
اللقاء الخفي في باريس: تحولات سورية إسرائيلية وتأثيرها على تركيا
27/07/2025
سوريا من جديد: خارطة طريق لبناء دولة قوية وعادلة
02/08/2025سوريا بدون الأسد: معركة إعادة التموضع التركي في إقليم متحوّل
م. محمد صادق
29 تموز/يوليو 2025
منذ بداية الأزمة السورية، اضطلعت #تركيا بدور محوري لم يكن فقط نابعًا من موقعها الجغرافي، بل من قناعتها العميقة بأن أمنها القومي متشابك عضويًا مع استقرار جارتها الجنوبية. فبالنسبة لأنقرة، لم تكن سوريا مجرد دولة مجاورة، بل عمقًا استراتيجيًا وحديقة خلفية، وممرًا اقتصاديًا إلى العالم العربي، وساحة انعكاس مباشر لصيغة الأمن الوطني التركي.
لقد احتضنت تركيا الملايين من السوريين، وفتحت حدودها أمام اللاجئين والناشطين والسياسيين، ودعمت فصائل معارضة مختلفة، وسعت عبر تحالفات مع قطر وبعض الدول الغربية إلى تشكيل نواة بديلة للنظام الأسدي الذي استمر لعقود. غير أن المشهد السياسي في سوريا بعد سقوط النظام نهاية عام 2024 بات أكثر تعقيدًا مما كان يُتوقع، وبرز أمام أنقرة تحدٍ جوهري لا يقل أهمية عن إسقاط النظام نفسه: تباين المواقف مع الشركاء الإقليميين، لا سيما العرب.
بين الريادة والتحفظات: الشراكة العربية التركية
ترى دوائر سياسية في أنقرة أن الدول العربية، ورغم الشراكة القائمة معها في الملف السوري، بدأت تُبدي تحفظات واضحة في مرحلة ما بعد الأسد، خصوصًا بشأن شكل النظام السياسي المقبل وموقفها من الفصائل المسلحة الناشطة على الأرض.
هذا التباين في الرؤى يفرض الحاجة الملحّة إلى صياغة إطار عمل مشترك يُحدّد ملامح المرحلة الانتقالية، ويعالج ملفات مركزية مثل الإصلاح السياسي، وهيكلة الأمن، وإدارة الحكم المحلي، وتنظيم العلاقات الإقليمية، على أساس من التوافق والاحترام المتبادل للمصالح، لا على قاعدة تغليب طرف على آخر أو فرض وصاية إقليمية، وينبغي أن يكون هذا الإطار مدعومًا بآليات واضحة للمتابعة والمساءلة، مع ضمان إشراك القوى السياسية السورية في بلورته، حتى لا يتحول إلى مشروع فوقي منفصل عن واقع البلاد وتعقيداته المحلية. فغياب هذه المقاربة التشاركية قد يؤدي إلى تصدعات داخل المعسكر المناهض للنظام السابق، ويعيد إنتاج أزمات جديدة تُعيق عملية إعادة الإعمار، وتفتح الباب أمام نزاعات داخلية متجددة.
كابوس #قسد والفراغ شمال شرق سوريا
بالنسبة لأنقرة، فإن خطر التنظيمات الكردية المتمركزة شمال شرق سوريا، لم يتبدد بسقوط الأسد، بل بات أكثر غموضًا. فواشنطن لا تزال تمسك بخيوط اللعبة في تلك المنطقة، تستثمر هذا الكيان كورقة ضغط استراتيجية. ولطالما نظرت تركيا إلى هذه التنظيمات باعتبارها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المحظور، وتشكل تهديدًا مباشرًا لوحدتها الداخلية. لذلك، فإن تركيا تعتبر وحدة سوريا شرطًا أساسيًا لاستقرارها الداخلي، وأي مشروع لتقسيم البلاد أو تدويل مناطقها هو خط أحمر.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف تركية من تزايد الاتصالات غير المباشرة بين بعض الدول العربية و#قسد، في إطار مقاربات جديدة تتعامل معها كقوة أمر واقع في ضوء التصورات المحتملة لمستقبل شرق سوريا بعد تقليص الدور الأمريكي أو انسحابه.
