بصراحة
25/02/2019
حضور ندوة “ثورات الربيع العربي وحركة النهضة التونسية رؤى وآفاق”
27/02/2019
مشاهدة الكل

صلح بريست ليتوفسك Treaty of Brest-Litovsk

صلح بريست ليتوفسك Treaty of Brest-Litovsk

الدكتور ضرغام الدباغ

مقدمة

كنت قد قرأت في وقت مبكر من شبابي من بين مطالعات أخرى عن ثورة أكتوبر، أحداث صلح بريست ليتوفسك (Brest Litoisk)، وكانت تكتلات من الحزب الشيوعي السوفيتي قد أعلنت عارضتها له بوصفه يمثل تنازلات كبيرة جداً، عن أراضي ومساحات، وحقوق، ولكننا في وقته قرأنا ذلك بدون تفاصيل وعلى الأرجح وفق المصادر السوفيتية الرسمية، ومتعاطفين معها. واليوم بعد أن أطلقت وثائق كثيرة توفرت معطيات أكثر على الاطلاع على تفاصيل ومفردات المحادثات التي أفضت إلى إبرام معاهدة صلح بريس ليتوفسك، والتي بموجبها خسرت الدولة السوفيتية أراض ومقاطعات شاسعة (ليست روسية)، وتسببت المعاهدة بردود فعل قوية داخل المجتمع السوفيتي الحديث الولادة.

وبتقديرنا أن المعاهدة وتوابعها، تعد من أهم المعاهدات التي عقدت في العصور الحديثة، وتؤشر إلى تعبيرات عديدة، منها :

ــ الظروف التي مرت بها ثورة أكتوبر الخارجية منها بشكل خاص.

ــ نهاية الحرب على الجبهة الشرقية، وخروج طرف  مهم من أطراف التحالف (روسيا القيصرية).

ــ الظروف السياسية التي أحاطت بالمسألة البولونية، والأوكرانية، والفنلندية، واللاتيفية  بصفة خاصة.

ــ التطورات اللاحقة التي ما لبثت أن برزت بعد الحرب العالمية الأولى، وأعقبتها في الحرب العالمية الثانية، والتي تأسست على الظروف التي مرت بها تلك الأرجاء.

وبتقديرنا أن مبدأ خلق دول وسادة (Bufferstaat) هي فقرة دائمية في العقيدة السياسية الروسية ولاحقاً السوفيتية ، وفي الواقع هو مبدأ سياسي تلجأ له الدول العظمى أحياناً لتتجنب احتكاك محتمل، وربما تسوقه الصدف وحتى ربما الأخطاء الفردية، مع جيرانها، ولا سيما إن كانت تخشى منهم أن يكونوا ممراً أو مقراً (Headquarters or Corridor) لمؤامرات، أو تكتلات معادية لها، فتفضل أن تكون هناك كيانات سياسية كحاجز بينها وبين المعسكر المحتمل.

ولا يشترط أن يكون ذالك الكيان السياسي تام وكامل السيادة. بل قد يفي بالغرض أن يكون ذلك الكيان شبه مستقل، يرتبط بعلاقات وثيقة معه، لتبقى مزايا الصداقة والتزاماتها متفوقة على مزايا حالة العداء. ولكن هذا الهدف الجميل قد لا يتحقق بسهولة، أو مما تخطط الدولة الكبيرة له. فالدول الصغيرة بدورها ستمارس ما يحميها من مناورات الكبار، وذلك باللعب على تناقضات الدول الكبرى ومنافساتها، وإذا كانت قيادتها ذكية وذات خبرة سياسية، بوسعها أن تستثمر المزايا الجغرافية أو غيرها من المزايا، والدول الكبرى يعتبرون هذه المواقف ابتزازية، إلا أن السياسة في الواقع قد فارقت علم الأخلاق منذ زمن بعيد، ومثل هذه التوجهات في العلاقات بين الدول ليست جديدة، بل هي تعود إلى القرون الميلادية الأولى، وكانت دول الحضر والمناذرة في العراق والغساسنة في سوريا، نلعب دور دول وسادة (Bufferstaat) بين الدولتين الساسانية والرومانية.

وثمة فائدة كبيرة أخرى، فمثل هذه النتائج وتسجيلها في اتفاقيات كاتفاقية صلح بريست ليتوفسك تمثل نظرة خلفية ضرورية تبدو أحياناً لابد منها لفهم مفردات في السياسية المعاصرة، كالأزمة في القرم، والمسألة الأوكرانية وجمهوريات البلطيق الصغيرة ليتوانيا ولاتفيا واستونيا، وتفاصيل الموقف السياسي في بحر البلطيق الذي يحمل في ثناياه عناصر ملتهبة قد تشعل نيران أزمة مرشحة للتصاعد بدرجة صراع دولي واسع النطاق متعدد الأطراف.

حاولنا تقديم خلاصة مقتضبة للموقف قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، وهي التي رشحت الأزمة لأن تتصاعد محلياً في روسيا القيصرية، في ظروف هزائم عسكرية في جبهات الحرب، ومثل ثلاثي الفقر والطغيان والقمع، العامل المساعد لتبلغ درجة الثورة، التي ابتدأت بحركة بورجوازية إصلاحية، تهدف إلى حل الإشكالات الداخلية، ومن ثم معالجة الموقف الخارجي في إطار التحالف الدولي الذي كانت روسيا أحد أطرافه المهمة، (بريطانيا وفرنسا).

بيد أن هذا الحد من الإصلاح بدا بسيطاً و لم يكن كافياً ومقنعاً للجماهير الغاضبة التي كانت تواجه الموت في الجبهات، أو القتل على أيدي البوليس القيصري، أو الموت جوعاً في الطرقات، الحزب البلشفي (الشيوعي) وحده أمتلك الرؤية لحل هذه المشكلات العميقة فوعد بالأرض بإنهاء الإقطاع وإنهاء الحرب وإحلال السلام.

وهنا تشكلت مسألة مهمة، فلا أطراف دول الوفاق (الانكليز والأمريكان) سيقبلون بسهولة وبدون آثار وتبعات على قفل الجبهة الشرقية نهائياً، مما سيمنح التحالف الألماني النمساوي العثماني أفضلية في جبهات أخرى، ولا الألمان الذين يدركون جوهر الموقف التفاوضي الروسي / البلشفي ومفرداته، وأن لا خيارات  عديدة أمامهم، فإما السلام، لتأمين الجبهة الخارجية أو الانهيار الشامل لروسيا، وبداهة سقوط السلطة السوفيتية الجديدة الناشئة. كما أن مرسوم الأرض وحده الذي سيهدئ من جماح جموع الفلاحين الروس الذين رأوا الفرصة للإنعتاق من نير الإقطاع الروسي الجائر، كمسكن داخلي.

