
انتخابات أعضاء مجلس الشعب للجمهورية العربية السورية بعد النصر
19/10/2025
وثيقة العيش المشترك في سورية: رؤية استراتيجية لنضج سياسي ومسؤولية وطنية
20/10/2025من العقوبات إلى الشراكة: التحول الاستراتيجي في فلسفة ترامب تجاه تركيا
م. محمد صادق | أكتوبر 2025
مقدمة
في خضمّ التحوّلات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة من شرق المتوسط إلى القوقاز، عادت العلاقات الأميركية – التركية إلى واجهة المشهد الدولي مع عودة دونالد ترامب إلى الساحة السياسية.
فبينما كانت أنقرة في سنوات سابقة هدفًا لعقوبات أميركية وموضع انتقادات حادّة داخل الكونغرس، تبدو اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تتّسم بلغة أكثر ليونة وميلٍ إلى الشراكة المصلحية.
إنّ هذا التحوّل لا يمثّل مجرد تغيّر في اللهجة الدبلوماسية، بل يعكس إعادة صياغة لفلسفة التعامل الأميركي مع تركيا؛ من منطق “التأديب بالضغط” إلى منطق “الاحتواء بالتقاطع”.
أولاً: من زمن العقوبات إلى زمن الحذر البراغماتي
شهدت العلاقات بين البلدين منذ عام 2018 سلسلة توترات حادّة تمحورت حول ملفات رئيسية:
- شراء تركيا لمنظومة الدفاع الروسية S-400، ما أدى إلى إخراجها من برنامج المقاتلات الأميركية F‑35.
- العملية العسكرية التركية في شمال سورية (2019) التي اعتبرتها واشنطن استهدافًا لحلفائها الأكراد.
- قانون العقوبات CAATSA الذي فُرض على الصناعات الدفاعية التركية.
في تلك المرحلة، ساد الخطاب الأميركي القائم على الردع والضغط، ورأى ترامب في بداية ولايته الأولى، أن تركيا تجاوزت الخطوط.
لكنّ هذا النهج واجه محدودية في نتائجه: فالعقوبات لم تُضعف موقع أنقرة الإقليمي، بل دفعتها لتقوية تحالفها مع موسكو وطهران، ولبناء اقتصاد أكثر اكتفاءً ذاتيًا في الدفاع والطاقة.
ثانيًا: ملامح التحوّل في نهج ترامب الجديد
مع عودة ترامب إلى المشهد، بدأت أنقرة ترصد تحوّلًا تدريجيًا في اللغة الأميركية.
فمن خطاب التأنيب، إلى حديث عن التفاهم والتعاون في المصالح المتبادلة.
يمكن رصد هذا التحوّل في ثلاثة مستويات رئيسية:
- التحول في الخطاب السياسي:
تراجعت حدة الانتقادات الأميركية بشأن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا، لصالح التركيز على دورها الإقليمي.
البيت الأبيض الجديد يرى في أنقرة ركيزة في مواجهة التمدد الروسي والإيراني، وليست مجرد حليف صعب المراس.
- التحول في الأولويات الاقتصادية
أنقرة بدأت تستورد الغاز الطبيعي المسال الأميركي وتفتح السوق أمام الاستثمارات الأميركية.
الولايات المتحدة، بالمقابل، تسعى لتقليل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي عبر مسارات تركية، مما يجعل الطاقة مدخلًا لتقاطع استراتيجي بين البلدين.
- التحول في الملفات الأمنية
هناك إشارات إلى رغبة في استئناف التعاون الدفاعي، خصوصًا في برامج الطائرات بدون طيار والمقاتلات الحديثة.
الولايات المتحدة تبحث عن توازن في الشرق الأوسط، وتركيا تمتلك أدوات النفوذ في سورية، العراق، والبحر الأسود، ما يمنحها قيمة عملياتية في أي حسابات عسكرية أميركية.
ثالثًا: دوافع واشنطن
يمكن تفسير الانفتاح الأميركي على تركيا من منظور الواقعية السياسية في العلاقات الدولية:
- احتواء روسيا دون التصعيد المباشر: تركيا العضو في الناتو تمتلك موقعًا حرجًا على حدود روسيا والبحر الأسود. تعزيز علاقتها بواشنطن يُضعف قدرة موسكو على المناورة.
- إعادة موازنة الشرق الأوسط: في ظل تراجع الدور الأميركي التقليدي في المنطقة وصعود إيران، تحتاج واشنطن إلى “مفوّض إقليمي” يمكن الاعتماد عليه تكتيكيًا، وتركيا تملك هذه المواصفات.
- منافسة الصين في البنى التحتية والطاقة: أنقرة تمثّل عقدة محورية في مشروع “الحزام والطريق”، وأي تقارب أميركي – تركي يمكن أن يحدّ من النفوذ الصيني المتصاعد في أوراسيا.
- الأسلوب الترامبي القائم على الصفقات: ترامب يتعامل مع السياسة الخارجية كامتداد لصفقة تجارية: الحليف الذي يربح منه هو الحليف الجيد. وتركيا تُقدّم فرصًا استثمارية هائلة في الطاقة والدفاع.
