التقرير الأسبوعي لأهم التطورات والمتغيرات 13- 19 تموز 2020
20/07/2020
ما الذي تؤدي إليه مصالح روسيا في سوريا؟
23/07/2020
مشاهدة الكل

قانون قيصر ضربة قاضية أم مجرد دغدغة ومداعبة؟

قانون قيصر ضربة قاضية أم مجرد دغدغة ومداعبة؟

     مصطفى إبراهيم

22.07.2020

     لم يعد التعريف بقانون قيصر ضرورة لكثرة ما كتب عنه، إلا أن قراءة المشهد ما بعد القانون مازالت تحتاج إلى المزيد. وفي البداية يمكن القول إن وجهات نظر السوريين ذهبت في اتجاهين: أولهما الاتجاه الذي اعتبر أن القانون مكسب كبير للثورة، وهو ضربة موجعة للنظام السوري وحلفائه، ورغم ذلك بقي أصحاب هذا الاتجاه متفائلين تفاؤلا مشوبا بالحذر، فالعقوبات الاقتصادية أو القانونية وشتى أنواع الحصار لم يسبق لها أن أسقطت نظاما استبداديا تسلطيا لديه الاستعداد أن يوصل المواطن إلى أكل الأعشاب والأتربة دون أن يفكر يوما ولو مجرد تفكير بالتنازل عن السلطة. والأمثلة على أن العقوبات والحصار لا تسقط الأنظمة متوفرة بكثرة، وأهمها النظام الكوبي، وكذلك الكوري الشمالي، وسابقا النظام العراقي، ومؤخرا النظام الإيراني. كل هذه الأنظمة تعرضت للحصار والضغوط لكنها لم تسقط. من هذا المنطلق بقي التفاؤل مشوبا بالحذر. أي، لا بد للقانون أن يسبب إرباكا للنظام وحلفائه، وسيخلق بيئة ضاغطة على هؤلاء لكنه لن يتسبب بهزيمتهم.

     أما بخصوص أصحاب الاتجاه الآخر، وهم الذين يرون أن القانون هو قانون أمريكي، وما دام الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا لا تعمل إلا لمصالحها، فلا يجب أن ننتظر خيرا، ولن يكون القانون في النهاية سوى دغدغة ومداعبة لنظام لا ترغب الولايات المتحدة بإزعاجه، وأصحاب هذه النظرة غالبا هم ممن تأثروا بدعاية النظام السوري سابقا ولاحقا. فالنظام السوري ومعه جوقة المطبلين من القومجيين العرب كانوا قد مرروا مغالطة سرى مفعولها لدى الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية عموما، والشعب السوري خصوصا. وهي: “إن الغرب لا يعمل إلا لمصالحه” والقول إن هذه العبارة مغالطة لا يعني نفيها بالمطلق، وإنما يعني أنها بحاجة للتعديل كي تصبح صحيحة. والمعلومة الأكثر دقة والخالية من المغالطة هي: “الكل يعمل لمصالحه”، وبكل تأكيد نحن السوريون جزء من هذا الكل. وهكذا يعتقد أن فكرة المغالطة أصبحت واضحة، فالقول إن الغرب لا يعمل إلا لمصالحه يحمل في طياته إيحاء بأن الآخرين ليسوا كذلك، وربما هم جمعيات خيرية.

     من هذا المنطلق، يعتبر القول إن الدولة الفلانية، أو الجهة الفلانية، وحتي الشخص الفلاني يعملون لمصالحهم، لا يعني سوى تقرير لحقيقة من المفترض أن تكون معروفة من قبل الجميع، وهي تعني في النهاية البحث عن هذه المصالح وتحديدها قدر الإمكان، ومن ثم النظر في مدى تقاطعها أو ملاءمتها لتوجهاتنا كجهة صاحبة مصالح أيضا. فعلى سبيل المثال: لنفترض أن الهدف الأمريكي من وراء القانون منع روسيا وإيران من تحقيق نصر نهائي في سوريا، وأن الشعب السوري لم يكن في حسبان المشرع الأمريكي عندما كان يصوغ القانون. في هذه الحالة، ما هو الفارق بالنسبة لنا كسوريين ما دام القانون يستهدف الداعمين الرئيسيين للنظام السوري، وما الضير في ذلك. حقيقة، يعتبر هذا النوع من التفكير أحد أهم نجاحات النظام السوري في برمجة الشعب السوري وتكوين خارطته الذهنية، فعلى مدى عقود سعى النظام السوري إلى تحويل السوري إلى شخصية نافرة من الجميع منفرة للجميع من خلال اعتداد مزيف بالذات لا أسس له ولا موجبات. وبصورة عامة، يعمل هؤلاء كطابور خامس سواء كانوا مجندين لهذه المهمة، أم كانوا بتأثير خارطتهم الذهنية لا يجيدون التفكير بغير هذه الطريقة.