الألمان وحلفاؤهم أدركوا أن بمقدورهم الحصول على مكتسبات بالضغط على الألمان، وهذه المؤشرات هي التي رسمت المحادثات الشاقة التي جرت في بلدة بريست ليتوفسك، والتي اضطرت السلطة السوفيتية الجديدة حيالها على تقديم تنازلات كبيرة جداً، فقدت روسيا فيها مساحات شاسعة من الأراضي، مقابل السلام، وهو ما أغضب التحالف الغربي، فحاولوا كثيراً التآمر وإثارة المتاعب لإسقاط الدولة السوفيتية.

السلطة السوفيتية لم يكن يزعجها أن تمنح القوميات غير الروسية حق تقرير مصيرها وإن حدث ذلك بطريقة معادية للسوفيت، فخسرت نسبة كبيرة من صناعاتها، كما أن الكثير من المواطنين الروس صاروا ضمن كيانات سياسية جديدة لم تكن موجودة سابقاً، وكان على الاتحاد السوفيتي الحديث أن يخوض تجارب صعبة في أعمار البلاد، وإعادة تأسيس دولة حديثة، وسيكلف كل ذلك تضحيات كبيرة، ولكن الاتحاد السوفيتي سيتمكن بفضل قيادات قوية، وخطط سليمة من حل الكثير من المعضلات بنجاح، رغم أن الغرب لم يكف عن التدخل المباشر وغير المباشر، ومحاولات لم تتوقف عن إسقاط الدولة السوفيتية وإفشال التجربة الاشتراكية.

المعاهد مهمة بنتائجها، ودروسها السياسية والقانونية. وهذا البحث حصيلة جرد لخرائط وبحوث ومقالات باللغة الألمانية والعربية. من أجل تطوير ثقافة التفاوض لدى دبلوماسينا وخبرائنا.

ضرغام الدباغ

ملاحظة :

الحرب العالمية الأولى (تموز / 1914 ـــ تشرين الثاني / 1918) تقاتلت فيها مجموعتان من الدول:

ــ الأولى أطلق عليها (دول الوفاق) بقيادة بريطانيا وفرنسا وروسيا، وانظمت لها لاحقا الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا، واليابان.

ــ الثانية أطلق عليها (دول المركز) بقيادة ألمانيا، وإمبراطورية النمسا والمجر، والإمبراطورية العثمانية ومملكة بلغاريا.

معاهدة بريست ليتوفسك

المعطيات الأولى

معاهدة بريست ليتوفسك (Brest Litovsk) وقعت في 3 / آذار ــ مارس عام 1918 بإشراف الوسيط الدولي الجنوب أفريقي أندريك فولر. في بلدة بريست ليتوفسك، وأسمها اليوم بريست وتقع في جمهورية روسيا البيضاء. والاتفاقية هي بين روسيا السوفيتية الاتحادية الاشتراكية، وكتلة دول المركز، ألمانيا والنمسا والجر والدولة العثمانية.

والمعاهدات الدولية وفق القانون الدولي هي معاهدة مبرمة بين دولتين مستقلتين، وتكون الاتفاقية عادة بلغتين وربما أكثر (لغتين البلدين المتعاهدين ولغة بلد ثالث يقبل بها الطرفان كمرجع لغوي)، يبدأ الدبلوماسيين المعتمدين لدى الدولتين المحادثات، بعد عرض وإبراز التخويل الممنوح من الحكومتين المتفاوضتين للشخصيات المفاوضة، ويمكن أن تكون بوساطة دولية، وتتواصل المحادثات لعدة جولات حتى يتم وإنضاج الموقف حتى التوصل إلى نص معاهدة، يجري توقيع على الاتفاقية من خلال شخصيات حكومية مخولة ومعترف بمكانتها.

مقدمات هامة

حين قامت ثورة 1905، لم تكن القنانة قد ألغيت في روسيا إلا قبل 44 عاماً فقط (1861) فالبلاد كانت تتجاذبها، تيارات القيصرية التقليدية، والحداثة الأوربية، حيث بدأ الصناعة تدخل البلاد وإن بشكل متأخر عن البلدان الأوربية الأخرى. وكانت ثورة 1905 الفلاحية، آخر ظاهرة للمجتمع الروسي الزراعي، وفيها أظهرت الطبقة العاملة الروسية نفسها أنها حاسمة بقدراتها، وأن الإصلاحات السطحية غير العميقة لم تعد تجدي فتيلاً، وهذه التفاعلات أدت إلى ثورة شباط / 1917، التي قاد إلى حكومة يمينية حاولت إجراء إصلاحات لم تكن كافية لتعديل الموقف جوهرياً الذي كان يميل عسكرياً ضد روسيا، وسياسياً لم يكن بوسع الحكومة الاستجابة إلى مهمات عاجلة، وبمجموعها أدت إلى قيام ثورة أكتوبر / 1917 الاشتراكية، ومن ثم إلى قيام الاتحاد السوفيتي، والنظام الاشتراكي الذي وضع روسيا حقاً وفعلاً على طريق تحولات عميقة وجذرية.

ولكن كل ذلك لم يكن ممكناً دون عمل داخلي وخارجي كبير ودؤوب ، كما كان لابد من تقديم تضحيات يستدعيها بناء دولة حديثة ذات توجه اجتماعي وسياسي واقتصادي، كما لم يكن بالإمكان الحفاظ على النظام القيصري بكل تبعاته، لذا كان اتحاد الجمهوريات السوفيتية التشكيل الأمثل يمنح البلدان الغير روسية استقلالها الذاتي ضمن الاتحاد السوفيتي، كما كان من الضرورات الحاسمة دراسة وضع فنلندة وبولونيا، ومناطق البلطيق، وهو ما اهتمت به محادثات بريست ليتوفسك. 

حين تولى الحزب الشيوعي السوفيتي السلطة، كان عليه الالتزام بأمرين أساسيين: الأول مرسوم الأرض، (Peace Decree) وهو الذي ينهي الإقطاع الروسي بصفة جذرية. والثاني وهو الأهم، موضوعة بحثنا، الانسحاب من التحالف والخروج، من الحرب. وعدا أن هذا كان مطلباً شعبياً مهماً، كان تحليل الموقف السياسي والعسكري، يقود إلى ضرورة الخروج من الحرب. وكانت دول المركز (ألمانيا والنمسا و تركيا) تحتل أجزاء كبيرة من الأراضي الروسية في القرم والقفقاس وأوكرانيا وبيلوروسيا (روسيا البيضاء)، بل لم تكن العاصمة الروسية نفسها (بتروغراد) بمنجى عن الخطر الداهم.

