
الدروز: من السرية الدينية إلى الجندية في جيش الاحتلال
24/07/2025
سوريا بدون الأسد: معركة إعادة التموضع التركي في إقليم متحوّل
29/07/2025اللقاء الخفي في باريس: تحولات سورية إسرائيلية وتأثيرها على تركيا
م. محمد صادق
27.07.2025
منذ سقوط النظام الأسدي في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة غامضة يتداخل فيها الأمل بإعادة الإعمار مع شبح التفكك السياسي والمجتمعي. فالمشهد لم يعد مجرّد أزمة داخلية، بل تحوّل إلى مرآة لتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ. تتنازع الخرائط الجديدة مصالح متعددة، وسط محاولات متعثّرة لإنتاج نظام سياسي بديل. وبينما تعيد بعض القوى ترتيب تموضعها، تبقى سوريا ساحة مفتوحة على الاحتمالات كافة.
الجنوب السوري بين حماية الدروز والتوظيف الإسرائيلي: تحوّل الجنوب السوري، وخصوصًا محافظة السويداء، إلى مركز توتر إقليمي متصاعد، تغذّيه التدخلات الإسرائيلية المتكررة تحت ذريعة “حماية الطائفة الدرزية”. هذا التوظيف السياسي للهواجس الطائفية أسفر عن تفكيك المنظومة الأمنية التقليدية، وخلق فراغًا تستغله ميليشيات محلية مسلّحة. النتيجة هي هشاشة متزايدة في المشهد الأمني، وتهديد مستمر لوحدة البلاد. إسرائيل، في هذا السياق، لا تدعم الاستقرار، بل تعيد رسم حدود النفوذ والولاءات جنوب سوريا.
الحديث عن تفاهم مباشر أو غير مباشر بين دمشق وتل أبيب لم يعد من المحظورات، خاصة بعد تسريبات عن اتصالات أمنية وسياسية جرت في الأشهر الأخيرة، وإعلان رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي عن إشرافه المباشر على حوار مع دمشق، أعاد النقاش إلى نقطة جوهرية: هل أصبح التطبيع مع سوريا ورقة تفاوض قابلة للتفعيل؟ وأين تقف أنقرة من كل ذلك؟
في تطور دبلوماسي نادر منذ عقود، شهدت العاصمة الفرنسية باريس، في 24 تموز 2025، لقاءً سريًا جمع وفدين رفيعي المستوى من سوريا وإسرائيل، بوساطة أمريكية ورعاية فرنسية دقيقة. اللقاء جاء في سياق إعادة التموضع السوري عقب انهيار النظام السابق أواخر 2024، وبدء مرحلة انتقالية تقودها حكومة برئاسة أحمد الشرع، وسط تحولات جذرية في المشهد الجيوسياسي للمنطقة.
مثَّل سوريا وزير خارجيتها “أسعد الشيباني”، بينما حضر من الجانب الإسرائيلي رئيس قسم الشؤون الاستراتيجية، بحضور المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، وتحت إشراف مباشر من الإليزيه. اللقاء جاء كمحاولة لفتح قناة سياسية غير مشروطة بين دمشق وتل أبيب، تركز على تهدئة التوترات، ووضع أسس تفاهمات مستقبلية.
الاتفاق الثلاثي: مرحلة انتقالية برؤية دولية: الاجتماع أعقبه لقاء ثلاثي رسمي ضم وزراء خارجية سوريا، الولايات المتحدة، وفرنسا. وأسفر عن وثيقة تفاهم مبدئية شملت:
- دعم مسار سياسي انتقالي يضمن وحدة سوريا، دون إقصاء لأي مكون فاعل.
- إطلاق مشاورات بين دمشق و”قسد”، في محاولة لتفكيك الأزمات الأمنية في شرق الفرات.
- دعم وقف إطلاق النار في الجنوب، خاصة في السويداء، وتفعيل آليات حوار داخلي.
- تعزيز مبدأ المحاسبة لمنتهكي حقوق الإنسان خلال النزاع.
هذا الاتفاق لا يُنظر إليه كمجرد تفاهم، بل كخطوة نحو اندماج سوريا في خارطة توازنات جديدة، حيث لم تعد الاعتبارات الأيديولوجية وحدها هي المحرك، بل المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.