من الأمن إلى الاقتصاد: الربط مع ملف الإعمار
وبينما تواصل أنقرة رصد المشهد في شمال شرق سوريا حيث تتعزز سيطرة #قسد بدعم غربي، فإنها تدرك أن المواجهة القادمة ستكون اقتصادية بامتياز، تبدأ من ملف إعادة الإعمار، الذي بات يشكّل ساحة تنافس محموم بين قوى إقليمية ودولية.
بالنسبة لتركيا، فإن هذا الملف لا يمثّل فقط واجبًا أخلاقيًا تجاه ملايين السوريين المتضررين، بل هو أيضًا رافعة استراتيجية لتعزيز نفوذها وترسيخ عمقها الاقتصادي والاجتماعي داخل سوريا الجديدة. فالشركات التركية تمتلك الخبرة، والسوريون في تركيا يشكّلون قوة عمل جاهزة، والشبكات البنكية التركية قادرة على لعب دور الوسيط في مشاريع ضخمة.
لكن هذه الأجندة تواجه منافسة شديدة من أطراف عربية وغربية تسعى لإعادة هندسة السوق السوري بما يتماشى مع مصالحها، بل وربما لعزل أنقرة إذا لم تُضبط آليات التنسيق. وهنا أيضًا تتجدد الحاجة إلى صياغة تفاهمات عربية-تركية حول هذا الملف الحيوي.
مسعى الوساطة الإسرائيلية – الأمريكية
في خضم هذه التشابكات الإقليمية، كشفت مصادر دبلوماسية عن مبادرة غير رسمية طرحها الرئيس #ترامب على #نتنياهو، تتضمن وساطة غير مباشرة مع تركيا بشأن الملف السوري، بهدف تهدئة التوترات المتزايدة، لا سيما في الجنوب السوري.
ورغم الطابع الرمزي للمبادرة، فإنها تعكس إدراكًا أمريكيًا بأن انزلاق العلاقات التركية-الإسرائيلية نحو مزيد من العداء قد يُهدد الترتيبات الأمنية الهشة في المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب في مناطق مثل درعا والقنيطرة، حيث تتقاطع المصالح الأمنية للطرفين.
وعلى الرغم من عدم وجود تنسيق مباشر بين أنقرة وتل أبيب، فإن تحييد التوترات قد يفسح المجال لقنوات تواصل خلفية تهدف إلى ضبط بعض الملفات الميدانية، دون أن يعني ذلك تطبيعًا سياسيًا أو تقاربًا استراتيجيًا، خاصة في ظل استمرار تركيا في دعم القضية الفلسطينية ورفضها لسياسات إسرائيل في القدس وغزة.
الخلاصة: إن سوريا الموحّدة والمستقرة ليست فقط ضرورة أخلاقية وإنسانية، بل حاجة تركية استراتيجية، ودرع للأمن القومي، وفرصة اقتصادية تاريخية. ومن هذا المنطلق، فإن إدارة هذا التحدي تتطلب من أنقرة التحرك بديناميكية عالية، تجمع بين الواقعية السياسية والحزم، وبين المبادرة والتنسيق العميق مع العالم العربي.
نجاح التجربة السورية الانتقالية لن ينعكس فقط على الداخل، بل سيكون مقياسًا لإمكانية صياغة نظام إقليمي جديد، أكثر توازنًا، وأقل ارتهانًا للتدخلات الدولية. فسوريا ما بعد الأسد تمثل اختبارًا حاسمًا لقدرة الفاعلين الإقليميين على إنتاج حلول ذاتية ومستقرة، بعيدًا عن الوصاية والتجاذبات الخارجية.