أصدرت الحكومة السوفيتية مرسوم السلام. وقامت وزارة الخارجية السوفيتية بتوجيه مذكرة تنبئها برغبة الدولة الجديدة بالانسحاب من التحالفات وإنهاء الحرب، وأرسلت المذكرة بهذا الشأن إلى سفارات دول الوفاق في بتروغراد (لاحقاً لينينغراد)،  التي تجاهلت هذه المذكرة، وبهذا كان على الحكومة السوفيتية التصرف بشكل أحادي، فاتصلت بحكومات دول المركز ودعتها إلى مفاوضات، التي استجابت بالموافقة. اللقاءات التي ستمهد للمفاوضات الرسمية.

الجولة الأولى :

وصل وفد المفاوضات السوفيتي إلى مدينة بريست في 19 / تشرين الأول / 1917، وقد حضر مندوبوا دول المحور الألمان والنمساويين، والعثمانيين، وقد تمثلت النقاط الجوهرية للوفد السوفيتي بما يلي :

1.     وقف إطلاق النار لمدة ستة شهور.

2.     انسحاب القوات الألمانية من ريغا (عاصمة لاتفيا).

3.     لا يجوز نقل القوات الألمانية إلى الجبهة الغربية.

المفاوضات التي استغرقت 5 أيام، انتهت بنتيجة وقف إطلاق النار لمدة عشر أيام.

الجولة الثانية :

ولم تسفر الجولة الثانية عن شيئ جوهري، ولكنها مددت وقف إطلاق النار لمدة 28 يوماً، مع أمكانية تمديدها تلقائياً، ما لم يتم اختراقها من قبل أحد الطرفين، وكذلك تمت الموافقة على حضر نقل القوات الألمانية من الجبهة الشرقية إلى الجبهة الغربية.

المرحلة الأولى من محادثات السلام

ـــ الجولة الأولى:

بعد الجولتين التمهيديتين الأولى والثانية، كان الوقت والعمل يداهم الحكومة السوفيتية الحديثة، وصل الوفد السوفيتي المفاوض إلى بريست ليتوفيسك (9/ كانون الثاني / 1918) بقيادة عضو المكتب السياسي البارز نيكولاي بوخارين، ومعه 19 شخصاً من عسكريين ومدنيين. كان موقف الوفد السوفيت يعتمد النقاط التالية:

1.عدم جواز ضم أراضي تم احتلالها بالقوة من جميع الأطراف.

2. تستعدي الدول استقلالها الذي فقدته نتيجة الحرب.

3.  تمنح الشعوب والقوميات حقوقها وتكون دولتها، بعد استفتاء حر ونزيه.

4. احترام إرادة القوميات التي تريد أن تشكل حكماً ذاتياً.

5.عدم دفع أية تعويضات.

6. قضايا المستعمرات تحل وفق الأسس الواردة أعلاه.

7. لا يجوز للقومية الكبيرة اضطهاد القوميات الصغيرة.

وكان الموقف التفاوضي السوفيتي بالغ الصعوبة، داخلياً وخارجياً، ويكاد يحاصر المفاوض السوفيتي بهامش مناورة ضيق، وإن كان كانت الوفود السوفيتية برئاسة شخصيات سياسية مرموقة واسعة الثقافة و الاطلاع (نيكولاي بوخارين، ليون تروتسكي)، يتمتعون بقوة الشخصية والصلابة، إلا أن الموقف التفاوضي وفق المعطيات المادية كان بالغ الضعف، إذ يفاوض دون أن  يمتلك خيار آخر سوى القبول  بالسلم، وحياله يقف وفد المحور (ألمانيا وحلفاؤها) مدركاً بصورة تامة ودقيقة كامل الصورة للموقف السوفيتي.

بعد ثلاثة أيام من المفاوضات الأولية الشاقة، صرح رئيس وفد كتلة دول المركز (ألمانيا وحلفاؤها) أنهم اتفقوا على الموافقة على الأسس السوفيتية السبعة، المار ذكرها،  ولكن تتحفظ دول المحور على الفقرات المتعلقة بفنلندة وبولونيا ولاتفيا، هذه الدول التي أبدت رغبة صريحة بالانفصال عن الدولة الروسية، لذلك فأن أي مفاوضات لاحقة بينها وبين ألمانيا هو شأن لا علاقة لروسيا به ولا يعتبر ضماً بالقوة إلى ألمانيا.

ــ الجولة الثانية:

في الجولة الثانية من المحادثات، طرح الوفد السوفيتي مقترحاً إيجابياً يتضمن انسحاب قواتهم من الأراضي التي تحتلها من الدولة العثمانية والنمسا والمجر، مقابل انسحاب القوات الألمانية من فنلندة ولاتفيا، وبولونيا ولا تبقى سوى قوات شرطة، ومن ثم يصار إلى استفتاء حول حق تقرير المصير، بإشراف دولي محايد ونزيه.

أما وفد دول المركز برئاسة الألمان أقترح بالمقابل اعتبار تصريحات زعماء بولونيا ولاتفيا وفنلندة بمثابة تعبير عن الانفصال عن روسيا،  وكذلك اقترح الألمان حضور الوفد الأوكراني بشكل مستقل لحضور المفاوضات. وكذلك انسحاب القوات الروسية من مناطق قوميات بولونية ولاتفية وفنلندية، لكي يتحد موقفها مع سائر الأجزاء الأخرى.

على أثر هذه المقترحات المتقابلة، والتي تنطوي على فقرات مهمة، عاد الوفد السوفيتي إلى العاصمة بتروغراد، وعقدت قيادة الحزب الشيوعي  اجتماعات من أجل طرح موقف تفاوضي ربما سينطوي على بعض المعطيات الجديدة إذا حدثت تغيرات على الجبة الغربية، قد تغير من موقف دول المحور المتشدد، وتحسن من الموقف السوفيتي.       

وقد صاغ لينين والقيادة السوفيتية، موقفهم كما يلي :

1.     تشديد الوضع على الجبهة خشية اختراق ألماني.

2.     متابعة المحادثات.

3.     بحث فرصة نقل  المحادثات إلى استكهولم.

4.     المتابعة الدقيقة في مناطق القوميات لمعرفة الموقف.

الجولة الثانية من المحادثات:

ترأس الوفد السوفيتي وزير الخارجية تروتسكي بنفسه، وقام بنشر نداءات إلى الجيش والشعب الألماني للقيام بالثورة، ويطرح موضوعات ليست على جدول الأعمال وغير متفق عليها، وموقف تروتسكي هذا كان تجسيداً لموقفه في اجتماعات الحزب، حيث كان يعارض لينين بالضرورة الحاسمة لعقد اتفاقية سلام مهما كان الثمن. فبرأي لينين، أن استمرار الحرب سيؤدي إلى الفوضى وتقويض السلطة الاشتراكية السوفيتية. فيما كان تروتسكي يعتقد بإبقاء الأوضاع مجمدة (لا حرب ولا سلم) أملاً في تطور موقف آخر ليس في صالح ألمانيا تسير باتجاهه. وكان تروتسكي الخطيب المفوه يلهب الجلسات بخطابات نارية، يستخدم فيها ألفاظاً شيوعية لم تكن مألوفة في الدبلوماسية حتى ذلك الوقت.