قسد والتحول الأمريكي: البند المتعلق بفتح مشاورات مباشرة بين دمشق وقسد، تطور يعكس التحوّل في المقاربة الأميركية حيال الملف الكردي. فبعد سنوات من الدعم العسكري غير المشروط، بدأت واشنطن تدفع نحو تسوية سياسية تضمن دمج “قسد” في هيكل الدولة السورية دون تهديد لوحدة البلاد. هذا التوجه يهدف لتقليص فرص التمدد الإيراني والروسي في شرق الفرات، وضبط التوازن مع تركيا التي تعتبر “قسد” تهديدًا وجوديًا. الانفتاح السوري–الكردي، إن تحقق، قد يُعيد رسم خطوط السيطرة في الشمال الشرقي، ويفتح الباب أمام تسويات داخلية تسبق أي حل إقليمي شامل.
المشهد الإقليمي: خارطة نفوذ جديدة تتشكل: اللقاء السوري–الإسرائيلي لا يمكن عزله عن الحراك المتسارع لرسم مشهد إقليمي جديد. إسرائيل تسعى لاستثمار لحظة الانكشاف السوري لتأمين حدودها الشمالية، وقطع الطريق أمام النفوذ الإيراني. فيما الولايات المتحدة وفرنسا تتحركان لتفكيك المحاور المتنازعة وبناء نموذج أكثر توازنًا. في هذا السياق، تصبح سوريا ليس فقط ميدان تفاهم، بل منصة لتكريس معادلات جديدة.
تركيا: من الشريك إلى المراقب الحذر: تركيا، كانت لعقود لاعبًا متقدمًا في تسوية النزاع السوري، تبدو اليوم في وضع أكثر تعقيدًا.. فالرؤية التركية تجاه أي تفاهم سوري–إسرائيلي تبقى مرهونة بعدة عوامل تتداخل فيها الجغرافيا، والميدان، والاصطفاف الإقليمي آخذة بعين الاعتبار أمنها الاقليمي.
ما يهم أنقرة في العمق ليس من يجلس على الطاولة، بل ما يخرج منها. فهي تنظر بقلق بالغ إلى محاولات إعادة رسم معادلات الجنوب السوري دون التنسيق معها، أو على حساب وجودها العسكري والاستخباراتي في الشمال والشمال الشرقي. ولعل أحد أبرز هواجسها هو أي تفاهم قد يمنح “قسد” أو ورقة الأكراد في سوريا شرعية سياسية جديدة.
ردود الفعل الدولية: الولايات المتحدة أشادت باللقاء واعتبرته خطوة نحو “تهدئة شاملة” في المنطقة، وأكدت دعمها لمسار الانتقال السياسي، فرنسا رحّبت بالانفتاح السوري–الإسرائيلي، وأشارت إلى أن “الحوار أفضل من الجمود”، مؤكدة استمرار دورها كضامن للتفاهمات، روسيا أبدت تحفظًا غير معلن، واعتبرت أن أي تسوية يجب أن تمر عبر قنوات “توافق دولي أوسع” يشمل موسكو وطهران.
إسرائيل تنظر إلى الاتفاق كفرصة استراتيجية، لا كقناعة بسلام دائم. فهي ترى في انهيار النظام السوري السابق فرصة لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في الجولان والجنوب، بما يتماشى مع مصالحها الأمنية.
تركيا تشعر بأنها تُقصى تدريجيًا من ترتيبات ما بعد الأسد، واللقاء في باريس دون تنسيق مع أنقرة يُنظر إليه كاختراق سياسي يهمّش الدور التركي في مستقبل سوريا، خاصة في الجنوب والشرق.
الحكومة السورية وصفت اللقاء بأنه “خطوة استكشافية لا تعني تنازلًا عن الثوابت الوطنية”، وأكدت أن أي تفاهم مستقبلي سيكون مشروطًا بضمان وحدة سوريا وسيادتها الكاملة على أراضيها.
خلاصة: باريس كانت المسرح، لكن الرسائل تتجاوز جغرافيا اللقاء. الحكومة السورية تبحث عن شرعية دولية عبر الانفتاح، وإسرائيل تقرأ اللحظة بوصفها فرصة استراتيجية، فيما تراقب تركيا بعين الريبة خوفًا من خريطة نفوذ لا تشارك في رسمها. اللقاء لم يكن فقط لقاءً سياسيًا، بل مؤشرًا على إعادة بناء الإقليم على أسس مغايرة، يكون فيها الحوار أكثر فاعلية من المواجهة، والمصالح أسبق من الشعارات.


