
قوات سوريا الديمقراطية #قسد من التشكّل الوظيفي إلى المأزق السيادي في سوريا ما بعد الأسد
20/01/2026
الشرق الأوسط على شفير الانفجار: حشود أمريكية، صراعات إقليمية، وحروب بالوكالة!
27/01/2026الإمارات والكيان الصهيوني: من التطبيع إلى الاندماج الوظيفي في الإقليم
م. محمد صادق شيخ ديب | 25.01.2026
مقدمة
لم تعد العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني موضوعًا خلافيًا عابرًا أو مسألة دبلوماسية قابلة للاختزال في اتفاقيات سياسية أو اقتصادية، بل باتت – وفق معطيات متراكمة خلال السنوات الأخيرة – أحد المسارات المؤثرة في إعادة تشكيل توازنات القوة في الإقليم العربي.
وتنبع أهمية تناول هذه العلاقة من كونها تجاوزت إطار “التطبيع” إلى مستوى أعمق من التنسيق السياسي والأمني، بما يفرض تساؤلات مشروعة حول آثارها على القضايا المركزية للأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ووحدة الدول، واستقلال القرار السيادي.
وفي هذا السياق، يبرز ما كتبه د. أحمد بن عثمان التويجري في مقال نُشر سابقًا في صحيفة الجزيرة السعودية، والذي تناول فيه بعض أوجه الدور الإماراتي الإقليمي. وقد أُثير جدل واسع حول حذف المقال لاحقًا، في واقعة عكست “بغض النظر عن تفاصيلها” حساسية عالية تحيط بهذا الملف، وضيق هامش النقاش المسموح به حين يتعلق الأمر بعلاقات إقليمية متشابكة مع الكيان الصهيوني.
أولًا: من التطبيع إلى الشراكة متعددة المستويات
منذ الإعلان عن اتفاقيات التطبيع، لم تقتصر العلاقة الإماراتية–الإسرائيلية على التمثيل الدبلوماسي أو التبادل التجاري، بل تطورت تدريجيًا إلى شراكة متعددة الأبعاد شملت:
- التعاون الأمني والاستخباراتي
- التنسيق السياسي في ملفات إقليمية
- الشراكات التكنولوجية والعسكرية
- الحضور المتبادل في مناطق حساسة جيوسياسيًا
هذا التحول يشير إلى انتقال الإمارات من موقع الدولة المطبّعة إلى موقع الفاعل الوظيفي ضمن منظومة إقليمية تسعى إسرائيل إلى بنائها، بما يخدم رؤيتها للأمن الإقليمي وتفكيك مراكز القوة العربية التقليدية.
ثانياً: تفنيد حجة الواقعية والازدهار:
معضلة الواقعية السياسية ووهُم الازدهار: قد يطرح البعض مبررات لهذا المسار تحت لافتة الواقعية السياسية أو السعي لتحقيق الازدهار الاقتصادي عبر تصفير المشكلات والاندماج في سوق التكنولوجيا الإسرائيلي، إلا أن هذه الحجة تتجاهل حقيقتين بنيويتين:
الأولى: أن الواقعية في أبسط مبادئها تعني حماية الأمن القومي للدولة عبر التوازن مع محيطها الطبيعي، بينما يؤدي الاندماج مع الكيان الصهيوني إلى خلق حالة غربة استراتيجية تضع الدولة في تصادم طويل الأمد مع وجدان الشعوب ومصالح الدول المجاورة.
والثانية: أن الازدهار القائم على شراكات أمنية وتقنية مع قوة احتلال يظل ازدهاراً قلقاً ومرتبطاً بدورة الصراع، ولا يمكن أن يشكل بديلاً عن التكامل الاقتصادي العربي البيني الذي يمتلك العمق البشري والجغرافي المستدام. وبذلك، تتحول هذه الواقعية من أداة لحماية الدولة إلى وسيلة لرهن قرارها السيادي بمصالح قوى خارجية.
ثالثًا: طبيعة التهديد – من هو المستهدف؟
تُظهر قراءة مسار هذه الشراكة أن مخرجاتها العملية لم تتجه نحو مواجهة تهديدات خارجية مشتركة بقدر ما انعكست على:
- إضعاف قوى المقاومة الفلسطينية
- إعادة هندسة الصراعات الداخلية في عدد من الدول العربية
- محاصرة أي مشروع استقلال سياسي أو اقتصادي خارج منظومة الهيمنة الغربية–الإسرائيلية
وبذلك، فإن أثر هذا التحالف يبدو “وفق النتائج لا الشعارات” موجّهًا بالدرجة الأولى إلى الشعوب العربية ومجالات حركتها السياسية، لا إلى أعداء خارجيين كما يُروَّج رسميًا.
رابعًا: ملاحظات استراتيجية على السياسات الإماراتية الإقليمية
- القضية الفلسطينية
تشير تقارير إعلامية وحقوقية متعددة إلى أن الإمارات لم تكتفِ بتطبيع العلاقات، بل مارست أدوارًا سياسية ضاغطة في سياق إقليمي ساهم في عزل المقاومة الفلسطينية سياسيًا، وتوفير غطاء دبلوماسي للسياسات الإسرائيلية، خاصة خلال الاعتداءات المتكررة على قطاع غزة.
وتذهب بعض التقارير إلى الحديث عن أشكال من التنسيق الأمني غير المعلن، وهو ما إن ثبت ينقل العلاقة من مستوى التطبيع إلى مستوى التواطؤ السياسي.
