفاقية 1974.

الرد السوري جاء حاسماً: حظر رسمي على دخول البضائع الإسرائيلية — رسالة واضحة بأن السيادة الوطنية والأراضي المحتلة ليست محل مساومة تحت أي ضغط اقتصادي أو سياسي.

تعكس هذه المعادلة موقفاً ثابتاً: دمشق مستعدة للانخراط الدبلوماسي، لكنها ترفض أي تطبيع يكرّس الوقائع الميدانية الجديدة دون معالجة جذور الصراع. مسار التسوية لا يمر إلا عبر الشرعية الدولية الكاملة.

  1. الهوية الوطنية في مواجهة التفتيت

لا تنفصل الأبعاد السياسية والاقتصادية عن أثرها الاجتماعي العميق، بل إن المعركة على الهوية الوطنية هي في جوهرها الرهان الأخطر في هذا الصراع كله.

محاولات توظيف الانقسامات الطائفية والإثنية ليست ظاهرة عفوية، هي استراتيجية ممنهجة تستهدف تحويل التنوع السوري من ثروة إلى وقود للتفكك.

وسوريا بتركيبتها التي تجمع العرب والأكراد والدروز والمسيحيين وسائر المكونات، تُقدَّم في بعض الروايات الخارجية وكأنها دولة على وشك الانهيار الهوياتي، وهي رواية تخدم مشاريع التقسيم أكثر مما تعكس الحقيقة.

غير أن ما كشفته مرحلة إعادة البناء السورية هو عكس ذلك تماماً. فالمجتمع السوري الذي عاش سنوات الحرب والتهجير والحصار يدرك اليوم بوعي مختلف أن الوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي الضمانة الفعلية الوحيدة للسيادة والتنمية والكرامة في آنٍ واحد. الهشاشة التي راهن عليها البعض لم تتحول إلى تفتت، بل تحولت إلى وعي.

سوريا التي تعرف نفسها وتتصالح مع تنوعها الداخلي على أسس المواطنة لا الطائفة، لا تُفتَّت بسهولة، وهذا بحد ذاته يُربك كل الحسابات التي بُنيت على افتراض انهيارها.

  1. المقاربة الاستراتيجية المطلوبة

١تفعيل آليات أممية صارمة لمراقبة الانتهاكات الحدودية استناداً إلى القرارين 338 و350، وإلزام كافة الأطراف بالعودة إلى خطوط 1974.

٢بناء تحالف اقتصادي إقليمي يرسّخ الممر البري السوري في خرائط التجارة الدولية، مشروطاً برفع العقوبات لتأهيل البنية التحتية.

٣تعزيز التنسيق السوري–التركي–العربي لمواجهة مشاريع التفتيت، مع الفصل الواضح بين هذا التنسيق وملف الحقوق الكردية المشروعة.

٤توحيد المؤسسات السورية بوصفه الشرط الضروري لأي تسوية سياسية مستدامة تنطلق من الشرعية الدولية لا من موازين القوى الراهنة.

سوريا القوية الموحّدة ليست حاجة سورية وحسب — هي حاجة استراتيجية لاستقرار الشرق الأوسط بأسره. وأي محاولة لتجاوزها اقتصادياً أو مكانياً ستصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443