وفي غضون ذلك، وصل الوفد الأوكراني إلى بريست ليوفسك، وطالب اعتباره وفداً مستقلاً عن روسيا، وتقدم بطائفة من المقترحات بضم مقاطعة بولونية إلى أوكرانيا، وكذلك المقاطعتين غاليسا الشرقية وبوكفينا التي تحتلهما النمسا.

وفي الجلسة التالية، قام رئيس وفد دول المركز، بإثارة مسألة قانونية، بأعتبار أن أي من دول الوفاق لم تحضر المحادثات، فإن توقيع السلام سيكون انفصالي. وفوجئ المؤتمر بموافقة تروتسكي على حضور الوفد الأوكراني كوفد مستقل.  في الجلسة التالية، تقدم الألمان بمطالب جديدة وصعبة مستقاة من معطيات الواقع الموضوعي، وفهم دقيق لاتجاهات تفكير الوفد السوفيتي الغير قادر على مواصلة الحرب، يجب التنازل والاعتراف بعائدية بولونيا ولاتفيا، وجزر مونزوند وخليج ريغا (وريغا هي عاصمة لاتفيا) وأجزاء من أوكرانيا، وروسيا البيضاء إلى ألمانيا. الوفد السوفيتي طلب مهلة عشرة أيام لمشاورة الحكومة.

بعودة تروتسكي وهو يحمل أنباء إصرار الألمان دون هوادة على الاحتفاظ بالمزايا التي حصلوا عليها على الأرض، وموقفهم حيال بولونيا وأوكرانيا وغيرها، إنما ستبحثها الحكومة الألمانية مع ممثلي هذه الشعوب. وبهذا فقد كان على القيادة السوفيتية أن تبحث الأمر بغاية الجدية والخطورة معاً.

الموقف داخل القيادة الحزبية

كانت الدولة حديثة العهد، وكل الشؤون تناقش بإسهاب وتفصيلاً، وبجلسات مطولة.  وحتى شخصية لينين القيادية الفذة لم تكن لتحول دون بروز خلافات كبيرة. والموقف برمته كان دون ريب في مأزق يستحيل التخلص منه دون عواقب وتضحيات.

كانت هناك ثلاثة توجهات ضمن القيادة (اللجنة المركزية للحزب):

1.     توجه أطلق عليهم باليساريون، ولهؤلاء رؤية ثورية رومانسية، تتلخص من الأفضل سقوط الدولة الاشتراكية على الانصياع لطلبات دول المحور (ألمانيا)، وإن الثورة الاشتراكية قادمة لا محالة في أوربا،، ومن الأفضل الموت بشرف على الرضوخ للإمبريالية..

2.     توجه يقوده تروتسكي، غير واضح المعالم بدقة، وهو يحاول تفادي التسليم بنتائج التوقيع على المعاهد، ولكنه لا يرفضها كلياً وفق قاعدة ” لا حرب ولا سلم ” على أمل أن تتوفر ظروف في قادم الأيام تحمل مؤشرات لظروف أفضل للأتحاد السوفيتي.

3.     الموقف الثالث وهو الأكثر واقعية، ولكنه الأكثر رفضاً أيضاً وتمثل بموقف قائد الثورة ورئيس الحزب والحكومة، فلاديمير لينين، القاضي بتوقيع الاتفاقية والحصول على السلام، مهما كان الثمن باهضاً، فقد كان يؤسس تقدير موقفه، أن البلاد عجزة عسكرياً بشكل تام، ومنهارة اقتصادياً، والفوضى تحدق بها من كل جانب، وأول من سيرحل هي السلطة السوفيتية الفتية، وبعدها ستسقط البلاد في براثن جهات خارجية كثيرة تشحذ أنيابها ومخالبها لتمزيق روسيا. والخروج من هذا المحن الكثيرة لن يكون بلا ثمن، فلنحاول تقليص الثمن تحت شعار ” لا ضم ولا تعويضات “، ولابد من السلام، وبدونه سيتعرض كل شيئ للضياع.  

ولخص لينين الموقف بهذه الكلمات ” هناك من يدفع للحرب الثورية، والحرب الثورية تحتاج إلى جيش، وروسيا ليس لديها جيش، والسلام نحن مضطرون لإبرامه الآن، ولكن إذا بدأت الحرب، فسيتم كنس حكومتنا أولاً، وسيتم توقيع أتفاق سلام من قبل حكومة أخرى “

ولكن كل بلاغة لينين وفصاحته وحججه القوية لم تجدي مع أعضاء القيادة الذين غلب عليهم الحماس والتطرف، فكانت نتيجة التصويت غريبة وهي تشير إلى اتجاهات الرأي والحكمة والعقل، والتطرف واليسار الطفولي :

·        الشيوعيين اليساريين : 24 صوتاً.

·        التروتسكيين 16 صوتاً

·        مقترح لينين 15 صوتاً


كيف حلت هذه الإشكالية ؟

أحيل الموضوع لمؤتمر السوفيت الثالث، الذي ناقش الأمر وأتخذ قراراً بتخويل الحكومة اتخاذ القرار المناسب، وكان لينين قد أعطى الأمر بإطالة المفاوضات، والتوقيع فور تعقد الأمور وهو موقف يمزج بين رأي لينين وتروتسكي رغم أنه ينطوي على مجازفة أن تواصل دول المركز بقيادة ألمانيا الهجوم العسكري ويحدث ما لا يحمد عقباه.

استأنفت المفاوضات بتاريخ 30/ كانون الثاني / 1918 في بريست ببحث في جدول أعماله المسألة الأوكرانية، ثم رفعت المفاوضات بعد 5 أيام ، عاد الوفد السوفيتي للعاصمة للتشاور، استأنفت يوم 6 / شباط بتركيز إتمام المفاوضات وإجراء الصلح المنفرد، مع بقاء مشكلة أوكرانيا بلا حل جذري، ذلك أن أطراف أوكرانية أنظمت للحكومة الاشتراكية واحتلت العاصمة كيف.

وإذ أدرك الوفد الألماني غاية الموقف السوفيتي في المماطلة، وجه إنذاراً حاسماً للوفد السوفيتي، قابله تروتسكي بتصريح (بيان) ” أن الحكومة السوفيتية تؤكد أنها لن تستمر بالحرب، ولكنها لن توافق على شروط  الصلح الألمانية ” وبهذا ترك الموقف قابل للتفسير على وجوه عديدة.

الموقف السوفيتي كان مفاجأ في فحواه، ولكنه لم يغير من مفردات الموقف العسكري، فهي كانت تعني فيما تعني، عدم التزام الألمان بشروط الهدنة، وفي كل حال لم يكن بوسع السوفيت استعادة سيطرتهم على المناطق التي فقدوها في أوربا الشرقية، لضعف قدراتهم العسكرية.