- الصراعات الداخلية في الدول العربية
في عدد من الساحات العربية، برز الدور الإماراتي باعتباره عاملًا مؤثرًا في تعقيد الأزمات بدل احتوائها:
- في اليمن: دعم قوى محلية ذات أجندات انفصالية، ما أضعف وحدة الدولة.
- في ليبيا: دعم أطراف عسكرية على حساب المسار السياسي المعترف به دوليًا.
- في السودان: اتهامات بدعم قوى مسلحة متورطة في انتهاكات جسيمة.
- في الصومال والقرن الإفريقي: سعي لبناء نفوذ أمني واقتصادي يتقاطع مع المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر.
- النفوذ الاقتصادي كأداة سياسية
اعتمدت الإمارات في عدد من الدول العربية على النفوذ الاقتصادي والاستثماري كمدخل للتأثير السياسي، عبر السيطرة على موانئ ومرافق استراتيجية وقطاعات حيوية.
ورغم تقديم ذلك في إطار الاستثمار، إلا أن نمطه وتوقيته يثير تساؤلات حول استخدام الاقتصاد كوسيلة لإعادة تشكيل القرار السيادي بما ينسجم مع أولويات إقليمية أوسع، في مقدمتها المصالح الإسرائيلية.
وعلاوة على الأبعاد الأمنية، يبرز المحرك الاقتصادي الجيوسياسي كعمود فقري لهذا التحالف، حيث يسعى الطرفان لترسيخ محور “الهند-الشرق الأوسط-أوروبا”. هذا المسار لا يهدف فقط إلى خلق بدائل تجارية، بل يسعى إلى جعل الموانئ الإماراتية والتقنية الإسرائيلية نقاط ارتكاز لا غنى عنها في سلاسل التوريد العالمية. إن هذا الاندماج يستهدف في جوهره إعادة تعريف المركزية الإقليمية، عبر نقل ثقل التأثير من العمق العربي التاريخي إلى أطراف جغرافية ترتبط مصالحها عضوياً بالمشاريع العابرة للقارات، مما يهمش الدور الجيوسياسي التقليدي لدول المركز العربي
- الموقف من التيارات الإسلامية
داخليًا وخارجيًا، تبنّت أبوظبي سياسة معادية لأي تعبير إسلامي مستقل، سواء كان سياسيًا أو دعويًا، وموّلت حملات ضغط وتشويه في الغرب ضد مؤسسات وشخصيات إسلامية.
ويتقاطع هذا التوجه مع الرؤية الإسرائيلية التي تعتبر أي وعي إسلامي سياسي تهديدًا استراتيجيًا طويل المدى.
خامساً: التمييز بين الدولة والشعب
من الضروري، أخلاقيًا ومنهجيًا، التمييز بين الشعب الإماراتي، الذي يشترك مع محيطه العربي والإسلامي في الدين واللغة والتاريخ، وبين السياسات الرسمية التي اتخذت مسارًا تصادميًا مع قضايا الأمة.
فالنقد موجّه إلى الخيارات السياسية، لا إلى الشعوب، ولا إلى المجتمعات.
سادساً: آفاق ومخاطر استراتيجية – السيناريوهات المستقبلية:
يواجه هذا المسار الاندماجي ثلاثة سيناريوهات قد تعيد رسم حدود التحالف أو تضعه في مأزق استراتيجي:
أولاً: تقلبات المظلة الأمريكية؛ فالمراهنة المطلقة على دور وظيفي تحت الحماية الأمريكية قد تصطدم بتغير الأولويات في واشنطن أو تراجع اهتمامها بالمنطقة، مما يترك القوى الوظيفية في مواجهة مباشرة مع محيطها دون غطاء دولي كافٍ.
ثانياً: التحولات الجيوسياسية الإقليمية؛ إذ إن أي تقارب حقيقي ومستدام بين القوى الكبرى في المنطقة (مثل السعودية ومصر وتركيا) قد يسحب البساط من تحت استراتيجية الاستقطاب التي يقتات عليها التحالف مع الكيان الصهيوني، ويجعل من سياسة العداء للمحيط عبئاً لا ميزة.
ثالثاً: الانفجار الشعبي وتكلفة التطبيع؛ فمع تصاعد الجرائم الإسرائيلية، تزداد فجوة الانفصال بين السلطة والمجتمع عربياً وإماراتياً، مما يجعل من هذا التحالف بنية فوقية هشة قد تنهار أمام أي موجة وعي جمعي أو تغيير في موازين القوى الداخلية، خاصة وأن التاريخ يؤكد أن التحالفات التي تفتقر للظهير الشعبي تظل رهينة لتقلبات الأنظمة لا ثبات الدول.
خاتمة: مآلات التحالف وحدوده
تُظهر التجارب التاريخية أن التحالفات القائمة على معاداة المحيط الطبيعي، والارتهان لقوى خارجية، قد توفر مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنها غالبًا ما تنتهي بخسائر استراتيجية بعيدة المدى
وإن استمرار السياسات الإماراتية في الاندماج الوظيفي مع المشروع الصهيوني، على حساب فلسطين ووحدة الشعوب العربية، يضع المنطقة أمام مزيد من التفكك وعدم الاستقرار.
ومهما بلغت قوة هذا التحالف، تبقى الشعوب أكثر وعيًا، والتاريخ أكثر إنصافًا،
}وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{


