الطريق إلى الوطن: معركة السوريين بين إرادة العودة وارث الدمار
11/08/2025
ممر داوود: الطموحات الجيوسياسية والرد السيادي السوري
21/08/2025
الطريق إلى الوطن: معركة السوريين بين إرادة العودة وارث الدمار
11/08/2025
ممر داوود: الطموحات الجيوسياسية والرد السيادي السوري
21/08/2025
مشاهدة الكل

قمة ألاسكا: لقاء ترامب–بوتين بين مكاسب رمزية واستراتيجيات سياسية

قمة ألاسكا: لقاء ترامب–بوتين بين مكاسب رمزية واستراتيجيات سياسية

م. محمد صادق

18 آب/أغسطس 2025

مقدمة

قمة ألاسكا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين لم تُسفر عن اتفاق مكتوب أو وقف لإطلاق النار، لكنها كشفت تحولات في المواقف وأعادت موسكو إلى الواجهة الغربية من خلال قنوات مباشرة مع واشنطن.

الأهم هو التغير في خطاب ترامب، الذي انتقل من المطالبة بـ”هدنة فورية” إلى تبنّي منطق “السلام الشامل لاحقًا”، الأقرب إلى الطرح الروسي. هذا الانزياح منح بوتين مكسبًا سياسيًا ورمزيًا، وأثار قلقًا متزايدًا في العواصم الأوروبية.

ما حدث فعليًا

اللقاء جرى في قاعدة إلمندورف–ريتشاردسون بألاسكا واستمر نحو ثلاث ساعات. البيان المشترك جاء مقتضبًا: “لا اتفاق حتى الآن”.

ترامب أقرّ بأن الهدنة لم تتحقق، وصرّح بأن أوكرانيا “بحاجة إلى صفقة”. من جهته، وصف بوتين النقاش بأنه “مفيد”، مؤكدًا على “تفاهم” مع واشنطن.

التسريبات أشارت إلى عرض روسي يقوم على تجميد خطوط القتال مقابل انسحاب أوكراني من مناطق في دونيتسك ولوهانسك والجنوب، مع ضمانات أمنية ولغوية، وهو ما رفضته كييف بوضوح.

دوافع واستراتيجيات

بوتين: يسعى لتثبيت مكاسب الأرض عبر اعتراف أميركي ضمني، ويرفض وقف النار الذي قد يجمّد خطوطًا لا تناسبه.

ترامب: يريد إظهار قدرته على إنهاء الحرب بسرعة أمام الداخل الأميركي، معتمدًا على منطق “الصفقة النهائية” والأدوات الاقتصادية. خلال القمة، تراجع عن فرض العقوبات على روسيا، وهو تنازل سياسي واضح.

التفاهمات والخلافات

تفاهم محدود: رفض وقف نار مؤقت والحديث عن تسوية لاحقة أشمل.

خلاف جوهري: موسكو تطالب باعتراف بمكاسبها وضمانات ضد انضمام أوكرانيا للناتو، وهو ما لا تستطيع واشنطن منحه علنًا.

المناورات الدبلوماسية

صناعة صورة النصر: البروتوكول الفخم والصور المشتركة أعادت بوتين إلى “الغرب” بعد فترة العزلة.

إدارة التوقعات: تغير خطاب ترامب من “هدنة عاجلة” إلى “سلام شامل لاحقًا” خفف كلفة الفشل على البيت الأبيض، لكنه زاد المخاوف الأوروبية.

في هذا السياق، جاء تعليق حاد من الحاكم السابق لولاية كاليفورنيا، أرنولد شوارزنيجر، قائلاً:

“لقد شاهدت مؤتمرك الصحفي مع بوتين وكان ذلك مخزياً. كنت تقف هناك كأنك قطعة قماش، كمعجب مهووس. خنت استخباراتنا ونظامنا القضائي وبلدنا. أين قوة الكلمات؟ أين مواقف الرؤساء الأميركيين السابقين مثل ريغان عندما قال: «السيد غورباتشوف، اهدم هذا الجدار»؟”

هذا التصريح يعكس انطباعًا واسعًا داخل الأوساط الأميركية بأن ترامب بدا ضعيفًا أمام بوتين، مقدمًا تنازلات مجانية أبرزها تجميد العقوبات.

انعكاسات على الشرق الأوسط

الطاقة والأسواق: استمرار تدفق النفط الروسي بلا عقوبات جديدة أبقى الأسعار حول 65–66 دولار، ما يضغط على عوائد بعض دول الخليج.

توازنات النفوذ: موسكو ستوظف مكاسبها الرمزية لتعزيز أدوارها في غزة ولبنان وسوريا.

تركيا وإسرائيل: أي تقارب أميركي–روسي سينعكس على قواعد الاشتباك شمال سوريا وعلى الهوامش الجوية لإسرائيل.