كان لينين محقاً في تقديراته أن الألمان الأقوياء عسكرياً بوسعهم شن هجمات وتحقيق مكتسبات على الأرض وسياسية، وحقاً بدأ الألمان بشن هجمات بعد إنذار إلى الجيش السوفيتي، على طول الجبهة، وفعلاً حققوا مكاسب سهلة وسريعة دون أن يلاقوا مقاومة من الجيش السوفيتي، أو بالأحرى بقاياه. وأراد السوفيت إيقاف التقدم بإرسال مذكرة سريعة تعبر عن استعدادهم للتوقيع على اتفاقية السلام، ولكن الألمان لم يكونوا ذلك الطرف الذي يقبل بمناورات كهذه فواصلوا تقدمهم وأمعنوا في شروط مجحفة جديدة، ومن جديد دخل القياديين السوفيت في مجادلات لا تنتهي، ولكن لينين حسمها وهدد بالاستقالة. وأخيراً أبلغوا موافقتهم في 24 / شباط.

وقعت الاتفاقية أخيراً بحلول يوم 3 / آذار ــ مارس / 1918، وبعدها بستة أيام صادق البرلمان الألماني على المعاهدة وأصبحت سارية المفعول. وبموجب الاتفاقية تنازلت روسيا عن أراضي بولندا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا، لصالح ألمانيا والنمسا، إضافة إلى مناطق قارص وأردهان وباطوم لصالح تركيا، كما اضطرت روسيا للاعتراف بحق المصير واستقلال لكل من: فنلندا وجورجيا وأوكرانيا. وكان ذلك يعني خسارة ما يربو على المليون ميل مربع بما تضم من موارد طبيعية. وبعد أشهر الألماني فكانشرطاً جديداً أجبرت الاتحاد السوفيتي على دفع تعويضات قدرتها ب 6 مليار مارك ألماني. ولكن اتفاقية فرساي 1919 أجبرت ألمانيا عن التخلي عن كل مكاسبها التوسعية.

تحليل الموقف السياسي بعد إبرام الاتفاقية

استمرت مفاوضات الصلح لمدة ثلاثة أشهر تخللها انقطاع في المفاوضات للاختلاف في وجهات النظر، والخلاف الرئيسي كان في تفسير مبدأ حق  الشعوب في تقرير المصير، وكان الوفد السوفيتي يرى أن هذا الحق يطبق بعد انسحاب القوات الألمانية المحتلة. أما الوفد الألماني  فكان لا يعارض حق تقرير المصير، ولكن لا ضير أن يتم ذلك في ظروف الاحتلال.

تعتبر معاهدة بريست ليتوفسك من أشد المعاهدات جوراً في التاريخ الحديث، من حيث شروطها الصعبة ونتائجها المادية والمعنوية، وكان لها تأثيرها الكبير على الظروف التي رافقت تأسيس الاتحاد السوفيت على أنقاض الإمبراطورية الروسية (القيصرية)،  وقد اعتبرت فئات سوفيتية (من الحزب الشيوعي) أن توقيع الاتفاقية تعد مثلبة سياسية ودستورية بحق القيادة السوفيتية التي وقعت الاتفاقية، وكان لها تأثيرها اللاحق على تصرفات القيادة السوفيتية في الحرب العالمية الثانية، التي حاولت أن تصحح آثار صلح بريست ليتوفسك، وبتقديرنا أن تلك الآثار سارية حتى اليوم، حتى رغم حقبة الاتحاد السوفيتي.

وبنود المعاهد، اهتمت بترصين موقف ألمانيا وحلفائها، ومع الإدراك التام بصعوبة موقف الحكومة السوفيتية الضعيف، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ووفدها الدبلوماسي الذي يفاوض ولا خيارات لديه سوى قبول ما يمليه الطرف الآخر. وفي ظل ظروف تفاوضية كهذه، فرضت فيه ألمانيا أقصى ما يمكن من وجهات نظرها ومصالحها، فيما كان الوفد السوفيتي المفاوض يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه ولكن دون أن يكون بحوزتهم ورقة يمكنهم المقايضة بها. وكان جل ما أستطاع وزير الخارجية السوفيتية ليون تروتسكي، وهو مفكر وقائد سياسي كبير، المناورة عليه، هو تصريحه (شباط / 1918) الذي أدهش الدبلوماسيين ” أن الحكومة السوفيتية تؤكد أنها سوف لن تستمر بالحرب، ولكنها لن توافق على شروط  الصلح الألمانية ” وبهذا ترك الموقف قابل للتفسير على وجوه عديدة. ولكن ألمانيا لم تكن لتقبل إلا باستسلام تام وواضح لا لبس فيه. فالموقف السياسي والعسكري العام للحرب، لا يتقبل إلا الوضوح التام في الموقف على الورق والأرض.

كان الرد الألماني صاعقاً تمثل بمواصلة العمليات الحربية، مما نجم عنه احتلال المزيد من الأراضي وتدهوراً متزايداً في الموقف السياسي والعسكري. كانت رداً على سياسة المناورة (وجهة نظر تروتسكي وكتلته في الحزب)، والمماطلة لحين تتوفر (ربما) مواقف تفاوضية أفضل (موقف لينين وكتلته)، الرد الألماني أرغم الحكومة السوفيتية على غلبة وجهة نظر قائد الثورة  لينين الواقعية، المؤلمة، ولكنها كانت الممكن الوحيد. ودول الوفاق عارضت بشدة اتفاق يريست ليتوفسك، ونزلت القوات البريطانية واليابانية في السواحل أقصى شرق الاتحاد السوفيتي،  مومانسك وفيلاديفوستوك، وأرخانجيل في تعقيد جديد للموقف السياسي والعسكري.

وبنتيجة المعاهدة، وحال توقيعها بتاريخ 3 / آذار / 1918، انفصلت وفقاً لحق تقرير المصير كل من : أوكرانيا وبولندا ودول البلطيق (استونيا، وليتوانيا ولاتفيا) التي كانت ولايات روسية، وجزء من روسيا البيضاء (بيلوروسيا)، وجزء من الأراضي الروسية، كما دفع الجانب السوفيتي 90 طناً من الذهب. هذا عدا عن شروط مجحفة للسوفيت في التجارة والملاحة البحرية.

النتائج النهائية

خسرت روسيا بتوقيع المعاهدة :

ــ تخلت روسيا عن حقوقها السيادية في : بولونيا، وليتوانيا، وكورلاند، وستحكم ألمانيا هذه المناطق وفقاً لحق تقرير المصير الذي سيتقرر لاحقاً.