رابعًا: الدوافع التركية
من جهة أنقرة، فإنّ الانفتاح على واشنطن ليس تراجعًا عن استقلال القرار، بل توسيع لخياراتها في عالم مضطرب.
يمكن تلخيص الدوافع التركية في النقاط التالية:
- تنويع الشركاء: لتفادي الاعتماد المفرط على موسكو أو بكين.
- تعزيز الاقتصاد المحلي عبر الاستثمارات الأميركية والتكنولوجيا الدفاعية.
- تحسين صورة تركيا الدولية بعد أعوام من التوترات الأوروبية.
- الحفاظ على موقعها في الناتو لتجنّب العزلة الاستراتيجية.
خامسًا: حدود الانفراج
رغم المؤشرات الإيجابية، تبقى العقبات العميقة قائمة:
- الملف الكردي: يظلّ نقطة التوتر الأبرز، إذ تصرّ واشنطن على دعم قوات سورية الديمقراطية، فيما تراها أنقرة تهديدًا للأمن القومي.
- منظومة S‑400: لم تُحلّ بعد، وأي اتفاق دفاعي جديد سيظلّ مرهونًا بإيجاد تسوية تحفظ ماء وجه الطرفين.
- الضغط داخل الكونغرس: لا يشارك جميع صانعي القرار الأميركيين رؤية ترامب، وبعضهم يرى في تركيا “حليفًا متمرّدًا” لا يمكن الوثوق به.
- العلاقات التركية – الروسية: أي تدهور حادّ في العلاقة بين أنقرة وموسكو قد يجرّ تركيا إلى مواجهة غير مرغوبة.
سادسًا: السيناريوهات المستقبلية
أول سيناريو محتمل هو قيام شراكة استراتيجية مرنة بين البلدين، بحيث يتم التعاون في ملفات الطاقة والدفاع دون الوصول إلى تحالف كامل. هذا السيناريو يعزز النفوذ التركي في المنطقة ويقلل من اعتمادها على روسيا، ويخدم الولايات المتحدة من خلال دعم موطئ قدمها الإقليمي في منطقة مضطربة.
السيناريو الثاني هو التفاهم التكتيكي قصير الأمد، حيث تُبرم اتفاقات مصلحية محدودة تستجيب لحاجات آنية لكلا الطرفين، لكنها لا ترتقي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المستدامة. هذا النمط من التعاون قد يستمر ما دام التهديد المشترك قائمًا، لكنه يظلّ هشًا أمام تغير المزاج السياسي أو تبدل الإدارات.
أما السيناريو الثالث فهو العودة إلى سياسة العصا، وذلك في حال انفجار ملفات حساسة مثل قضية الأكراد أو تجدد التوتر بشأن S‑400، أو في حال تصعيد داخلي في الكونغرس ضد أي تعاون واسع مع أنقرة. في هذا السيناريو، قد تُعاد فرض العقوبات وتجميد التعاون، ما يعيد العلاقات إلى مربع التأزم.
السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب هو “الشراكة المرنة” التي تقوم على التعاون المصلحي المشروط، وتوازن بين احتياجات الطرفين ومخاوفهما دون الالتزام بتحالف شامل.
سابعًا: التوصيات الاستراتيجية لتركيا
- استثمار التحوّل دون الارتهان له: الحفاظ على الانفتاح مع واشنطن مع إبقاء خيوط قوية مع موسكو وبكين.
- تحويل الشراكة إلى منصة اقتصادية: التركيز على التعاون في الطاقة والتكنولوجيا بدلاً من الملفات العسكرية الحساسة.
- إعادة صياغة الخطاب الدبلوماسي: إبراز تركيا كـ “جسر استقرار إقليمي”، لا كقوة متمردة.
- التحوّط السياسي الداخلي: تحييد التيارات المعارضة للشراكة الأميركية داخل النخبة التركية لضمان استدامة القرار.
خاتمة
إنّ التحوّل في فلسفة ترامب تجاه تركيا ليس صحوة أيديولوجية، بل تكيّف براغماتي مع الواقع الدولي الجديد.
ترامب لا يرى في أنقرة خصمًا أو تابعًا، بل شريك صفقة يمكن أن يربح معه ما دام الربح متبادلاً.
وبالنسبة لتركيا، فإنّ هذا الانفتاح يشكّل فرصة لإعادة صياغة موقعها بين الشرق والغرب، عبر موازنة دقيقة بين المصالح الوطنية والضغوط الدولية.
لكنّ النجاح في ذلك يتوقف على قدرة أنقرة على التحرك الذكي بين القوى الكبرى دون أن تُستخدم كأداة لأيٍّ منها، وعلى إدارتها المتزنة للملفات الحساسة، لا سيما في الدفاع والطاقة والتحالفات الإقليمية.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بداية تحالفٍ مصلحيٍّ جديد يعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط، أم مجرّد هدنة سياسية تسبق جولةً أخرى من التوتر
المقالة بصيغة PDF
تركيا وامريكا … من العقوبات إلى الشراكة