    لأجل المبرمجين، ولأجل حاضنته الشعبية، ترك النظام السوري عملته تنهار قبيل دخول قانون قيصر حيز التنفيذ، ثم أعاد لها بعض التوازن بعد سريان مفعول القانون، ليوحي لهم بأن القانون لا تأثير له، بل وربما تأثيره عكسي. وهذا التصرف كان متوقعا بحذافيره من قبل بعض الخبراء، هو وبعض الحركات الخلبية الأخرى كالمعاهدة العسكرية التي أعلن عنها مع الجانب الإيراني. وعليه، من كان ينتظر سقوط النظام في اليوم التالي لدخول قانون قيصر حيز التنفيذ ليقتنع أن القانون ضربة موجعة للنظام وحلفائه، ربما هو لا يمتلك المقدرة الكافية لقراءة الأحداث.

     في قراءة أخرى أكثر تفاؤلا من القراءة الأولى، يمكن القول إن الحذر مبالغ فيه، وذلك بالاعتماد على وجود فوارق جوهرية بين الحالة السورية والحالات التي ذكرت كأمثلة على أن الحصار والعقوبات لا تسقط الأنظمة. وأهم هذه الفوارق أن النظام السوري لا يسيطر على الدولة وليس سيد نفسه. أي، هو ليس حرا بما يتخذه من قرارات، فالسيطرة الفعلية على الدولة السورية تتقاسمها كل من روسيا وإيران، وبينما تعتبر إيران جهة مؤيدة لتوجه النظام بعدم الرضوخ، لا يمكن أن نعتبر الموقف الروسي يذهب في نفس الاتجاه، فإيران تعتبر سقوط النظام السوري بداية لسقوط النظام في إيران. وعليه ربطت مصيرها بمصير النظام السوري وهي مستعدة لمساندته حتى الرمق الأخير، إلا أن الموقف الروسي يعتقد أنه ليس كذلك، ولا يوجد سبب واحد يدعو روسيا لأن تختار خيار التحدي الذي لن يجلب لها إلا المزيد من المتاعب، بينما بينها وبين حصد ثمار تدخلها في سوريا: القبول أو السعي للإطاحة برأس النظام، والقبول ببعض الإملاءات الأمريكية، وعلى هذا الأساس يتوقع أن نشاهد في الأشهر القادمة صراعا عنيفا ومحتدما بين روسيا وإيران، والذي يتوقع له أن ينتهي بتحجيم الدور الإيراني بشكل كبير.

     إن عدم تحكم النظام السوري بقراره ليس الفارق الوحيد رغم أنه الأهم، فبالإضافة إلى ذلك، يمكن الحديث عن الإرهاق الذي وصل إليه النظام السوري قبل صدور القانون نتيجة تسع سنوات من الحرب المستمرة، أضف إلى ذلك أن النظام السوري ما زال يفقد السيطرة على قسم كبير من الأراضي السورية، وأن هذه الأراضي تحتوي على القسم الأكبر من الموارد النفطية والزراعية التي يمكن لها أن تساعده على الصمود في الأحوال العادية.

     إذن، فالأمثلة التي سيقت للبرهان على أن العقوبات الاقتصادية والحصار لم تتسبب بسقوط الأنظمة في أماكن أخرى من العالم، ليس بالضرورة أن تنسحب على الحالة السورية لوجود الفوارق الجوهرية، ويمكن القول: إن قانون قيصر ضربة قاضية، وليس مجرد دغدغة كما يحاول البعض أن يقول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.