سوريا: ملامح ما بعد القمة

تثبيت الوجود: روسيا تركز على قواعدها ومصالحها الاقتصادية.

هوامش دمشق: الانفتاح على شركاء اقتصاديين قد يحد من النفوذ الروسي.

أدوات واشنطن: المقايضات الكبرى قد تفتح الباب لتفاهمات مرتبطة بالنفوذ الإيراني أو المجال الجوي.

المجال الجوي: يبقى ورقة تفاوضية محتملة، مع احتمالات تصعيد محدود يعقبه تفاهم.

الاتجاهات الكبرى بعد ألاسكا

تطبيع التعامل مع موسكو بلا أثمان مباشرة، ما قد يشجعها على إطالة الحرب.

تراجع دور أوروبا بعد تهميشها في المفاوضات.

عودة منطق “الصفقات الكبرى” وشرعنة “الأرض مقابل ضمانات”.

ما بعد القمة: أوكرانيا بين الرفض والشكوك

الرئيس الأوكراني زيلينسكي عبّر عن خيبة أمله، مؤكدًا أن السلام لا يجب أن يشبه تنازلات القرم ودونباس. كييف تدرك أن “السلام الشامل لاحقًا” يخدم موسكو، ما يعزز فرضية أن القمة شملت ملفات أوسع من الحرب الأوكرانية، مثل الصين والطاقة وسوريا.

الخاتمة: المطلوب من الحكومة السورية الجديدة

إن انعكاسات قمة ألاسكا لن تقف عند حدود أوكرانيا، بل تمتد تدريجيًا إلى الساحة السورية، ما يفرض على حكومة الشرع الجديدة أن تتحرك بوعي استراتيجي يأخذ بالاعتبار توازنات معقدة بين موسكو وواشنطن والعواصم الإقليمية. المطلوب ليس الانحياز لطرف واحد، بل صياغة سياسة مرنة تمنع الارتهان وتوسع هوامش الحركة:

تنويع الشراكات الاقتصادية: عبر الانفتاح على الخليج وتركيا وأوروبا لتقليص الاعتماد على روسيا وحدها، خصوصًا في ملفات الطاقة وإعادة الإعمار.

تفعيل الدبلوماسية النشطة: استثمار أوراق سوريا في قضايا اللاجئين، مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود لفتح قنوات عملية مع واشنطن والاتحاد الأوروبي.

إدارة العلاقة مع موسكو ببراغماتية: القبول بواقع الدور الأمني الروسي حيث لا بديل في المدى المنظور، لكن السعي إلى تقليص احتكارها السياسي والاقتصادي عبر إدخال شركاء آخرين في المشاريع الحيوية.

المجال الجوي كورقة توازن: استخدامه في المفاوضات مع أطراف متعددة، بما يقلّص قدرة موسكو على التحكم المطلق ويمنح دمشق هامش مناورة في الترتيبات الإقليمية.

تعزيز البعد الإقليمي: بناء شبكة دعم متوازنة مع دول الخليج وتركيا والأردن، بما يوفّر مظلة عربية–إقليمية تقلّل من المخاطر المحتملة لأي صفقة أميركية–روسية تُعقد على حساب المصالح السورية.

مخاطر الإخفاق

إذا عجزت حكومة الشرع عن إدارة هذا التوازن، فإن سوريا ستواجه سيناريوهات سلبية محتملة:

ترسخ الارتهان لروسيا بحيث تصبح أي محاولة للتنوع الاقتصادي والسياسي شبه مستحيلة.

تراجع الدعم العربي–الخليجي نتيجة غياب شراكات متوازنة، ما يترك دمشق في عزلة اقتصادية خانقة.

استمرار العزلة الأوروبية–الأميركية وهو ما سيُبقي ملف العقوبات مغلقًا ويعيق مسارات إعادة الإعمار.

فقدان القدرة على المناورة في الإقليم، خاصة إذا فُرضت ترتيبات أميركية–روسية جديدة تتجاهل المصلحة السورية.

وبذلك، فإن نجاح الحكومة الجديدة يكمن في التحرك بخطوات مدروسة تمنع الوقوع بين فكيّ موسكو والعقوبات الغربية، وتفتح في الوقت نفسه ممرًا نحو توازن إقليمي–دولي يتيح لسوريا استعادة مكانتها تدريجيًا

إن نجاح حكومة الشرع لن يكون في كسر النفوذ الروسي مباشرة، فهذا غير واقعي الآن، بل في إدارة هذا النفوذ بذكاء وتطويعه ضمن منظومة أوسع من التفاهمات الإقليمية والدولية، بما يحافظ على توازن سوريا الداخلي ويؤمّن لها مساحة حركة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: OpenSSL SSL_connect: SSL_ERROR_SYSCALL in connection to lkl.dolarkurum.com:443