ــ ستبقى استونيا وليفنيا  وكذلك معظم المناطق من روسيا البيضاء، (شرقي نهر الدنيبر) محتلة من القوات الألمانية.

ــ أوكرانيا وفنلندة ستصبح دولاً مستقلة وفقاً لحق تقرير المصير.

ــ المناطق التي تحتلها روسيا منذ عام 1878 من أرمينا، وكذلك أردهان، وقارس، وكذلك باطوم الجورجية، ينبغي أن تسلم إلى الإمبراطورية العثمانية..

ــ  تخلت الدول المركزية (ألمانيا وحلفائها) عن تعويضات.

وكان ذلك يعني أن روسيا  :

ــ خسرت بموجب هذه الاتفاقية 26% من أراضيها الواقعة في القارة منهم الثلثــ و27% من أراضيها الصالحة للزراعة

ــ و 26% من شبكتها للسك الحديدية.

ــ و33%  من مصانع النسيج.

ــ  73 % من صناعات التعدين.

ــ  73% من مصادر الفحم الحجري.

ــ وقد ارتضت الأقليات في روسيا القيصرية ، أن تكون كمحميات لدول المحور (ألمانيا وحلفائها).

ــ  شملت المساحات التي انتزعت من السيادة الروسية نحو 1,420,000 كم مربع

ــ وكان يقطن في هذه المساحة (الفقرة أعلاه) نحو 60 مليون نسمة، منهم  الثلث 1/ 3 كانوا مواطنين روس.

وكان إبرام الاتفاق التكميلي  لاتفاقية السلام في بريست ليتوفسك، الذي وقع ببرلين في 27/ آب / 1918

انطوت على ذروة جديدة لسياسة التوسع الألمانية في الشرق، في نفس الوقت تضمنت العديد من خطط التوسع والضم ولكنها لم تكن سوى نهاية مؤقتة. وروسيا السوفيتية تنازلت عن استونيا، وليفنيا وجورجيا، التي عاشت فترة قصيرة من الاستقلال، كما التزمت بدفع مبلغ للتعويض (وهو ما لم يكن ضمن الاتفاقية)  6 مليار مارك ذهبي. للمواطنين الذين انسلخوا عن الدولة السوفيتية.  والذين لم ينالوا تعويضات من الروس البلاشفة.

تعهد الجانب الألماني من جانبه إخلاء روسيا البيضاء، وأن لا يتدخلوا لإسناد الحكومة المعادية للبلاشفة. ومن الجانب الروسي، أبدى (موافقة ضمنية) في تدخل الألمان في مقاتلة قوات الحلفاء الغازية التي نزلت في شمال روسيا، ولكن أمل دول القوى المركزية (هتلر وحلفائها) أن نهاية الحرب في الشرق، ستكون عاملاً في حسم الجبهة في الغرب، أمل لم يتحقق. فمن جهة بقي حجم كبير من الوحدات مرابطاً في المناطق المحتلة، كما أن دخول الولايات المتحدة المتزايد في الحرب جاء لمصلحة دول الوفاق.

وختاماً  حدث الهجوم الكبير في آذار / 1918 الحاسم في الغرب والذي كان فاشلاً  ذلك أن الموارد الأولية والمواد الغذائية كانت أقل بكثير مما كان مطلوباً، بسبب مليون جندي ألمانيا مرابطين في الشرق في خطط الجنرال الألماني لودوندورف، واقتصادياً. 

وعلى كل حال، فإن التطورات اللاحقة للأحداث في الحرب العالمية الأولى، شهدت تدهوراً في الموقف السياسي / العسكري للإمبراطورية الألمانية (الرايخ الألماني)،  أدت إلى توقيع معاهدة بتاريخ 11 / تشرين الثاني ــ نوفمبر / 1918، أطلق عليها بأسم المدينة التي عقدت فيها اتفاقية السلم النهائي، الواقعة في شمال فرنسا (Compiebne) بين دول المركز (ألمانيا وحلفائها، ودول الوفاق (بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وحلفائها ) ومن بين ما أتفق عليه إلغاؤه معاهدة بريست ليتوفسك، وتقرر انسحاب القوات الألمانية من الشرق وجنوب الشرقي إلى حدود عام 1914 (عام بدء الحرب العالمية الأولى.)

القوات الألمانية في الأراضي الروسية ولا سيما تلك التي كانت في مناطق بحر البلطيق، كان عليهم الصمود هناك وانتظار الأوامر من قيادات الحلفاء المنتصرين. وبذلك كانت دول الوفاق تنظر إلى احتمالات تطور الموقف في الحرب الأهلية في روسيا. كما أن أوكرانيا أعيد احتلالها عام 1919 من الجيش الأحمر، فيما تمكنت فنلندة من حماية استقلالها، ولكن التدخل السوفيتي لم يتوقف في فنلندة.

 تقييم المعاهدة

لم تكن اتفاقية برست ليتوفسك قد خطط لها بعناية ضمن الخطط الاستراتيجية الألمانية المعروفة ” التوسع شرقاً ” (Drangen nach Osten)، ولكنها (الاتفاقية) كانت نتيجة للأنهيار الروسي، ولكنها مثلت فعلاً بداية التوسع الألماني في الشرق.

والبلاشفة وجدوا في وقت لاحق أن في قبول الشروط الألمانية فائدة. فقد وجد رجال السلطة الجديدة أن روسيا في ظل اتفاقية سلام بريست لينوفسك، ظروفاً مناسبة. فهذه الاتفاقية مع بلدان المركز أمنت لهم استراحة وفرصة لالتقاط الأنفاس، وتعزيز السلطة في روسيا وفي المناطق الأخرى التي كانت روسيا تسيطر عليها في عهد الإمبراطورية القيصرية.

وكتاب التاريخ السوفيت يقيمون مرحلة عقد اتفاقية برست ليتوفسك والمرحلة التي تلتها كمثال رائع لتاكتيكات لينين، التي تؤدي إلى خلق تناقضات عميقة في المعسكر الإمبريالي، واستغلالها في بناء السلطة البلشفية.ودول الوفاق المنتصرة في الحرب لم يكن لديها منهاج تعمل عليه في مرحلة ما بعد الحرب في الشرق (شرق أوربا)، كما أنهم لم يكونوا يعرفون ما الذي ينبغي أن يتخذوه  ويفعلوه حيال الحكومة الروسية الجديدة، وكذلك حيال الشعور الوطني المتنافي بقوة لدى شعوب أوربا الشرقية.  وجدوا في نهاية المطاف الحل بتقسيم المناطق التي كانت روسيا تهيمن عليها وترسيم الحدود بمقتضى المصالح الغربية، وفي ذلك كانت بولونيا وفنلندة ودول البلطيق قد نالت استقلالها، وكان النفوذ والتأثير السوفيتي ضعيفاً فيها.

كان العسكريون الألمان خلال المحادثات يهتمون أن دول الوفاق (الولايات المتحدة وبريطانيا) ستمكنهم خلال المفاوضات العامة من أجل السلم أن يحققوا مكتسبات لهم، حتى الإدارة الإمبراطورية الألمانية كانوا يخشون من سلم توافقي ينال من أهدافهم التي حاربوا من أجلها. وهو ما عالحالة فأنناشار الألماني هيرتلينغ في تشرين الثاني 1918، بقوله : ” ربما هناك نوع من المجازفة، في موقف دول الوفاق حيال أهدافنا،  فقد نعمم المقترحات الروسية. وفي هذه الحالة  فأننا سنواصل طرح شعار ” لا للضم ” حتى على دول الوفاق، وهو ما حققناه مع الروس، يمكن تعميمه، ولكنه بشكل عام لا يتفق مع نوايانا “.

وبمقارنة معاهدة السلام بريست ليتوفسك  التي عقدت عام 1919 ، مع معاهدة السلام التي عقدت في قصر فرساي / باريس، يتضح في كلا الحالتين التي سميت (اتفاقات) أو (معاهدات)، كانت في حقيقة الأمر إملاء إرادة المنتصر على الخاسرين. ولم يكن أتفاق بريست ليتوفسك بأي حال من الأحوال سلام متفاهم عليه كما أكدته نتائج السلم، بل كان سلاماً قاسياً شرساً أرغم عليه بواسطة تقدم القوات المسلحة. ففي الجانب الألماني لا سيما في عام 1919 عندما جرى تنفيذ اتفاقيات فرساي وتطبيقاتها، والمناطق التي سحبت من روسيا لم تكن تقطنها أفراد من القومية الروسية، بل من شعوب غير روسية، التي كانت تسعى إلى الاستقلال. وبذلك فإن اتفاقيات فرساي / باريس  التي استوحت مبادئها من بيان رئيس الولايات المتحدة (Woodrow Wilson ) وودرو ويلسون في حق الشعوب بتقرير مصيرها. ومعاهدة فرساي تضمنت حدوداً زمنية لأحتلال القوات الاجنبية، وهو ما لم تذهب إليه معاهدة بريست ليتوفسك.

ولكن معاهد بريست ليتوفسك كانت قد ألحقت أضراراً كبيرة بروسيا، حيث أخذت منها : 34% من سكانها،  54% من صناعتها، 89% من إنتاج الفحم، وتقريباً كل إنتاجها من النفط، هذا ما جعل اتفاقية بريست ليتوفسك توصف بأنها أقسى من اتفاقية فرساي.

ملحق

بنود المعاهدة

المادة الأولى

تعلن الأطراف السامية المتعاهدة ألمانيا وحلفائها التمسا والمجر وبلغاريا والدولة العثمانية من جهة، وروسيا من جهة أخرى، وقف حالة الحرب بينهما، على أن يتعاهد الطرفان من تاريخ توقيع الاتفاقية فصاعداً على العيش بسلام وصداقة.

المادة الثانية

تقوم الأطراف المتعاهدة بالامتناع عن أي تحريض أو دعاية ضد الحكومة أو المؤسسات العامة والعسكرية للطرف الآخر. ويقع هذا الالتزام على الجانب الروسي، بالامتناع عن القيام بأي تحريض أو دعاية ضد ألمانيا في الأراضي التي تحتلها ألمانيا أو حلفائها من بولندا أو الأراضي التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الروسية (سابقاً).

المادة الثالثة

أ‌.        إن الأراضي الواقعة غرب روسيا والتي كانت خاضعة للإمبراطورية الروسية (سابقاً) لم تعد تخضع للسيادة الروسية، وهذه الأراضي هي أجزاء من بولندا واستونيا وليتوانيا ولاتفيا، وتتنازل الحومة الروسية عن المطالبة بهذه الأراضي.

ب‌.   لا يجوز للحكومة الروسية تحت أي التزامات تجاه الأراضي المشار إليها، أن تدعي ملكيتها لهذه الأراضي.

ت‌.   تمتنع روسيا عن جميع أشكال التدخل في العلاقات الداخلية لهذه الأراضي.

ث‌.   ولتحديد الوضع المستقبلي لهذه الأراضي يتم التباحث بين ألمانيا وحلفائها مع سكان هذه الأراضي وذلك لتقرير مصيرها.

المادة الرابعة

أ‌.        بعد توقيع اتفاقية السلام بين الطرفين المتعاهدين يتم انسحاب الجيش الروسي من الأراضي التي يتم الاتفاق عليها في الفقرة 1 من المادة الثالثة، على أن يتم تحديد خط الحدود الفاصلة ين روسيا والمناطق المتنازل عنها في الشرق بموجب خارطة موضحة في المادة الثالثة من المعاهدة.

ب‌.   ب. تقوم روسيا من جانبها بتأمين جلاء فوري لقواتها العسكرية عن المقاطعات الواقعة شرق الأناضول وإعادة هذه المقاطعات إلى الدولة العثمانية دون تأخير.

ت‌.   حددت المقاطعات التي يجب تطهيرها من القوات الروسية وهي مقاطعات أردهان وقارس وباطوم.

ث‌.   هـ . تتعهد روسيا بعدم التدخل في الشؤون والعلاقات الداخلية والدولية في هذه المناطق، ويترك عملية تحديد الوضع المستقبلي لهذه المناطق للسكان المحليين لتنفيذ عملية إعادة التنظيم في هذه المناطق مع الدول المجاورة ولا سيما الدولة العثمانية.

المادة الخامسة

تلتزم روسيا ودون إبطاء

أ‌.        التسريح الكامل لقطعاتها العسكرية بما في ذلك التي نظمت من قبل الحكومة البلشفية.

ب‌.   تقوم روسيا بإحضار سفنها الحربية في الموانئ الروسية لغرض احتجازها حتى توقيع معاهدة السلم العام، أو نزع سلاح السفن الروسية الحربية من قبل السفن الحربية لألمانيا أو حلفائها.

ت‌.   سيتم التعامل من السفن الروسية التي لم تسلم إلى المناطق المحددة أو التي لم يتم نزع سلاحها على أنها سفن معادية لا سيما في مناطق المحيط المتجمد الشمالي وبحر البلطيق والبحر الأسود حتى إبرام معاهدة السلام الكاملة.

ث‌.   على الحكومة الروسية أن تشرع في الحال في إزالة الألغام عن المناطق المحددة في الفقرة السابقة وتستأنف الحركة التجارية فيها.

ج‌.    سيتم تنظيم لجان من الطرفين المتعاقدين لصياغة لوائح أكثر تفعيلاً وخصوصاً ما يتعلق بتقيد الحركة التجارية للسفن في الممرات المائية.

ح‌.    التزام الجانبين بأن تكون ممرات الملاحة بين البلدين خالية من الألغام العائمة.

المادة السادسة

1.     تلتزم الحكومة الروسية بإبرام معاهدة سلام بينها وبين جمهورية اوكرانيا.

2.     تعترف بمعاهدة السلام بين ألمانيا والدول المذكورة في الفقرة السابقة بانسحاب القوات الروسية دون تأخير وفوراً لا سيما قوات الجيش الروسي الجديد وقوات الحرس الأحمر منها.

3.     تضع روسيا حداً لجميع الانفعالات ويمنع على روسيا بث أية دعاة مناهضة للحكومة الاوكرانية أو للشعب أو المؤسسات التي تخص الحكومة الأوكرانية.

4.     تنسحب القوات الروسية وقوات الحرس الأحمر فوراً ودون إبطاء من كل من أستونيا وليتوانيا ولاتيفيا، ويتم تحديد القوات الروسية وقوات الحرس الأحمر فيها.

5.     يتم تحديد الحدود الشرقية على طول نهر نارفا حدوداً شرقية لليفونيا وبصفة خاصة بحيرات باكووبيبس إلى الزاوية الجنوبية الغربية من هذه البحيرات وتمتد عبر بحيرة لوبيان باتجاه ليفهوف على دفينا، وسوف تكون ليفونيا واستونيا تحت سيطرة القوات الألمانية حتى يتم تأسيس المؤسسات والنظام العام وتأمين الأمن الوطني السليم فيها.

6.     تقوم الحكومة الروسية بتحرير من أعتقل من سكان استونيا وليفونيا وتأمين العودة الآمنة لهم، وتلتزم الحكومة الروسية بترحيل غير المرغوب فيهم من الروس الموجودين في استونيا وليفونيا.

7.     تلتزم الحكومة بالانسحاب من فنلندة وجزر الأند وتطهيرها من القوات الروسية والحرس الأحمر الروسي.

8.     تلتزم القوات البحرية الروسية بالانسحاب من الموانئ الفنلندية إذا سمحت الظروف الجوية والمناخية بذلك، أما في حالة حصول موانع في انسحاب السفن البحرية الروسية فإنها تبقى لمدة محدودة وبعدد محدود من القوات على متن السفن الحربية.

9.     تلتزم روسيا بوضع حد لجميع الانفعالات وتمنع من بث أي دعاية مناهضة للحكومة أو للشعب في فنلندة.

10.                        تلتزم الحكومة الروسية بإزالة جميع الحصون والقلاع التي بنيت في جزر الاند القريبة من العاصمة بتروغراد على أن تناقش جميع المسائل المتعلقة بالقضايا العسكرية والملاحة التقنية باتفاق خاص سيبرم بين ألمانيا وفنلندة والسويد وروسيا، إذ سيتم التشاور بناء على رغبة ألمانيا وبعض الدول المجاورة الواقعة على بحر البلطيق في تحديد هذه المسائل.

المادة السابعة

تلتزم الإطراف المتعاقدة على احترام السياسة الاقتصادية والاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية لبلاد فارس وأفغانستان فضلاً عن دول البلطيق المستقلة في أوربا.

المادة الثامنة

يتم إطلاق سراح أسرى الحرب من كل الجانبين للعودة إلى الوطن، وسيتم تسوية المسائل المتعلقة بهذا الموضوع في مناقشات متعلقة وضمن المعاهدة الخاصة المنصوص عليها في المادة الثانية عشر من المعاهدة.

المادة التاسعة

تنبذ الأطراف المتعاقدة مسائل التعويض عن تكاليف الحرب، أو نفقاتها فضلاً عن التعويض عن خسائر الحرب أو الخسائر التي نجمت عن الحرب كالخسائر التي لحقت بالرعايا داخل مناطق الحرب عن طريق اتخاذ تدابير عسكرية داخل المناطق المدنية.

المادة العاشرة

تستأنف العلاقات الدبلوماسية والقنصلية بين الأطراف المتعاقدة فور التصديق على بنود المعاهدة، على أن يتم القبول المتبادل للقناصل في اتفاقيات منفصلة بين الأطراف المتعاقدة.

المادية الحادية عشر

تلتزم ألمانيا وحلفائها من جهة وروسيا من جهة أخرى بتنمية العلاقات الاقتصادية فيما بينها وذلك وفقاً للوائح الواردة في الملاحق : الخامس والثاني.

المادة الثانية عشر

1.     إعادة العلاقات القانونية العامة والخاصة.

2.     تبادل أسرى الحرب والمواطنين المعتقلين .

3.     مسألة العفو عن المجرمين والمطلوبين بين الدولتين بجرائم مدنية.

4.     معاملة السفن التجارية التي دخلت حدود ومياه الخصم الإقليمية.

5.     سوف يتم تنظيم معاهدات منفصلة بين ألمانيا وحلفائها والجانب الروسي تتعلق بهذه المسائل وتشكل جزءاً أساسياً من المعاهدة للسلام العام، وتنتقل إلى حيز التنفيذ في وقت واحد.

المادة الثالثة عشر

يعتمد في تفسير هذه المعاهدة على النصوص الألمانية والروسية، وتكون أساساً للعلاقات بين ألمانيا وروسيا، والألمانية للعلاقات الهنغارية ـ الروسية، والعلاقات بين النمسا وروسيا، والنصوص البلغارية والعلاقات الروسية ـ البلغارية، والنصوص التركية للعلاقات بين روسيا وتركيا.

المادة الرابعة عشر

1.     يتم التصديق على معاهدة السلام في أقرب وقت ممكن، ويتم تبادلها في برلين، وتلتزم الحكومة الروسية وبناء على رغبة واحدة من برلين وحلفائها لتنفيذ تبادل وثائق التصديق في غضون أسبوعين من تاريخ توقيع المعاهدة، ما لم ينص على خلاف ذلك في موادها أو في إقرارها ، أو في المعاهدات الإضافية.

2.     تدخل المعاهدة حيز التنفيذ لحظة التصديق عليها.

وقعت الوثيقة عن المفوضين عن الجانب الألماني والروسي، وأعدت الوثيقة بخمس نسخ ووقعها الجنرال هوفمان عن ألمانيا وحلفائها، وتروتسكي وزير خارجية روسيا عن الجانب الروسي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1. Lexikon  : Friedensvertrag von Brest – Litowisk

2. Friedensvertrag von Brest-Litowsk—Zeit onlin

3. عبد المطلب العلمي : صلح بريست ليوفسك.

4. د. عماد هادي عبد علي، د. ربيع حيدر ظاهر الموسوي: معاهدة بريست ليتوفسك. صوت المندي

5. طه عبد الناصر رمضان : شروط مذلة ومهينة أقصت روسيا عن الحرب العالمية الأولى / العربية

6. شروط معاهدة بريست – ليتوفسك للسلام:  موقع :  Tukl opecht

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *