
الذكاء الاصطناعي وتحوّل موازين القوى الاقتصادية العالمية
10/11/2025
زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى الصين: قراءة تحليلية استراتيجية
18/11/2025هجوم الكاتيوشا على حي المزة: تقييم الفاعلين، الدوافع، والبيئة العملياتية
م. محمد صادق |16.11.2025
مقدمة
يُعد الهجوم الصاروخي الذي استهدف حي المزة في دمشق حدثاً أمنياً نوعياً في بيئة العاصمة التي شهدت منذ التغيير السياسي وسقوط النظام السابق مستوى منخفضاً من العمليات المماثلة.
الاستهداف بصاروخي كاتيوشا من داخل محيط العاصمة، وباستخدام منصة إطلاق متحركة ذات تجهيز بدائي، يمثل اختراقاً أمنياً غير معتاد ويشير إلى وجود فاعلين يمتلكون القدرة على العمل ضمن المجال الأمني الأكثر إحكاماً في سوريا.
هذا التقرير يعالج الحدث بمنهجية مراكز الدراسات الاستخبارية: تحديد الفاعلين المحتملين، تحليل الدوافع والقدرات، دراسة بيئة التهديد، ثم بناء سيناريوهات.
أولاً: توصيف العملية وخصائصها الفنية
- نمط الهجوم: تكتيك العملية يشير إلى:
- منصة إطلاق بدائية، منخفضة البصمة.
- قدرة على الوصول إلى نقاط داخل العاصمة.
- إطلاق محدود العدد (صاروخان فقط) وعدم السعي إلى إحداث دمار واسع.
الدلالة: الهدف سياسي – رمزي، وليس تدميرياً. هذا النمط يُستخدم عادة لإرسال إشارات استراتيجية وليس لفتح جبهة.
- اختيار الهدف: منطقة سكنية (المزة)
الاستهداف لم يطَل منشآت عسكرية أو استخبارية، هذا يعزز فرضيتين:
- اختبار قدرة الاختراق الأمني وليس استهداف بنية عسكرية.
- إرسال رسالة إلى القيادة السياسية عبر ضرب منطقة قريبة من مراكز السلطة.
- بصمة منخفضة + معدات بدائية = فاعل غير رسمي أو فاعل رسمي يستخدم “وكيلاً”
هذا النوع من الهجمات غالباً ما يصدر عن: خلايا صغيرة تعمل باستقلالية.
أو أطراف دولية/إقليمية تستخدم مجموعات محلية لإخفاء البصمة.
ثانياً: البيئة الاستراتيجية المحيطة بالهجوم
الهجوم جاء بعد حدث سياسي كبير:
زيارة الرئيس الشرع ووزير خارجيته إلى واشنطن وبدء مسار تعاون رسمي ضمن التحالف الدولي ضد داعش.
هذه النقطة وحدها كافية لخلق صدام مصالح مع أربعة أطراف:
- إيران وميليشياتها (خسارة النفوذ).
- إسرائيل (توازنات جديدة غير مرغوبة).
- قسد وفصائل كردية (خشية تهميش دورها).
- فلول النظام السابق (محاولة تقويض السلطة الجديدة).
هذا التزامن يجعل أي تقييم استخباري ملزم بدراسة دوافع كل طرف.
ثالثاً: تحليل الفاعلين المحتملين
- إيران والميليشيات التابعة لها
القدرة: تمتلك شبكات داخل دمشق وريفها.
لديها خبرة طويلة في عمليات منخفضة البصمة.
تستطيع تشغيل خلايا نائمة أو “مجموعات ظل” كانت جزءاً من بنى عسكرية سابقة.
النية: خسرت النفوذ الاستراتيجي في سوريا بعد سقوط النظام السابق.
انضمام دمشق للتحالف الدولي ضد داعش يعني دخولها تحت مظلة أمنية–عسكرية أميركية، وهذا تراجع مباشر لمجال الحركة الإيراني.
إيران تاريخياً تستخدم الرسائل النارية للتأثير على القرارات السياسية.
التقييم الاستخباري: احتمالية التورط: عالية – ولكن عبر وكلاء محليين لا عبر ميليشيات رسمية.
- إسرائيل
القدرة: قدرة استخباراتية عميقة داخل سوريا.
خبرة في تشغيل مصادر وشبكات محلية.
استخدام منهج عمليات غير منسوبة.
النية: أي تقارب سوري–أميركي خارج المظلة الإسرائيلية يمثل تهديداً غير مباشر.
إسرائيل تفضّل وجود سوريا ضعيفة، غير قادرة على إعادة بناء قوتها التقليدية.
نفي إسرائيل لا يعد مؤشراً، لأنها غالباً تنفي في حالات تتعلق بهجمات غير جوية أو ذات طبيعة استخبارية.
التقييم الاستخباري: احتمالية التورط: متوسطة
خاصة إذا كان الهدف توجيه رسائل وليس إشعال صراع.
- “قسد” أو تيارات داخلها
القدرة: قدرة محدودة على العمل داخل دمشق مباشرة.
لكن يمكنها دعم خلايا أو مجموعات ناقمة.
النية: تخشى قسد من أي تنسيق سوري–أميركي مباشر خارج إطارها.
ترى نفسها “الطرف الحصري” في محاربة داعش.
أي إعادة تموضع أميركي في سوريا يقلّص نفوذها.
التقييم الاستخباري
احتمالية التورط: متوسطة، لكنها قائمة عبر مجموعات منفلتة وليس بقرار قيادي.
- فلول النظام السابق وأجهزة الظل
القدرة: ما زالت تمتلك شبكات في دمشق.
خبرة في العمل الأمني واستخدام السلاح.
النية: التغيير السياسي أخرجهم من مراكز النفوذ.
قد يرغبون في إظهار أن “الأمن لن يستتب إلا بعودتهم”.
لديهم مصلحة مباشرة في إحراج السلطة الجديدة.
التقييم الاستخباري احتمالية التورط: عالية جداً
لأن الدافع مباشر والخبرة متوفرة والبصمة منخفضة.
- مجموعات محلية صغيرة / خلايا مستقلة
القدرة: معدات بدائية تشير إلى خلايا صغيرة.
التنفيذ منخفض التعقيد لكنه يحتاج معرفة جغرافية.
النية: قد تسعى لإثبات حضورها، أو الاحتجاج على التغيير السياسي.
أو قد تكون أدوات بيد فاعل أكبر.
التقييم الاستخباري: احتمالية التورط: متوسطة
لكن وجود راعٍ خارجي أو داخلي خلفها هو الاحتمال الأقوى.
رابعاً: تحليل الدوافع
- تقويض الاستقرار السوري بعد التقارب مع واشنطن
أي استقرار سياسي جديد يهدد أطرافاً عديدة.
الهجوم يعكس صراع الإرادات حول من يملك حق تشكيل مستقبل سوريا.
- اختبار رد فعل الحكومة الجديدة
الجهات التي تخشى من “صلابة” الدولة الجديدة قد تختبر سرعتها في الرد والتحقيق.
- رسالة إلى الأميركيين
الهجوم قد يحمل دلالة أن سوريا بيئة غير مستقرة، وبالتالي يجب عدم الانجرار إلى التزامات أمنية واسعة.
- الحفاظ على نفوذ تقليدي
إيران، فلول النظام، تجار السلاح والمخدرات، شبكات الفساد…
كلها أطراف تخسر من قيام دولة مستقرة.
خامساً: تقييم استخباري مركب
عند دمج القدرة + النية + البصمة + العائد الاستراتيجي، يظهر الترتيب التالي للفاعلين الأكثر احتمالاً:
- فلول النظام السابق وشبكات أمنية منفلتة
- إيران عبر وكلاء محليين
- إسرائيل عبر خلايا مخترقة
- خلايا محلية صغيرة مدعومة من طرف خارجي
- عناصر من قسد أو مجموعات ناقمة
الهجوم ذو طابع سياسي–رمزي وليس عسكرياً، ما يستبعد أغلب الفصائل المسلحة التقليدية.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية
- سيناريو التصعيد الرمزي
تكرار هجمات صغيرة في دمشق بهدف إبقاء الضغط السياسي.
احتمالية: عالية.
- سيناريو المواجهة الخفية
حرب رسائل بين أطراف إقليمية تتخذ من دمشق ساحة اختبار.
احتمالية: متوسطة.
- سيناريو إعلان نتائج تحقيق تدين طرفاً كبيراً
الأرجح أن النتائج ستُصاغ بطريقة تحفظ التوازن السياسي، لا الإشارة لجهة كبرى بشكل صريح.
احتمالية: منخفضة.
- سيناريو إعادة هيكلة أمنية واسعة
لتضييق الثغرات التي سمحت بالهجوم.
احتمالية: متوسطة إلى عالية.
خلاصة: تقييم استخباري
الهجوم على المزة يمثل بداية مرحلة جديدة من الصراع الهادئ على مستقبل سوريا.
التوقيت، البصمة، اختيار السلاح، والهدف يؤكد أن الفاعل:
- أراد إرسال رسالة لا فتح جبهة.
- يمتلك معرفة دقيقة بالجغرافيا الأمنية للعاصمة.
- يستهدف إرباك المسار السياسي الجديد، وليس تحقيق مكاسب عسكرية.
التقدير الراجح: العملية نفذتها جهة محلية منظمة – قد تكون من فلول النظام السابق أو خلايا مرتبطة بإيران، او خلايا مرتبطة بقسد، بهدف خلق انطباع بأن العاصمة غير مستقرة، وإحراج السلطة الجديدة أمام واشنطن.
لتحميل البحث بصيغة PDF
هجوم الكاتيوشا على حي المزة


