سوريا بعد التحرير: من نشوة الانتصار إلى امتحان الخدمات
14/09/2026
حلف مكة أمام أول اختبار: ردع محسوب أم حرب مفتوحة؟
21/09/2026
سوريا بعد التحرير: من نشوة الانتصار إلى امتحان الخدمات
14/09/2026
حلف مكة أمام أول اختبار: ردع محسوب أم حرب مفتوحة؟
21/09/2026
مشاهدة الكل

سوريا بين أزمة الطاقة وعودة أصالة نصري

حين يعلو صوت الاحتفال على صوت الوجع

سوريا بين أزمة الطاقة وعودة أصالة نصري

محمد صادق شيخ ديب 19 أيلول 2026

في بيتٍ من طين، في ريفٍ سوري، يمكن أن نتخيّل امرأةً ستينية تلفّ شالها حول جسدها النحيل. لا مازوت، ولا كهرباء، ولا من يسأل. أطفالها في الغربة، وزوجها في القبر، وبقيت هي وشمعةٌ تحتضر. على بعد كيلومترات، في دمشق، أضواء المسرح تشتعل، وأصالة تغني، وكاميرات تلتقط الفرح، وبيانات تُبارك العودة.

بين الشمعتين، شمعة الأم وشمعة المسرح، ليست المأساة أن تضيء إحداهما، بل ألا يرى أحدٌ الأخرى.

ولهذا لا ينبغي أن نضع الفرح في مواجهة الوجع، ولا الفن في مواجهة الخبز. فالشعوب لا تتوقف عن الحياة لأنها تمر بالأزمات، والفن ليس ترفاً ينبغي أن يُعتذر عنه في أوقات الشدة.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي، وهو أكبر من حفل أو أغنية: كيف يمكن لسوريا أن تفتح نوافذ الفرح، من دون أن تغلق أبواب المسؤولية تجاه من ينتظرون الكهرباء والمازوت والخبز؟

لا أحد ينكر أن للفن مكانه، ولا أن أصالة صوت من ذاكرة سوريا. ولا أحد يطالب الناس بالصمت عن فرحهم.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح صوت الاحتفال أعلى من صوت المحتاجين، وحين تتحول الأضواء إلى واجهة تخفي خلفها أسئلة المعيشة والكرامة. السؤال ليس عن الغناء، بل عن كلفة الاحتفال، وعن حجم الضوء الذي يناله مقارنةً بأزمة تمس حياة كثير من السوريين.

نعم، من حق المواطن أن يحتج على رفع أسعار الطاقة. من حقه أن يصرخ حين يرتفع سعر المازوت ويصبح الحصول عليه عبئاً على الفقير. لكن من حقه أيضاً أن يحمي وطنه من الفوضى. من يحرق مؤسسة أو يخرب مستودعاً لا يعاقب الدولة وحدها، بل يضاعف كلفة الأزمة على الفقير الذي كان ينتظر حاجته.

وفي المقابل، ما يجري على صفحات التواصل الاجتماعي لم يعد دائماً نقاشاً ولا رأياً. تحولت بعض المساحات إلى ساحات للشتم والتحريض والتفاهة؛ صفحات مجهولة تُشعل كل قضية صغيرة، وتضخّم الخلافات، وتقدّم التافه لأنه يصنع «تفاعلاً»، بينما تُبعد أهل الرأي والاختصاص.

أما بعض وسائل الإعلام، فتنجرف وراء الإثارة، بينما تتحول منصات التواصل إلى مساحات يمكن أن تتضخم فيها الأزمات وتُدار حولها حملات التحريض. وفي هذا المناخ، يُكرَّم أحياناً من لا يستحق، ويُهمَّش فيه من يبني.

ووسط هذا الضجيج يضيع أصل المسألة: السوري الذي يذهب إلى حفل موسيقي لا يتخلى بذلك عن وجع بلده، ومن يطالب بالكهرباء والمازوت والخبز ليس عدواً للفرح. يمكن للمسرح أن يضيء، وفي الوقت نفسه يجب أن تضاء البيوت؛ فالأمل الحقيقي يحتاج إلى سياسات تخفف أعباء المعيشة، وإلى شفافية تُري المواطن أين تذهب الموارد وكيف تُرتَّب الأولويات.

سوريا لا تحتاج مزيداً من الضجيج، بل تحتاج:

  • جدولاً زمنياً معلناً لتحسين ساعات الكهرباء في عموم سوريا، لا وعوداً.
  • آلية توزيع عادلة للمازوت، لا واسطات.
  • نشر تقارير إنفاق الفعاليات الرسمية، لا استعراضاً.
  • فصلاً واضحاً بين المحتج السلمي والمخرب، لا خلطاً يظلم الأول ويُفلت الثاني من المساءلة.
  • منصة شكاوى ومتابعة علنية لملف الطاقة، يعرف فيها المواطن ما تحقق وما تعطّل.

إلى أصحاب القرار: رتّبوا الأولويات، فوحدة البلد وسلمه الاجتماعي فوق كل اعتبار.

إلى وسائل الإعلام: تحققوا قبل النشر، ولا تبيعوا الكراهية على أنها رأي.

إلى الفنانين: الفن قيمة، وقيمته تكبر عندما يقف مع الناس لا فوقهم.

إلى المواطنين: احتجوا سلمياً، ولا تنجرفوا خلف المجهول، ولا تفرطوا في الحب ولا في الكره حسب الأجندة.

وحين تُضاء البيوت كما تُضاء المسارح، لا يعود الفرح مستفزاً للمتألمين، بل يصبح جزءاً من التعافي.

فلنبدأ بالأهم: وطن يداوي وجعه، ويحفظ كرامة أهله، ثم يفتح نوافذه للفرح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

deneme bonusu veren siteler - canlı bahis siteleri - casino siteleri casino siteleri deneme bonusu veren siteler canlı casino siteleri cURL Hatası: Could not resolve host: lkl.dolarkurum.com