الولايات المتحدة تقول: إن روسيا تعمل مع الأسد  لنقل الميليشيات إلى ليبيا
09/05/2020
فيلم وثائقي مروع يكشف عن مساعدين للأسد في أوروبا
13/05/2020
مشاهدة الكل

عقل الشمال السوري المحرر

عقل الشمال السوري المحرر

عيسى حسين المحمد

استهلال:

فتحت الثورة السورية منذ انطلاقها المجال لأفكار لم تكن مألوفة لدى السوريين في ظل حكم البعث، ومع الوقت تحولت هذه الأفكار إلى مشاريع واقعية، وكون هذه الأفكار جديدة على العقلية السورية فقد تمت صياغتها بشكل جعلها تبدو مشوهة. البعض يظن أنها كاملة البناء والأداء، وهذا حال كثير من الأفكار الدخيلة على الثورة السورية ولم تكن موجودة في زمن البعث، أو ربما كانت موجودة ولكنها تسير في مسار حدده البعث فقط.

من أهم هذه الأفكار فكرة مراكز البحث والدراسات، فهي وإن كانت موجودة في سوريا منذ السبعينيات إلا أنها كانت تستخدم لمصلحة النظام فقط، وكان أغلبها (وما زال) يعمل في مجال تطوير الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، كمركز جمرايا للبحوث العلمية، ومركز البحوث والدراسات العلمية في برزة، ومركز الدراسات والبحوث العلمية في مصياف.

بين الحقيقة والواقع

 مراكز البحث والدراسات أشبه ما تكون مكان يجتمع فيه ثلة من الأكاديميين لكتابة المقالات فقط!، فليس لهم دور في توجيه السياسات أو صناعتها، وهذا ما يفترض أن تكون عليه الحال، أي أنها يجب أن تكون أماكن خبرة، توجه وتصنع السياسات والاستراتيجيات، وتقدم الاستشارات والمعلومات، هذا ما نراه من خلال النظر الى مراكز البحث والدراسات الغربية، حيث أن دورها قيادي في السياسة والإدارة والاقتصاد، وأصبحت معيار من معايير التقدم المعاصر.

السؤال هنا، هل مراكز البحث والدراسات التي تعتبر حديثة النشأة في المنطقة تتمتع بالقدرة على أن يكون لها دور مؤثر في حياتنا العامة!؟

عرّفت مؤسسة راند Rand Corporation الأمريكية مراكز الأبحاث والدراسات بالتعريف التالي: تلك الجماعات أو المعاهد المنظمة التي يتحدد هدفها بإجراء أبحاث مركزة ومكثفة، وتشتغل على تقديم الحلول والمقترحات للمشاكل المدروسة بصورة عامة وخصوصاً في المجالات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاستراتيجية أو ما يتعلق بها.

من خلال هذا التعريف نقول إنّ ما يسمى مراكز أبحاث ودراسات ما زالت بعيدة كل البعد عن التأثير في محيطها المحرر، فليس لهذه المراكز أبحاث ودراسات تتعلق بالاقتصاد أو الثقافة والإعلام، ولا علاقة تذكر بينها وبين الدراسات الإستراتيجية أو التكنولوجية.

إن جلَ ما تقوم به هو ورشات تدريبية في مجال المهارات الشخصية أو الإدارة، وبعض المقالات عن الشارع السوري.

 الطريق وعر!

 يمكن القول بأن هذه المراكز تحاول التأثير في المجال العام ولكنها تعاني من نقاط ضعف عديدة تجعل الطريق أمامها وعراً وشاقاً ومن أهم هذه النقاط:

1_ المحتوى النظري: أغلب ما تقدمه مراكز المحرر يقع في دائرة العمل النظري فلا دراسات عمليه ولا أبحاث علمية يمكن أن تكون أساس للبناء العلمي التطبيقي، فنحن أحوج ما نكون الى هذا النوع من الدراسات، الدراسات والابحاث سواء أكانت في السياسة أو الاقتصاد (الدراسات في الاقتصاد تكاد تكون معدومة) أو التكنولوجيا أو التاريخ أو الديموغرافيا.

2_ البعد عن مراكز صنع القرار: إنها بعيدة عن صناع القرار، وليس لها صلة بها. البعد عن مراكز صنع القرار جعل مراكز الأبحاث تعيش حالة من الاغتراب، فمراكز البحث العلمي في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً كان لها دور في انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة، ولها دور كبير في توجيه السياسة الخارجية الأميركية، ومؤسسة راند أفضل دليل على ذلك، ولهذا السبب أطلق عليها في الولايات المتحدة السلطة الخامسة.

3_ المال السياسي: يعتبر المال السياسي من أهم المخاطر على سوريا المستقبل وهو داء متفشي في كثيرٍ من الدول وفي تاريخ سوريا الماضي في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.

الحالة الطبيعية أن تكون مراكز الابحاث مستقلة ماليا وبحثيا ويمكن أن يكون تمويلها حكومي ولكن يجب وبكل تأكيد ان تكون مستقلة بحثيا، ولكن ما الحيلة في وضع يكون فيه المال السياسي سيد الموقف فلا عبرة للمستوى الأكاديمي ولا عبرة للهدف من وجود هذه المراكز، فمن المعروف عالميا بأن هذه المراكز هدفها تقديم تحليل أكاديمي وموضوعي صرف.

يلعب التمويل دوراً كبيراً في توجيه مراكز الدراسات، فيجعلها تسبح بحمد الداعم دون مراعاة للواقع ويجعل المحتوى المقدم تجاري من الدرجة الأولى.

أكاديميين ولكن

 يمكن القول أن مراكز الشمال المحرر فيها عدد لابأس به من الأكاديميين الذين يمتلكون الأدوات العلمية تمكنهم من تقديم محتوى علمي نافع للثورة، ولكن إلى الآن ما زلنا نقرأ ما تقدمه مراكز الابحاث الغربية، كمؤسسة راند ومعهد كارنيغي وغيرهما من دراسات وأبحاث عن الأمن والاقتصاد والسكان والأمور العسكرية الخاصة بالثورة السورية، ورغم وجود الأكاديميين إلا أننا لم نقرأ لهم سوى مقالات عن أمور غير مفيدة للثورة، فلا ندوات علمية ولا مؤتمرات سياسية، أو اقتصادية أو تاريخية. وجُلَّ ما يكتبه هؤلاء الأكاديميين يتعلق بالأمور الخارجية (لا صلة لها بالثورة) ومن جهة أخرى فان هؤلاء الأكاديميين أغلبهم لم يمتهن السياسة، وهذا على عكس ما نراه في المراكز الغربية التي تضم في صفوفها قامات علمية سياسية وعسكرية يعملون في الوزارات وبيوت الرئاسة.

ليس لأي مركز من المراكز في المناطق المحررة هدف واضح ورؤيا تبنى عليها أعمال تلك المراكز، قد يكون هذا هو السبب في عدم وجود دراسات وأبحاث تهتم بالأمور الأمنية والعسكرية والاقتصادية للثورة السورية.

خاتمة

 تعتبر مراكز الأبحاث والدراسات عقل الدولة وهي خزانات للأفكار Think tanks تشارك بفاعلية في صنع السياسة وتوجيهها فأين مراكز المناطق المحررة من هذا؟

يمكن القول بأن سبب في عدم فاعلية المراكز في المحرر قلة التمويل من جهة، وعدم وضوح الهدف من جهة الاخرى، وعدم وجود الأكاديميين المختصين في المجالات الحيوية في الأمن والاستراتيجية والاقتصاد، وضعف الفاعلية له دور كبير في عدم وجود تفاعل مع المواطنين. انها بحاجة للمساعدة المالية حتى تكون قادرة على المشاركة بشكل أكثر جدية في صنع القرار والتأثير في المجتمع.

يجب أن تتغير استراتيجية هذه المراكز (إن وجدت) وتتحول إلى المجال العملي وأن تقترب من الثورة أكثر، إنها عقل الثورة وليست متجر للمواد الغذائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *